النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11889 الثلاثاء 26 اكتوبر 2021 الموافق 20 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:01PM
  • العشاء
    6:31PM

كتاب الايام

المخاوف الهندية من عودة طالبان

رابط مختصر
العدد 11833 الثلاثاء 31 أغسطس 2021 الموافق 23 محرم 1442

كان لعودة حركة طالبان إلى السلطة في كابول بالطريقة السريعة والفوضوية التي شاهدها الملايين عبر الفضائيات، من بعد ازاحتها عن الحكم بالقوة المسلحة عام 2001، صدى في مختلف عواصم العالم بسبب ما هو معروف عن هذه الحركة من جمود وتخلف واحتقار للقانون الدولي ومبادئ حقوق الانسان، ناهيك عن ارتباطاتها الموثقة بالتنظيمات الجهادية الإرهابية. على أن حديثنا هنا يقتصر على صدى سقوط حكومة أفغانستان الشرعية في نيودلهي تحديدًا، نظرًا لما للحدث من تداعيات سلبية على الأمن القومي الهندي، خصوصا في ضوء علاقات طالبان المعروفة بأجهزة المخابرات الباكستانية، ناهيك عن علاقتها الأيديولوجية الوثيقة مع التنظيمات الجهادية الكشميرية.

وإذا كان الانتصار الطالباني قد قرع أجراس الانذار في عواصم اقليمية ودولية كثيرة، فإن دويها كان مسموعًا في الهند أكثر من أي مكان آخر، لأن الأخيرة كانت مطمئنة إلى وقت قريب بأن ما استثمرته في أفغانستان من جهود وأموال خلال العقدين الماضيين لن يذهب سدى، وأنها تمكنت من إيجاد موطئ قدم ثابت لها في هذا البلد المتأزم، بحيث تستطيع من خلاله مواجهة غريمتها الباكستانية صاحبة النفوذ التقليدي المستند إلى الروابط الدينية والقبلية والثقافية في بلاد الأفغان. لكن ما حدث هذا الشهر يبدو أنه أسدل الستار على الأحلام الهندية تمامًا، لاسيما بعد أن نفى المتحدث الإعلامي باسم طالبان من الدوحة «محمد سهيل شاهين» وجود أي اتصالات سرية بين حركته ومسؤولين هنود.

إن الوضع في أفغانستان مع عودة طالبان يسوده عدم اليقين من زاوية نمط الحكم الذي سيسود وعلاقات البلاد مع العالم الخارجي ومصير ما حققته من انفتاح وتقدم اقتصادي واجتماعي وثقافي في ظل الحكومة السابقة. وبمعنى آخر فإن العالم في مرحلة ترقب لما ستقرره طالبان. والهند، التي أغلقت سفارتها وكل قنصلياتها في أفغانستان وأجلت كافة رعاياها منها، لا شك أنها في صدر قائمة المراقبين والمنتظرين، وإنْ كانت تشك كثيرًا في صدور قرار طالباني باستمرار التعاون معها، ومد يد الصداقة إليها، خصوصا وأن الهند منحت حق اللجوء السياسي للعشرات من المشرعين والوزراء الذين عملوا في ظل الحكومة الشرعية ممن فروا من كابول على عجل خوفًا من انتقام طالبان منهم.

 

 

والمعلوم أن نيودلهي، لأسبابها الاستراتيجية الخاصة، وثقت علاقاتها مع حكومة كابول بُعيد سقوط إمارة الملا عمر الطالبانية عام 2001، ولعبت دورًا ايجابيًا في عملية بناء الدولة المدنية الأفغانية من خلال حزمة من المعونات التنموية في مجالات الصحة والتعليم والمواصلات والاتصالات والسدود والتكنولوجيا (بلغت قيمتها الاجمالية نحو 3 مليارات دولار وشملت أكثر من 400 مشروع)، ناهيك عن عملية تسهيل التبادل التجاري الواسع (بلغت قيمة التبادل التجاري في الفترة 2019-2020 مثلا أكثر من مليار دولار). ومن هنا يشعر المسؤولون الهنود بالمرارة لأن كل جهودهم ضاعت سدى، ووقعت ثمارها في أيدي جماعة تكن لهم العداء المرير. ولعل ما يشعرهم بالمرارة أكثر هو أن حليفتهم الأمريكية، التي لطالما طمأنتهم أن كل الأمور في أفغانستان تسير بخير وأنه لا داعي للقلق من الاستثمار فيها، هي التي ساهمت في وصول الأوضاع الأفغانية إلى هذا المنعطف. تماما مثلما طمأنتهم حليفتهم السوفيتية السابقة أنهم باقون في أفغانستان ولن ينجح المجاهدون في زحزحتهم، فإذا بالأمور تجري خلاف التطمينات.

الأمر الآخر المقلق لحكومة رئيس الوزراء «ناريندرا مودي» أن المعارضة الهندية قد تستغل ما لحق بالاستثمار الهندية الكبيرة في أفغانستان من خسائر كورقة انتخابية ضدها، خصوصا وأن مودي ووزراءه ورموز حزبه كثيرًا ما تحدثوا بفخر عما تقوم به حكومتهم في أفغانستان من مشاريع تنموية. 

ومما يجدر بنا الإشارة إليه في هذا السياق أن وزير الخارجية الهندي «سوبرامنيام جايشنكار» عدد في مؤتمر عقد في جنيف حول أفغانستان في العام الماضي المشاريع الهندية في أفغانستان مشيرا إلى «سد شتوت» بمنطقة كابول والهادف إلى توفير مياه صالحة للشرب لنحو مليوني نسمة، و«سد سلمى» لتوليد طاقة كهربائية بقدرة 42 ميغاوات، و«سد الصداقة» بولاية هرات للري وتوليد الطاقة الكهرومائية، والطريق السريع بطول 218 كلم بالقرب من الحدود الأفغانية الإيرانية، ومبنى البرلمان الأفغاني بتكلفة 90 مليون دولار، وترميم قصر النجوم الأثري، وإعادة تأهيل عشرات المستشفيات والمراكز الصحية وتزويدها بعربات الإسعاف، وتزويد وزارة المواصلات الأفغانية بمئات من حافلات النقل العام، وتزويد الجيش الأفغاني مجانًا بعشرات المروحيات وطائرات النقل والتموين.

والحقيقة إن استثمارات الهند في أفغانستان، من الناحية المادية، قد تعوض، لكن ما لا يمكنها تعويضه هو خسارتها لحليف استراتيجي مهم في جنوب آسيا كانت تعول عليه كثيرًا من النواحي الأمنية والاستراتيجية. والحقيقة الأخرى أن خيارات الهند في هذه البلاد غير المستقرة باتت جد محدودة، بمعنى أنها تفتقر إلى عامل التأثير على الأوضاع الحالية خصوصًا في ظل عدم وجود حدود مشتركة لها مع أفغانستان، وبالتالي فليس أمامها سوى أن تتمنى تشكيل حكومة أفغانية ائتلافية لا تكون خاضعة لهيمنة طالبان.

 

*أستاذ العلاقات الدولية المتخصص في الشأن الآسيوي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها