النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11890 الأربعاء 27 اكتوبر 2021 الموافق 21 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:23AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:35PM
  • المغرب
    5:00PM
  • العشاء
    6:30PM

كتاب الايام

بخط يديه

رابط مختصر
العدد 11827 الأربعاء 25 أغسطس 2021 الموافق 17 محرم 1442

ربما تكون الذكرى الأربعين للشاعر المصري الراحل صلاح عبدالصبور، مثل أربعينية المفارقين الكبار، وربما تكون أشد بأسًا من لحظة الفراق.

صلاح عبدالصبور لم يكن شاعرًا والسلام، ولم يحقق أحلامه ويتجاهل أحلام الآخرين، فقد كان بمثابة الوصف التفصيلي لما نحمله في كتاباتنا بين السطور، لما نحياه على مضض ولا نستطيع الإفصاح عنه، لما نقبل به على استحياء لكن الخجل الشديد يحول بيننا وبين الاعتراف الجميل.

لم يكن صلاح عبدالصبور مجرد قصيدة وشاعر، أو مسرحية وكاتب، أو أديبًا ومقاهي ومريدين، لكنه مكتبًا وثيرًا منعه من التحدث برشاقة مع المحبين، وبود مع المعجبين، ولياقة مع القادمين، كان رئيسًا للهيئة العامة للكتاب بدرجة وكيل أول وزارة أو نائب وزير، وكان قد بدأ حياته مدرسًا للغة العربية في مدرسة الزيتون الإعدادية بحلمية الزيتون ضواحي القاهرة، وكان أستاذًا لي مع بداياتي في المرحلة الإعدادية، لكنه رغم ذلك كان دمث الخلق، لم ينسَ إنسانيته لمجرد أن مكتبه في الوزارة يهيئ له مكانة تستحق التعالي والمغالاة، ولم يتجاهل محبيه كونه «أُبهة» على هيئة مسئول كبير، يكاد يقول للشيء كن فيكون.

صلاح عبدالصبور كان تعبيرًا رشيقًا لكل ما يجول في خواطر أجيال تعاقبت، وأمم تماهت، وبلادًا «كالناس في بلادي» جار عليها الزمان، ولم يبق لديها سوى الذكريات.

عندما التقيته في العام 1980 بعد قطيعة مراحل الصبا والتكوين، وبعد تباعد فرضته عوامل الأمر الواقع ومقتضيات المصادفات النادرة، عندما التقيته في مكتبه الوثير بالهيئة المصرية العامة للكاتب، هرول إليّ معتذرًا ولم يترفع أو يتأفف لأنني اقتحمت عليه خلوته من دون ميعاد، أو لأنني قفزت من «الشباك» وكان لابد لي أن أدخل من الباب، أو حتى لكوني المتأفف الوحيد من طول الانتظار حيث كان مشغولًا باجتماع مطول مع القاص والروائي الكبير مجيد طوبيا.

لقد جاء إليّ محتضنًا شوقي بلهفة الصديق وليس بفخامة الأستاذ، بدعوة المحب وليس بتجاهل «المجففين»، بعظمة التواضع، وليس بعجرفة الدخلاء، قال لي: أقرأ لك، أعذرني فهذا المكتب الوثير مثلما ترى يعوقني، يمنعني من الحركة مثلما أحب، ومثلما أتمنى، أقرأ لك يا صديقي، وكتاباتك تعجبني.

لم أصدق ما قاله الأستاذ، واعتقدت أن هناك ربما تشابه أسماء، أو اختلاط للوجوه، أو تناسي لمشاغل الرجل الكبيرة، لكنه باغتني: تعرف يا أسامة شِعرك هو ما يبعث عليّ الأمل، ما يجعلني أقف أمامك وأمام بعض مما يكتبون وترافقهم متأملًا إلى متى يستمر التدفق، وإلى أين ستمضي الحياة.

وأجريت مع «الأستاذ» حوارًا صحفيًا طلبت منه بعد أن تداولنا شايًا لأكثر من مرة، وكلامًا لم يكن خاليًا من دسامة اللحظة ومفاجآتها السعيدة.

- هل لك أن تكتب شهادة للتاريخ يا أستاذ صلاح؟

أخذ ورقة وكان يحمل قلمًا تحتضنه يديه من بين الأحبار، ليكتب: «تكتظ الساحة الثقافية في مصر والعالم العربي بالعديد من الأصوات التي تتداخل فيما بينها، ولكن المستقبل سيكون بمثابة الغربال الذي تتساقط من فتحاته الأصوات الدخيلة لتستقر وتبقى حينئذ الأصوات الأصيلة».

حملت الشهادة تحت إبطي وذهبت مسرعًا إلى مجلة روز اليوسف حيث كنت أقضي أيامي الأخيرة قبل العمل في الأهرام الاقتصادي، لألتقي ببعض الأصدقاء في «كشك» رسام الكاريكاتير الكبير جمعة فرحات وفي رفقتي الصحفيين المعروفين عادل حمودة وشفيق أحمد علي رحمة الله عليه والزميل محمود عبدالوهاب، لأقص عليهم ما حدث مع صلاح عبدالصبور، وكيف أنه كتب بخط يديه، شهادة للتاريخ في حق جيل السبعينيات الشعري، وما أدراك ما جيل السبعينيات الشعري، ولكن الزميل عادل حمودة رجاني فيما بعد بأن يأخذ هذه الشهادة لتصويرها ويستخدمها في مقال يخطط له، لكن الورقة خرجت من يدي ولم تعد، والشهادة ظلت خالدة في الذاكرة لتحكي إلى العالم كله، كيف كان صلاح عبدالصبور رائعًا، وكيف كنت تلميذًا مشاغبًا، وشاعرًا ضائعًا، وصحفيًا تحت التمرين.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها