النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11890 الأربعاء 27 اكتوبر 2021 الموافق 21 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:23AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:35PM
  • المغرب
    5:00PM
  • العشاء
    6:30PM

كتاب الايام

أفغانستان.. ساحة الحروب والصراعات

رابط مختصر
العدد 11833 الثلاثاء 31 أغسطس 2021 الموافق 23 محرم 1442

العراق.. سوريا .. لبنان .. غزة .. اليمن .. أفغانستان، وقبلها تونس ومصر وليبيا .. دول عربية وإسلامية في محيط إقليمي واحد، شاءت الأقدار أن تكون جميعها تحت مجهر السياسة الأمريكية التي عيَّنت نفسها وكيلة للدفاع عن الديموقراطية وحقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير في العالم، غير مكترثة بما سيحلّ بشعوب هذه الدول من دمار هائل منذ الهجوم الإرهابي على برج التجارة العالمي في نيويورك في (سبتمبر 2001م)، مما أدى إلى ضياع دول وتمزّق أنظمة وتشتّت شعوب في دهاليز مظلمة مُذلة للكرامة الإنسانية، كل ذلك انتقامًا لما أصاب الغرور والكبرياء الأمريكي بغطاء إسقاط الأنظمة الدكتاتورية وإقامة أنظمة ديمقراطية بديلة عنها، واستخدمت الولايات المتحدة الأمريكية هذا الغطاء لإشعال حرائق في هذا العالم الإسلامي والعربي ذريعة لتدخّلها في الشؤون الداخلية لهذه الدول، واعتمدته أساسًا للعلاقات معها، ضاربة بعرض الحائط كل الظروف الإنسانية الخاصة لمجتمعات هذه الدول ومعتقداتها وعاداتها وتقاليدها. 

فلماذا نصَّبت الولايات المتحدة نفسها المدافعة عن حقوق الإنسان ودخلت من أجلها في حروب وصراعات وقتل ودمار؟

ولماذا أنشئت منظمات دولية معنيّة بحقوق الإنسان طالما لدى الإدارة الأمريكية حلول لمشاكل العالم وقضاياه وسياستها التي تتغير كل أربع سنوات بنشر الديمقراطية وحماية حقوق الإنسان على مستوى اختياراتها الخاصة؟ 

ألم تستوعب الولايات المتحدة فشلها الذريع في فيتنام التي دخلتها من أجل وقف مد الفكر الماركسي أو الشيوعي؟! 

ألم تُدرك الفشل الروسي في أفغانستان لتقوم بنفس الحملة العسكرية لوقف الفكر الإسلامي المتطرف الذي تمثله حركة طالبان التي عادت إلى كابول دون إراقة نقطة دم واحدة وهي في طريقها للعاصمة الأفغانية رغم التدريبات العسكرية والأسلحة الثقيلة التي يملكها الجيش الأفغاني؟. 

أليس أمرًا محيرًا ذلك الانهيار المذهل للجيش الأفغاني الذي سمح لمقاتلي طالبان بالوصول إلى أبواب العاصمة كابول رغم التدريبات العسكرية التي استمرت عشرين عامًا ومليارات الدولارات من المساعدات الأمريكية؟ 

وماذا عن الأسلحة والعتاد الهائل الذي خلفته وراءها في ساحة المعركة؟ أليس ذلك كله خسائر بالمليارات سوف تطلب أن تدفعها الدول الخليجية التي تعمل على تغيير أنظمتها وتدميرها؟ ربما تجيب النقاط الآتية على هذا التساؤلات: 

أولاً: يمكن القول بأن حركة طالبان استفادت من حالة عدم اليقين الناجمة عن اتفاق (فبراير 2020) الذي تمَّ التوصل إليه في الدوحة بين الميليشيا الأفغانية المتشددة والولايات المتحدة، والذي دعا إلى انسحاب أمريكي كامل من أفغانستان، فأدركت بعض القوى الأفغانية أنها لن تكون قادرة (قريبًا) على الاعتماد على القوة الجوية الأمريكية وغيرها من أشكال الدعم الحاسمة في ساحة المعركة، فأصبحت أكثر تقبلاً وإدراكًا بأن حركة طالبان سوف تستلم السلطة وتحكم أفغانستان قريبًا جدًا، فأرادت تأمين مكانها مع الحكم المرتقب. 

ثانياً: يبدو أن (اتفاق الدوحة) لإنهاء الحرب في أفغانستان كان من أهم أسباب حالة الإحباط التي عمَّت القوات الأفغانية، وتحديداً تلك التي كان ولاؤها ضعيفًا للحكومة المركزية في كابول التي ولَّدت لديها شعورًا آخر، وهو أن الاتفاق الموقَّع في الدوحة لا يعني إلا أن الولايات المتحدة تركت أفغانستان وسلَّمتها على طبق من ذهب لطالبان، وهو ذات الفعل الذي قامت به في العراق، خاصةً بعد تصريحات الرئيس الأمريكي بايدن الأخيرة وهي (أن الولايات المتحدة سوف تنسحب من أفغانستان دون شروط). 

إذن، حركة طالبان اليوم هي السلطة الفعليّة في أفغانستان بعد أن أحكمت سيطرتها على آخر المعاقل وهي العاصمة كابول في (15 أغسطس 2021م)، بعد عشرين عامًا من المقاومة والقتال، وبعد المفاوضات المفتوحة في الدوحة، حتى قرَّر الرئيس الأمريكي السابق ترامب الانسحاب من أفغانستان ليأتي بعده بايدن ويكمل خطة الانسحاب دون شروط! 

والسؤال هُنا، من هم الحكّام الجدد لأفغانستان الذين قامت الولايات المتحدة الأمريكية بإقصائهم عن حكم بلادهم عام 2001م بتهمة الإرهاب وعدم تسليمهم (أسامة بن لادن) إليها؟ 

هم طلاب العلوم الشرعية التقليدية المعروفة في أفغانستان، وينتسبون إلى المدرسة الماتريدية، وإمامهم هو (أبو منصور الماتريدي) أحد أعلام أهل السُّنة، ومذهبه قريب جدًا من مذهب أبي الحسن الأشعري، ومذهبهم الفقهي (الحنفيّة) نسبة إلى الإمام أبي حنيفة النعمان، وهم قوم مبتدعة في نظر تنظيم داعش وتنظيم القاعدة لأنهم على خلاف المذهب السلفي المعروف اليوم. 

هذا هو تكوينهم الشرعي بحسب دراستهم ومناهجهم الثابتة والمعروفة، وليست لهم صلة بأي حزب إسلامي (سياسي) ولا أي جماعة تكفيرية، إلا أن الولايات المتحدة أدرجتهم على قائمة الإرهاب لرفضهم تسليم أسامة بن لادن بسبب فتوى (عدم جواز تسليم مسلم إلى كافر)؛ مما أدى إلى توتر علاقتهم بالولايات المتحدة التي قرَّرت إنهاء حكمهم في كابول، وشنَّت حرب استمرت عشرين عامًا، حاولت خلالها إرساء حكم إسلامي ديموقراطي معتدل إلا أنها فشلت، وأقرَّت بفشلها فانسحبت دون شروط، وتخلَّت تدريجيًا عن أفغانستان وتركتها تواجه مصير مقلق، وهو ذات الأمر الذي فعلته في العراق الذي يعاني مأساة طائفية وصراعًا أدى إلى تعزيز النفوذ الإيراني المتوغل في جسد الدولة العراقية. 

وتبقى حقيقة مهمة وهي أن حركة طالبان وبحكم كونها من السُّنة الحنفية فإن تحالفها مع إيران لن يستمر طويلاً، وسوف يكون لها دور مهم في إيجاد نوع من التوازن في المنطقة، خاصةً وأنها منفتحة على التفاوض مع الجميع رغم الظروف التي مرَّت بها خلال العشرين عامًا الماضية. 

كما أن الانسحاب الأمريكي من فيتنام بعد سنوات طويلة من الحرب تكبَّدت فيها القوات الأمريكية آلاف من شبابها، أكد بأن الماركسية التي حارب الشعب الفيتنامي من أجلها لم تكن عائقًا أمام فيتنام بأن تكوّن لها علاقات مفتوحة مع العالم بما فيه الولايات المتحدة التي كانت أبرز أعدائها. 

وهذا ما أراه، إن حركة طالبان قد علَّمتها تجارب العشرين سنة الماضية واتصالاتها وزياراتها للدول والمفاوضات التي أجرتها مع الولايات المتحدة، ومنحتها الخبرة اللازمة لإدارة البلاد التي يجب أن تكون على أساس من العدل والالتزام بمنح الشعب قدر من الانفتاح والمحافظة على حقوقه أمام تحديات العصر الذي هو جزء منه، فلا يمكنها العودة به إلى الوراء؛ لأن ردود فعل الشعب الأفغاني ستكون كارثية على حكم طالبان في المستقبل القريب، فبعد سياسة الانفتاح التي عاشها في العشرين الماضية لن يقبل المساس بمكتسباته التي حارب من أجلها. إلا أن على دول مجلس التعاون أن تأخذ دروسًا لما جرى ويجري حولها منذ ثورة الخميني 1979 إلى الآن في طريقة التعامل مع الولايات المتحدة التي تضع الخطط للإطاحة بأنظمتها تحت مجموعة من الادعاءات والمثل والمبادئ التي تريد تصديرها من أجل مصالحها وما يتفق مع حفنة من نواب الكونجرس والإدارة الامريكية أصحاب الأفكار والنظريات السوداء الخاصة بمنطقة الخليج العربي والشرق الأوسط التي أثبتت فشلها تماما نظرًا لما حل بالمنطقة من قتل ودماء وصراع لم تشهده في تاريخها على مدى العقود الأربعة الماضية.  

 

 المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها