النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11923 الإثنين 29 نوفمبر 2021 الموافق 24 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:43AM
  • الظهر
    11:26AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

مريم الرّحّالية.. الإعلان والحكاية..

رابط مختصر
العدد 11833 الثلاثاء 31 أغسطس 2021 الموافق 23 محرم 1442

عندما لعبت حرارة الشمس الصيفية برأسي الصغير، جراء قضائي وقتي في النهار كله في فسح وادي الرفاع للعب مع أقران الحي والتسلي معهم بصيد الطيور الصغيرة التي غالبا ما يشح بها موسم الصيف نظرا لحرارته الشديدة، لم تجد والدتي يدا مبروكة رحيمة تخفف من غلواء هذه الحرارة وتعيد التوازن إلى رأسي، غير يد مريم الرّحاليّه، هذه المرأة الطيبة التي وضعت رأسي على حضنها بجوار الوالدة ذات مساء على سطح (السيم)، السرير الخشبي الأسري، وراحت بحب وحنو شديدين تمسّد جبيني بإبهاميها وسبابتيها بعد أن أغرقت أطراف أصابع يديها كلها بالزيت، في عملية أشبه بالمساج، وهي تبسمل وتتحدث مع الوالدة عن شئون الحياة بود كبير، وبعد تكرار هذه العملية وضعت يدها اليسرى تحت رأسي وضغطت بإبهام وسبابة يدها اليمنى على كل ما تجمع من ألم في الجلدة الواقعة بين الحاجبين من الجبين في أعلى مثلث الأنف لتشدها بالتدريج حتى تسحبها بقوة إلى الأمام مع طرقعة العِرق ولتصدر مع هذه الطرقعة أنّة ألم سرعان ما يزول معها وبعدها هذا الألم الذي أوشك لشدة حرارته أن يحرق رأسي الصغير. 

وبعد أن أنهت مريم الرحاليه مهمتها في علاج رأسي، أخفضت رأسها صوب وجهي لتسألني وهي مطمئنة: هل تشعر بألم الآن؟ 

أجيبها بلا..

تواصل: هل ستقضي يومك غدا في الشمس؟

أجيبها مستسلما: لا 

تواصل حديثها وهي تبتسم: لا.. العب بعض الوقت ولكن لا تكن قريبا جدا من الشمس هذه الأيام حتى لا تصاب بالشاقة (الشقيقة)..

تلملم مريم الرحاليه جسدها بعباءتها وهي تنهض لمغادرة البيت، فإذا بدخول الوالد البيت بعد أن قضى وقته مع أصدقائه كالعادة في لعب (الكيرم) و(الورق) بدكان أحمد حمود أو الدار العوده، الذي بادرها بالتحية لترد عليه بتحية هي أقرب لهدية كنت أنتظرها منذ وقت طويل، وهي:

بن حمدان.. خذ ولدك يوسف لنادي الرفاع غدًا، سيقدمون تمثيليه اسمها (عنبر أخو بلال).. يقولون الشباب الذين يمثلون فيها، إنها مسرحية مضحكة وخفيفة وتطرد الهم.

وقبل أن تغادرنا: لا تنسى يا بو يوسف.. أخبر من يعز عليك من الربع.. مع السلامه.

ترفع مريم الرحاليه عباءتها وتشمر عن ساعديها كعادتها وتمضي مسرعة في الشارع الرئيسي للرفاع لتخبر من سوف يصادفها، وهي في طريقها إلى بيتها، من أهل الرفاع عن مسرحية ليلة الغد (عنبر أخو بلال) ولتشغل رأسي الصغير بها وبالمسرحية التي سأشاهدها مع الوالد غدا، بعد أن زال همّ الشمس وحرارتها عن جبيني.

فمن هي هذه المريم التي تعرف أخبار المسرح في الرفاع؟ 

إنها حسب ما حكته والدتي التي كانت برفقتها لسنوات في منطقة الصخير ومن بعدها بالرفاع الشرقي، امرأة من أصل كريم، ولدت وقضت فترة من شبابها في منطقة يطلق عليها (أم الساهك)، وهي إحدى البلدات التابعة لمحافظة القطيف إدارياً بالمملكة العربية السعودية، وقد كان أغلب سكان أم الساهك يمارسون الترحال، خاصة إلى واحة الأحساء، ثم أخذوا في الاستقرار والاشتغال بالزراعة, واسمها الحقيقي، مريم بنت صالح العليان، وقد تزوجها عبدالله الهاشل، وهو من أسرة كريمة في البحرين، وأقام معها في قرية الجسرة، هذه القرية التي كان لشيوخ آل خليفة الكرام حضورا وحظوة كبيرين فيها، فعملت في البداية لدى إحدى العائلات الخليفية، ثم انتقلت مع زوجها إلى الصخير مع هذه العائلة، ليستقر أمرها أخيرا في مدينة الرفاع الشرقي. 

وقد لقبت بمريم (الرّحّاليه)، نظرًا لكثرة ترحال أهلها في أم الساهك إلى الإحساء، ثم لكثرة ترحالها في البحرين بعد أن استقر رحالها أو ضعنها فيها، بين الجسرة والصخير والرفاع، هذا إلى جانب تنقلها اليومي من مكان إلى آخر، ومن حي إلى آخر، ومن عمل إلى آخر، حتى صارت معروفة لدى أهل الرفاع كلهم، بل حتى أهل قرى عسكر وجو والدور والزلاق معروفة لديهم بهذا الاسم أو اللقب. 

وعند ما استقر بها الحال مع زوجها عبدالله الهاشل في الرفاع، عملت مع أول طبيب تعيّنه وزارة الصحة في الرفاع الشرقي لخدمة وعلاج أهاليها وأهالي المناطق المجاورة لها وكان اسمه فركيس، فكانت تعمل نهارا في المستشفى الحكومي، ومساء مع الطبيب فركيس الذي استأجر المجلس الشتوي في البيت الذي يضمها وزوجها وأبناءها بالقرب من بيت الشيخ صباح بن حمود آل خليفة ومن المستشفى الحكومي أيضا، ويعتبر فركيس أول طبيب يعمل عملا طبيا خاصا في الرفاع، لتلبية علاج من يحتاجون من الأهالي من بعد الفترة النهارية. 

وكانت مريم الرحالية، بالإضافة إلى عملها المتواضع في المستشفى الذي كان يطلق عليه آنذاك (السبيتار)، وهي تخريجة دارجة للاسم الإنجليزي (hospital) تقوم بمهمة القابلة (الولّادة)، بخبرتها المتواضعة، لمن يحتاج إليها من أهالي الرفاع ودون مقابل مادي، وكانت عونا لكل من يطلب منها دواء لعلاج إحدى العائلات لديه، حيث كانت تجلب له الدواء بنفسها إلى بيته عبر القناني التي كانت تجمعها في بيتها لهذا الغرض. 

مريم الرحاليه.. هذه المرأة الأربعينية حين فطنت ذاكرتي بها، عُرفت بعبائتها التي ترفع ذيلها حتى الساق وذلك خشية أن تعيقها هذه العباءة أثناء المشي ولتيسر من جانب آخر سرعة إيقاعها الحركي، وببرقعها (البطّوله) الذي يخفي الخدين والأنف والفم فقط من الوجه، كما عرفت بخطواتها السريعة المتباعدة، وكما لو أنها في مهمة مستمرة ومستعجلة، وعرفت أيضا بقدرتها الغريبة على تكوين العلاقات الاجتماعية مع كل أهالي الرفاع، إذ لا يوجد بيت في الرفاع لا يعرفها، أو دكان أو مقهى أو سوق أو ورشة، الكل يعرفها ويتقصى رؤيتها وأخبارها.

 وتبدو مريم الرحالية في كامل حيويتها حين تراها صباحا متجهة إلى المستشفى، إذ دائما ما تراها ملوحة بيدها اليمنى، تحيي الصغير والكبير، كما أنها لا تقل حيوية في عودتها من المستشفى عصرا، وهي تدس بين عباءتها بعض القناني التي ملأتها بالأدوية والتي أوصاها بعض الأهالي عليها لحاجتهم الملحة لها، مثل دواء السعال أو الإمساك. 

ولعل جزءًا من معرفة الناس لها، يكمن في متابعتها ومراقبتها لابنها غريب الأطوار (بوجسوم) في مختلف أحياء وطرقات وأزقة الرفاع، خشية أن يصاب بمكروه، أو يصيب هو أحدا منهم نظرا لقامته الطويلة القوية وتجنب الأطفال خاصة بالاقتراب منه، وإن كان زيه الشعبي الغريب يضحك البعض ويجذبهم نحوه، فهو يرتدي ثوبا مجعلكا في الغالب وغترته تكتسي ألوان غريبة ولافتة، وتشبه الإزار أحيانا، ويعرش رأسه بعقال ضعيف جدا مفتوح الفم عند مقدمة الرأس، وأعتقد أن إصرار أهل الحي على تسميته (بوجسوم)، جاء بسبب شبه قامته وملابسه من الممثل الكويتي حمد ناصر وهو أشهر عائلة (بوجسوم) التي كانت تبث كمسلسل درامي في أوائل الستينيات عبر تلفزيون الكويت، هذا الرجل الطويل القامة القوي البنية، هو من بقي معها في البيت بعد رحيل زوجها وبعد زواج أبنائها واستقرارهم في بيوت أخرى بالرفاع. 

مريم الرحالية تشعر وكما لو أنها خلقت لمهمات إنسانية تطوعية لم يستطع كثير من الرجال ربما القيام بها، وخاصة حين ترفع عباءتها عن ثوبها قليلا لتمارس حركتها بحرية، وتشمر عن ساعديها إذا تلقت نداء من أحد أو من عائلة في الرفاع لعلاج أبنائها أو علاجهم أو لتسهيل مخاض إحدى نسائهم.

إنها امرأة كريمة اختزلت الرفاع كلها بطيبتها وبساطتها وتواصلها مع كل أفراد وأحياء عائلاتها، بل أوشكت أن تكون كل بيوت الرفاع بيتها.

وكانت بالنسبة لي، أول إعلان شفوي يصادفني في حياتي عن مسرحية ستعرض يوم غد في الرفاع، وهي (عنبر أخو بلال)، فكان النادي، بل كانت المناسبات كلها في الرفاع إذا أرادت أن تحظى بحضور كبير، فاخبر عنها هذه المرأة الرحاليه، التي تتمتع بعلاقات فريدة وسريعة مع كل أبناء الرفاع، إنها في زمنها ذاك كانت الإعلام الاجتماعي الحقيقي لكل فعالية في الرفاع ومن بينها المسرح، ولتدفعني للتساؤل بعد زمن ستيني جميل: كيف استطاعت هذه المرأة وحدها أن تصبح همزة وصل قوية وفاعلة بين النادي وأهالي الرفاع، في الوقت الذي تعجز كل وسائل التواصل في ألفينية هذا الزمن عن تحقيق هذا الوصل ؟ وكيف استطاعت أن تجعل من كل مناسبة تدعو لها مكتظة بالناس، في الوقت الذي تبذل فيه بعض وسائل التواصل الاجتماعي أقصى ما لديها من إعلام، ولكن غالبا ما تجد صالات العروض محدودة وشحيحة بجماهير الفرجة؟ ولأسأل نفسي أيضا: هل كانت مريم الرحاليه هي أيضا إعلان كل الفعاليات والأنشطة والسكيتشات التي كان ينظمها نادي الكوكب والتي فطنت ذاكرتي لها مبكرا؟ 

إنها مريم الرحاليه، التي لم ترحل من بلدتها الأصل (أم الساهك)، إلا لتواصل ارتحالها في قلوبنا وأرواحنا حبا وحنوا. 

هذه المرأة النبيلة الإنسانة بحق، تمكنت من مساعدة الكثير في علاج أبنائهم، وسهلت إنجاب الكثير من الأطفال الأصحاء، إلا أنها، وهذا هو المفجع دراميا في حكاية مريم الرحاليه، لم تتمكن من علاج ابنها بو جسوم رحمهما الله وطيب ثراهما، وظلت تحتويه في بيتها باعتباره رجلا يملأ حياتها وبيتها أمنا وسعادة، ولربما كان عملها الإنساني هذا، كان لوجه الله عسى الله أن يكافئها بشفاء ابنها بوجسوم.. 

آن لي أن أصمت الآن، فأنا غدًا على موعد مع أبطال تمثيلية (عنبر أخو بلال) بنادي الرفاع الشرقي، ولا غرابة في أن أرى مريم الرحاليه بجوار مقعدي في قاعة العرض..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها