النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11890 الأربعاء 27 اكتوبر 2021 الموافق 21 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:23AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:35PM
  • المغرب
    5:00PM
  • العشاء
    6:30PM

كتاب الايام

ذكريات شخصية للغزو العراقي للكويت (1)

رابط مختصر
العدد 11812 الثلاثاء 10 أغسطس 2021 الموافق 2 محرم 1442

عندما فتحت دفتر الذكريات وما دونته عن ذلك اليوم الأسود في تاريخ الامة العربية، وجدت نفسي غارقا بين الأوراق والأحداث الخاصة جدا في ذلك اليوم وما تلاه من أيام لفترة الغزو العراقي الغادر لدولة الكويت في 2 أغسطس عام 1990. فقد جرت في تلك الفترة وقائع وأحداث متسارعة كانت من أشق التجارب التي مرت في حياتي، كما ان أيامي التي أحاول أن أستعيد فيها هذه الوقائع المؤلمة لكتابتها على صفحات مقالاتي قد تأخرت كثيرا لأنها كانت أصعب مهمة حاولت ان أقوم بها وأنا أمارس عملي في كتابة المقالات بعد التقاعد في مارس 2015. إلا أن ذكرياتها ووقائعها وتفاصيلها ظلت مخزونة في الذاكرة، فقد كنت قريبا جدا من أصحاب القرار، سواء في البحرين بصفتي سكرتيرا لسمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية آنذاك، أو بحكم علاقة الصداقة والأخوة التي جمعتني بالشيخ مبارك الجابر الأحمد الصباح -نجل أمير الكويت الراحل الشيخ جابر الأحمد الصباح- الذي كان مديرا لمكتب عمه سمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الأحمد الصباح وزير الخارجية فترة الغزو الغاشم وصديق سمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة.

وكانت التجربة لاستعادة الوقائع والاحداث والتطورات مكلفة، وأعتقد انها أضافت الى عمري سنوات لم اعشها وأياما طويلة من المعاناة في البحث والتقصي لتقديم الحقائق الصادقة دون دون عبث في مجرياتها. وكما قلت كانت تجربة ليست سهلة لأنني أكتب وقائعها من الجزء الخاص بي وبعد نزول الستار وتقادم السنين عليها لاستعادة الممكن في مخزون الذكريات. كنت مؤمنا بأنه بعد مضي واحد وثلاثين عاما عليها، لا بد من الخوض في التجربة لأن الحياة لا يجب ان تتوقف وان من حق الناس في هذا العالم ان يعرفوا كيف سارت الأحداث من زاوية أخرى، وإن كانت تتخذ منحنى شخصيا. كما لا أنكر -وهنا المشكلة- أن دوران الحياة سار بسرعة منذ عام 1990 لأن الحياة لا تتوقف وعجلة التاريخ مستمرة في دورانها الأزلي.

وفي أشد اللحظات قسوة وأنا أجمع ذكرياتي بين باريس ولندن وبومبي والبحرين، دفعني في أن أكتب وأقدم كل ما في طاقتي وأكثر لهؤلاء الرجال العظام الذين وقفوا امام الغزو وكتبوا تاريخا لا يمكن لأحد أن ينكره أو ينساه من أجل هدف واحد، وهو تحرير الكويت، من هذه النقطة وتلك التضحيات ومواقف الرجال واصلت عجلة التاريخ دورانها وهو ما لا بد من الاشارة اليه منذ بدء الغزو في ذلك الفجر من 2 أغسطس عام 1990. لقد كانت لوحة ملحمية رائعة لأن الرجال لا يتكررون ولا الأمم تستطيع تكرار معجزاتها، فقد كانت المقاومة الداخلية والموقف الخليجي لدول مجلس التعاون الذي قاده جلالة الملك فهد بن عبدالعزيز طيب الله ثراه والمفقودين حتى الآن من أبناء شعب الكويت وما قدمه التحالف الدولي، لحظة بذاتها من الحياة غير القابلة للتكرار.

من الذكريات المهمة للرجال الأوفياء الذين سطروا التاريخ في تلك الفترة من تاريخ الكويت وهي تحت الاحتلال العراقي الغاشم، اتذكر الشيخ مبارك الجابر الاحمد الصباح واتصالاته بالاليزيه للاجتماع بالرئيس الفرنسي «فرانسوا ميتران» للتباحث معه حول آخر تطورات الأحداث المتسارعة في الكويت، وكان ذلك الاجتماع في اليوم الثاني من الغزو، حيث كنت موجودا في باريس في الأول من اغسطس 1990 التي وصلتها مع عائلتي في ذلك اليوم، وكان الشيخ مبارك شخصيا في استقبالي بمطار شارل ديجول.

في نهار اليوم التالي كانت الكارثة التي لم أكن أتوقعها وكنت أشاهد على القنوات الفضائية الفرنسية صورا وأفلاما للطائرات والبوارج المتجهة للخليج العربي دون معرفة حقيقة ما يجري لأن كل التعليقات التلفزيونية باللغة الفرنسية، لذلك خرجت من الفندق لتقصى ما يجري عندما وجدت عددا من أصحاب سيارات الاجرة المغاربة وهم يستمعون إلى إذاعة الشرق العربية التي تبث من باريس، عندها اتضحت الصورة امامي لفداحة ما جرى وأسباب عدم رد الشيخ مبارك على اتصالاتي، حيث كان مشغولا في اتصالاته بالرئيس الفرنسي ميتران لتقديم صورة واضحة لمجريات الأحداث حتى اللحظة، وكان من أهمها:

أولا: اهتمام الحكومة الفرنسية الذي دفع بالرئيس ميتران ان يترك مقر اقامته في عطلة نهاية الأسبوع ليستقبل الشيخ مبارك في الاليزيه، وكان ذلك يوم الأحد الموافق 4 أغسطس 1990، كما استقبله مرتين بعدها، وكان صلة الوصل بينهما ابن الرئيس كريستوفر.

ثانيا: شرح الشيخ مبارك أهم التطورات الجارية على الساحة بعد الغزو الغاشم والتي كانت تصله من الطائف مقر الحكومة الكويتية المؤقت، كما أبدى الرئيس رغبة الحكومة الفرنسية في الاطمئنان ومعرفة مصير أمير الكويت الشيخ جابر الأحمد «رمز الدولة ووحدة الشعب الكويتي» الذي أوضح له الشيخ مبارك انه غادر قصر دسمان في اللحظة المناسبة ودخل الاراضي السعودية في الخفجي بمعية الشيخ سعد العبدالله الصباح ولي العهد، على الرغم من إصرار أمير الكويت بالبقاء لمواجهة الغزاة ألا أن الشيخ سعد أجبره على المغادرة.

ثالثا: بحث الشيخ مبارك مع الرئيس الفرنسي العديد من القضايا التي كانت تصله من سمو الشيخ صباح الاحمد الجابر الصباح وزير الخارجية آنذاك، والموقف الفرنسي الداعم للكويت، وتبادل وجهات النظر قبل التوجه الى مجلس الامن الدولي الذي كان مرتقبا ان يصدر عنه قرارا تحت «الفصل السابع» الذي يجيز استخدام القوة وتشكيل التحالف الدولي لإرغام صدام حسين على الانسحاب من الكويت. وقد لقى الشيخ مبارك الدعم المتوقع من الحكومة الفرنسية التي أبلغها لحكومة الكويت بالطائف.

كانت تلك أولى الذكريات مع الوقائع للغزو العراقي الغاشم للكويت عام 1990 الذي اختار التاريخ أول رجاله من باريس رغم بعد المسافات لأن اختيار ابطال المشهد لم يكن معدا سلفا، بل جاء دون تخطيط مسبق، إلا انه ارتكز على حسابات استطاعت مواجهة لحظة رفع الستار وما بعدها ليتشكل الموقف والفعل الذي ساعدا في التوجيه لاتخاذ القرار الفرنسي في مجلس الأمن الدولي. من هنا كان حجم المصيبة ودقة حسابات اللحظة والكفاءة العالية في معالجة الأحداث والكويت تحت الاحتلال مهمة جدا في نجاح المهمة الدبلوماسية التى كُلف بها الشيخ مبارك الجابر الأحمد في باريس مع الرئيس الفرنسي. وللمقال بقية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها