النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11890 الأربعاء 27 اكتوبر 2021 الموافق 21 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:23AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:35PM
  • المغرب
    5:00PM
  • العشاء
    6:30PM

كتاب الايام

هيّا الحمدان.. قنديل الكتابة الأول في حياتي..

رابط مختصر
العدد 11818 الإثنين 16 أغسطس 2021 الموافق 8 محرم 1442

في بيت المرحومين الخال أحمد بن علي بن راشد الحمدان زوج العمّة عائشة بنت علي بن أحمد الحمدان بمدينة الرفاع الغربي، والذي كنت غالبًا ما أقضي إجازتي المدرسية فيه إبان الستينيات، بجوار أخي وقريني الراحل محمد الذي تقودني بجانبه قدماي الحافيتان كحال قدميه نحو بر (وادي السيل) و(عين أم السميم) سابقًا للتسلي بمحاورة الطيور الصغيرة ونصب الفخاخ لاصطيادها التي ضللنا بعضها في هذا البر بسبب مراوغة بعض الطيور لدروبنا المحددة لاصطيادها وعدنا إلى البيت بخفي حنين.

في هذا البيت الوادع الحميم الذي يتسيده الخال أحمد الذي يتمتع بعيني صقر حادتين وقامة سمراء طويلة عريضة مهيبة شكلتها رحلات القنص في براري القيصومة وباكستان التي تحددها مواسم تكاثر الصقور والحباري قبل مواسم الفصول المعتادة، الأمر الذي يجعلنا في أغلب الأوقات نتجنب الاقتراب منه أو استفزازه، ذلك أن يديه الخشنتان حينها من الممكن أن تدمي وجوهنا أو بعض مواقع في أجسادنا ولو بلسع بسيط منها وقد يبدو لناظره أن ذلك غير مؤذ، أو ربما قد نُحرم من ركوب سيارته الجيب (الأنتر ناش) والتي كنا نطلق عليها حينها (عنتر ناش)، والتي نتخيل أنفسنا فيها أننا في رحلة قنص ولسنا باتجاه طريق يلبي فيه الخال بعض الحاجيات البسيطة التي يتطلبها البيت، أو في جولة قصيرة يلبي فيها رغبتنا وفضولنا في ركوب مثل هذه السيارة البرية (العنترية).

في هذا البيت الوادع الحميم كدعة وحميمية العمة عائشة التي لا تسمع لها صوتًا أو همسًا وكأنها بمثابة نسمة تلطف أرواحنا أينما حللنا في هذا البيت، في غرفه وحوشه وبجانبها، والتي أولتني حبًّا غير عادي، كوني وحيد شقيقها من الأولاد قبل أن يقبل أخي علي من والدة أخرى بعد فترة طويلة من العمر، وكونها الشقيقة الوحيدة للوالد، فكانت لا تمر مناسبة أو يمر عيدًا حتى تسخي عليّ بثياب جديدة تقوم هي رحمة الله عليها بتوصيلها إلى البيت بنفسها ومتابعة مدى ملاءمتها لهيئتي النحيفة، وهو نذر قطعته على نفسها بسبب وفاة شقيقي الأكبر محمد وخليفة، وكان أول النذر شرائها حلق ذهبي وتعليقه في أذني اليمنى حتى أتجنّب الحسد والعيون الحادة المؤذية من البعض. وكانت رحمة الله عليها لا ترضى بمضايقتي من أي أحد، حتى لو كان هذا الأحد زوجها أو أحد أبنائها. 

في هذا البيت كنت مصيدة أجمل طُعم ثقافي وفني رمته بغير قصد في طريقي ابنة الخال هيّا رحمة الله عليها، وكان ذلك في غرفتها الحميمة التي تتوزعها المجلات والدواوين الشعرية والصور الفواوغرافية وكما لو أنها قطع أثاث مكمّلة لسريرها الذي تسترخي عليه وقت قراءتها أو مرضها.

وهيّا الغالية صاحبة الوجه القمري المضيء والضحكة العابرة المطمئنة والهدوء الذي لم أره يومًا على غير عادته، هي أكبر أبناء الخال أحمد والعمّة عائشة، ولديها رصيد معرفي نوعي لأهل الثقافة والفن في البحرين، وذلك من خلال من قرأت لهم أو من خلال متابعتها المستمرة لأخبار الثقافة والفن في المجلات التي تقتنيها، أو من خلال من تعرّفت عليهم أثناء عيادتها بمستشفى السلمانية للعلاج والتعافي.

في هذه الغرفة تقع عيناي على هذه المجلات والدواوين الشعرية، فأتصفحها بنهم للتعرّف على فحواها، وكان من بينها ديوان الشاعر علي عبدالله خليفة (عطش النخيل) الذي استهوتني مواويله والتي لأول مرة أتعرّف على نوع شعري يكتب بهذه الطريقة واسمه الموال، وقد حفظت ما يربو على ثلثيه في حينها وفي غرفتها هي التي أصبحت بالنسبة لي أشبه بالمكتبة العائلية، وكانت الغالية هيّا تلاحظني وأنا أقرأ هذه المواويل بصوت مرتفع تقريبًا وكما لو أنني أتمثلها، خاصة وأن كل موال فيها يبدو وكما لو أنه يسرد حكاية مؤلمة عن أهل البحر والنخيل في البحرين، فتبدي ارتياحها من ذلك، فتكافئني بإصدار آخر، حتى تفتحت عيناي من خلالها على مجلة (الموعد) الأسبوعية، والتي وجهتني من خلالها إلى باب المراسلة وتكوين صداقات ومعارف مع أناس من مختلف الاهتمامات ومن كافة الدول العربية. 

ومن هذا الباب دخلت إلى أبواب الكتابة عبر المراسلة من أوسع مصاريعها، وكنت في البداية أخشى ألا يرد عليّ أحد ممن أرسلت إليهم كتاباتي المتواضعة التي تطمح إلى كسب صديق أو صديقة، لأكتشف استجابة كبيرة وكثيفة من هؤلاء الأصدقاء، من مصر والسودان والكويت ولبنان، وليستمر بعدها التواصل والتعرف أكثر فأكثر، حتى يصبح البريد واحدًا من أعز الأصدقاء بالنسبة لي، إذ كل يوم وكما لو أنني على موعد مع صديق جديد أو صديق سيزورني بعد قليل. 

ووجدت نفسي وأنا أنهمك في كتابة الرسائل والرد على بعضها، أنني أتعامل مع دروس الإنشاء أو التعبير في المدرسة بنفس الطريقة أحيانا، فأكتب الدرس وكما لو أنه حكايةً أو صديقًا حميمًا بالنسبة لي.

كما أن هذه المراسلات البريدية تمكنت بعد وقت قصير من أن تنمي فيّ الحس الوجداني أو العاطفي، خاصة مع الصديقات، ولعلّ فيهن من يكبرنني سنًا أو بعضهن من يحاولن ابتزازي أو مراوغتي عاطفيًا، ولكنني لم أرفض هذا المسلك، بل تعاملت معه كمن يريد أن يكتشف نهاية هذه المحطة في حكايته. 

وهذه الطريقة في الكتابة والإصرار على انتهاجها في حينه، لفتتْ نظر أستاذي الجليل محمد الرميحي مدرس اللغة العربية والتعبير في مدرسة الرفاع الشرقي الابتدائية للبنين، ورأى ضرورة أن أستمر في الكتابة والتعبير، فأنا حسب رأيه أكتب محاولات قصصية وليست موضوعات للتعبير، خاصة ما إذا كان الدرس يطرق أبواب تعبير ما عن حب الأم أو مساعدة أسرة فقيرة أو التعاون مع الناس في إخماد حريق حدث في بيت الجيران، لأجد نفسي مستغرقًا فعلاً في كتابة نص لم أكن أعلم بأنه سيتحول إلى قصة قصيرة ولها من يهتم بها، وكان هذا النص تحت عنوان (من أكون) الذي طارت به أختي الأكبر إلى الأستاذة إيمان أسيري وهي شاعرة بأسرة الأدباء والكتاب وكانت مدرسة بمدرسة الرفاع الشرقي الإبتدائية الإعدادية للبنات المجاورة لمدرستنا الابتدائية أيضًا بنفس المدينة، فقرأته باهتمام كبير وأبدت ملاحظاتها عليه بالخط الأحمر الناشف، والذي لا زلت أحتفظُ به حتى يومنا هذا.

ومن بعد هذه المحاولة القصصية وجدت نفسي بمعيّة الشاعرة الراحلة الشيخة منيرة بنت فارس آل خليفة وإيمان أسيري والشاعرة حمدة خميس باتجاه نادي النسور القديم لحضور أمسية شعرية لشعراء الأسرة فيه، وكان بينهم الشاعر علي عبدالله خليفة الذي قرأت له ديوان (عطش النخيل) في غرفة الغالية هيّا. 

ومن بعد هذه الأمسية، وجدتُ نفسي منكبًا على قراءة ما يتوفر لي من الكتب والدواوين الشعرية وكان ذلك في وقت مبكر جدًا من حياتي، حتى وجدت نفسي منكبًا على نص حواري استلهمت أحداثه من واقع أحد الباعة بالرفاع الذين حين ضاقت بهم ظروف المعيشة نظرًا لمنافسة بعض الباعة الميسورين له في نفس المنطقة، حوّل دكانه إلى خمّارة ومكان للغمار، فوجد نفسه يجني أرباحًا لم يكن يتخيلها، حتى آلَ به الحال إلى كارثة لم يكن يتوقعها يومًا.

هذا النص الحواري، هو مسرحيتي الأولى (من الغلطان) التي أخرجها الصديق الحميم عبدالله السعداوي لنادي الرفاع الغربي، بإشراف الأستاذ الكاتب الأب الحميم حمد الرمزان النعيمي. 

لقد كانت غرفة الغالية هيّا بنت الخال والعمّة، مطبخ ومختبر الكتابة الأول الذي قادني في نهاية المطاف إلى مختبر الكتابة للمسرح، فألفَ رحمة عليها تلك القنديل التي أضاءت دون أن تعلن طريقي إلى الكتابة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها