النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11890 الأربعاء 27 اكتوبر 2021 الموافق 21 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:23AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:35PM
  • المغرب
    5:00PM
  • العشاء
    6:30PM

كتاب الايام

فاجعة بني أسد والمسرح المفتوح..

رابط مختصر
العدد 11826 الثلاثاء 24 أغسطس 2021 الموافق 16 محرم 1442

في أحد نهارات شهر محرم الساخنة من ستينات القرن الماضي، وتحديدا في الثالث عشر منه، دعاني والدي رحمه الله إلى غرفته حيث كانت الوالدة رحمة الله عليها بجواره تقدم له القهوة فنجانا تلو فنجان، وهو يحتسيها بلذة وهدوء كما لو أن كل فنجان يعادل في زمن احتسائه له زمن احتسائه لإبريق القهوة كله، وأنا بدوري طبعا لا بد أن ألبي دعوة الوالد، سواء كان وراء هذه الدعوة أمر سار أو عقاب كنت أستحقه أو لا، ويكفيني أن أفهم طبيعة ونوعية هذه الدعوة من عينيه الهلاليتين الحادتين، فإن كانت مصحوبة بابتسامة، وإن كانت هذه الابتسامة في الغالب مواربة أو محيرة، فالدعوة خيرا، وإن كانت مصحوبة بجفاف وجفاء وغلظة يتطاير الشرر منها، فالدعوة تأنيبا أو ضربا مبرحا أو سجنا لمدة ساعتين أو أكثر في مخزن العلف الذي تجد بعض الفئران الصغيرة في الغالب مرتعها فيه.

المهم.. تركت الدراجة التي كنت ألهو بها في حوش البيت الواسع وتوجهت للوالد في غرفته!

شخص الوالد لبضع دقائق عينيه في وجهي كما لو أنه يختبر صبري، ثم سألني: عندك قلب؟

استغربت من سؤاله، فأجبته وأنا أشير بكفي الصغيرة اليسرى صوب قلبي واللجلجة تتخلل إجابتي طبعا: نعم.. عندي قلب!

لم يستطع والدي أن يمسك أو يتحكم في ردود أفعاله تجاه إجابتي، فانفجر ضاحكا، كما لو أنني أرى والدي للمرة الأولى في حياتي يضحك ويقهقه ووالدتي تشاركه الضحك وتشاركني في الوقت نفسه استغرابي من ضحكة أبي.

بيني وبين نفسي قلت: الدعوة خيرا بالتأكيد.. فشاركتهم على مضض وبخجل الضحك، وهو ضحك كان في رأيي مريبا، إذ لا أعرف لم والدي ووالدتي يضحكان وأنا لماذا استجبت بعض الوقت لضحكهما وإن كنت على خجل.

ثم بادرني بسؤال آخر: قلبك قوي؟

لم أكن حينها أفهم ما يعني والدي بسؤاله هذا.

كرر السؤال.. فأجبته والحيرة كما يبدو طالت قلبي الصغير: لا أعرف.. لم أر قلبي من قبل.

انفجر مرة أخرى بالضحك، ثم سألني: ألا تخاف؟

أجبته مستغربا وأنا في هذه اللحظة أتوجس من عقاب سوف يلحق بي منه: مم؟ 

رفع والدي شحمتي جفنيه الحمراوين الداخليتين إلى أعلى نصفيهما الخارجيين، وهي عادة كان يمارسها معي ومع أخواتي عندما يريد أن يمازحنا بعض الوقت ويتحدانا للقيام بمثل ما يفعل، الأمر الذي يدفعنا إلى الإلحاح عليه بتكرار ما يفعل ونحن نضحك ونحاول تقليده ونفشل في الغالب.

ضحكت.. اطمأن قلبي قليلا، ولكن لم كانت هذه إجابته تحديدا عن سؤالي؟ 

ثم سألني مرة أخرى: هل رأيت دما في جفني؟

أجبته وأنا ما زلت في حيرة من أسئلته: لا.. إنهما هكذا حمراوان بلا دم. 

جذبني نحوه بحنو، ثم قال لي: جهز نفسك الآن، ستصحبني اليوم إلى مكان سترى فيه شيئا عجيبا وغريبا. 

سألته: هل يشبه السيرك الذي شاهدته وأخواتي معك (سيرك عاكف)؟

أجابني: يختلف قليلا.. سترى!

بعد نصف ساعة أو أكثر بقليل، وجدت نفسي معه في سيارة صديق ورفيق عمره بالعمل في بابكو ورأس تنورة وصيد السمك والدار العودة (فرقة فنية شعبية بالرفاع) ولعب الورق، المرحوم جمعة العباد، هذا الإنسان الذي قتل الوقت في طريقنا إلى المكان الذي لم أعرفه بعد، بخفة ظله وقفشاته العابرة، وهو شخص يشبه في هيئته وقسمات وجهه وانفعالاته الفنان المصري الراحل عبدالمنعم مدبولي.

مضى من الزمن ونحن في السيارة الفورد 45 دقيقة تقريبا، حتى وجدنا أنفسنا في مكان مزدحم بالناس والسيارات والأعلام السوداء وأصوات أشبه بالبكاء أو النحيب تصدر من أماكن متعددة يصعب تحديد مصدرها.

ترجلنا من السيارة وتوجهنا صوب ساحة كبيرة خصصت فيها مقاعد لجلوس من يقصد ما سوف يجري فيها من أحداث، إنها ساحة عزاء بني أسد في قرية السنابس بمنطقة البديع، هناك لأول مرة في حياتي أشاهد عرضا أشبه بالمسرح الطقوسي، بل أشبه ما يكون بالملحمة في شكلها التراجيدي، وهناك لأول مرة أشعر أن أنفاسي تنحبس وينتابني شعور مزدوج بين الخوف الذي يدفعني لمحاولة الهرب من هذا المكان والمتعة في أنني أكتشف وأرى شيئا ربما من شأنه أن يجعل قلبي قويا كما أراد والدي. 

في هذه الساحة التي يبدو الحزن مسيطرا عليها حتى من طرف أغلب المشاهدين لأحداثها الفجيعة، شاهدت مقتل الحسين بن علي، شاهدت أشخاصا يجسدون هذه الفجيعة، شاهدت خيولا ومحاربين، شاهدت جثث القتلى وهي تحتل أكبر مساحة في الساحة، شاهدت عيونا هلعة ومندهشة وباكية وهي تطفر من موقع المشاهدين نحو الفاجعة، شاهدت قبورا أعدت لاحتواء الحسين وبنيه وأنصاره، شاهدت ماء الغدير وهو يجري لري الأطفال الذين تعرضوا للفقد في هذه الفاجعة.

كنت بين حين وآخر ألتفت صوب وجه والدي كما لو أنني أختبر صبره، فأجده يوجه بكفه الحانية وجهي صوب الأحداث وهو يبتسم ويقول لي: لا تخف.. إنهم لن يصلوا إليك!

 فأضطر لأن أتابع، حتى وجدت نفسي منهمكا في متابعة ما يحدث دونما أي اضطرار، لأرى أشكالا أشبه بالدمى الكبيرة تقطع رؤوسها، وأرى الدم القاني يكتسيها كما لو أنها رؤوس حقيقية قد قطعت للتو، وأرى في كل زاوية من زوايا حلقة الساحة الكبيرة جثثا وأحداثا وسهاما منغرسة في أجساد القتلى، وأرى هذه الساحة كلما اقتربت من أحداثها أشبه بمدينة كبيرة نصبت فيها الخيام، تعج بمراسم دفن الشهداء ونحيب النسوة وحزنهن عليهم، ومدى تفاعل جمهور الفاجعة مع ما يحدث ويتجسد في هذه الساحة باللطم والندب والبكاء ونداءاته المتكررة (وا حسيناه، وا شهيداه).

وتستمر أحداث هذه الفاجعة الممسرحة حتى أول الليل، والناس يتقاطرون إليها بكثافة كما لو أنها لم تبدأ بعد، أو كما لو أنهم الأحداث التي ستكمل المشاهد الفجائعية التي لم نرها بعد، إذ الساحة كما يبدو لي كل من فيها يمثل، أو يختار له دورا كي يمثل مع بقية الجموع.

في لحظة فارطة من مشاهد الفاجعة، التفت صوب والدي وسألته: إنهم يبكون، وأعني بذلك، لم لا تبكي يا والدي مثلهم؟

أجابني وهو يبتسم: سوف تعتاد على مشاهدة هذا البكاء كل عام!

استغربت أكثر وسألته: هل يقدمون هذه الفاجعة كل عام؟

أجابني: نعم.. كل عام.

سألته مستغربا: وهل هذه الدماء التي نراها حقيقية؟ 

رفع والدي مجددا شحمتي جفنيه الحمراوين الداخليتين وهو يضحك، ثم ربت على كتفي وقال: ليكن قلبك قويا.

يبدو أنني فهمت ما يرمي إليه والدي برفعه أو كشفه لشحمتي جفنيه الحمراوين، ولكني في دواخلي منازعا بشك قاس بين حقيقة ما يحدث أمامي وبين تجسيده وتمثيله في هذه الساحة.

إن طقس عزاء بني أسد ظاهرة أقرب للحالة المسرحية من تلك التي رأيتها وعشتها في طقوس أخرى، كطقس وداع رمضان أو طقس خسوف القمر، بل إني لأول مرة أفطن لظاهرة مسرحية مشحونة بكل مظاهر العنف والقسوة، ولعل الذي جعلني أكثر اطمئنانا على مشاعري وانفعالاتي، مشاركة الكثير من الأطفال في هذه الفاجعة تجسيدا وتفاعلا من موقع الفرجة.

وبعد أن انتهى عزاء بني أسد، توجهنا وسط زحام غير عادي نحو السيارة مسرعين قبل أن يتعذر علينا الخروج من نفق الزحام بسبب كثرة السيارات والباصات التي اكتظت بجمهور العزاء من مختلف القرى والمدن المجاورة.

فتح العم جمعة العباد راديو السيارة، لتنطلق منه أغنية للسيدة أم كلثوم، ولأظل أنا طوال الطريق مكتظ النفس والروح بأحداث الفاجعة الحسينية التي شاهدتها وعشتها في طقوس عزاء بني أسد، ولعل أصعبها وأشدها قسوة على النفس، تلك المعركة الدموية التي بدت لي في حينها حقيقية، وذلك الفضاء المفتوح الذي جعلنا في قلب الفاجعة مباشرة وكما لو أننا جزء لا يتجزأ منها، وأذكر أن ليلتي بعد هذه الفاجعة، حسب رواية والدي، مكتظة بكوابيس المعركة، تلك الكوابيس التي رافقتني لفترة طويلة لأكتب بعدها في ثمانينات القرن الماضي، وبعد تخرجي من المعهد العالي للفنون المسرحية بالكويت والتحاقي موظفا بوزارة التربية والتعليم في قسم الأنشطة الثقافية والتربوية، بحثا قدمته في ندوة منظمة من قبل قسم المسرح بالوزارة معضدا بأسئلة كثيرة حول مسرح البدايات في البحرين، واختلافي مع بعض الباحثين الذين تجاهلوا أو لم يطرقوا أبواب هذه الظاهرة الطقسية إيمانا منهم بأن المسرح بدأ مع التعليم النظامي في البحرين عام 1919، ولم يقفوا حتى من باب التمهيد لمثل هذه الظاهرة وإن كانت تنتمي للأشكال ما قبل المسرحية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها