النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11932 الأربعاء 8 ديسمبر 2021 الموافق 3 جمادى الأولى 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:48AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:26PM
  • المغرب
    5:46PM
  • العشاء
    6:16PM

كتاب الايام

الحياة أخذ وعطاء

رابط مختصر
العدد 11809 السبت 7 أغسطس 2021 الموافق 28 ذو الحجة 1442

لطالما آمنت أن العطاء وفعل الخير هو تمامًا كما العصا المعقوفة التي كان يطلقها البطل الكارتوني «ماوكلي»، والتي تسمى بالإنجليزية Boomerang، حيث يقذفها في اتجاه لتلتف في حركة نصف دائرية ويلتقطها بيده من اتجاه آخر.

ولا زلت أذكر بكل تقدير وإجلال أسماء وصور الأشخاص الذين فعلوا معي الخير، وساعدوني طوال مسيرة حياتي الدراسية والمهنية والاجتماعية، ولم أتمكن بالفعل من رد الجميل لكثير منهم، لكن أحرص بالمقابل على تسليف غيري من الأشخاص الذين يحاجون مساعدتي، عساهم في يوم من الأيام يردون هذه المساعدة بدورهم إلى أشخاص آخرين، وهكذا تعمر الأرض ويتكاتف المجتمع وتتطور البشرية.

التفاعل الإيجابي بين البشر هو سر تقدّمهم ونجاحهم وسعادتهم، فالإنسان حيوان اجتماعي، يؤثر ويتأثر ليس في محطيه فقط، بل بالأجيال التي سبقته والتي ستلحق به، وكلما تمكن من ترك بصمة إيجابية وأثر طيب استطاع إثبات أن وجوده في هذه الحياة ذي معنى.

سمعت عبارة في النشيد الوطني التونسي تقول: «نموت نموت ونحيا الوطن»، وهي بلا شك عبارة حماسية تلهب المشاعر الوطنية، والتضحية من أجل الوطن وسلامة أرضه واستقراره مطلوبة، لكن لا أعتقد أنه يجب تعميم الشعور بالموت على الجميع، ما أعتقده بالفعل هو أنه يجب أن نحيا ليحيا الوطن، فالعطاء للوطن لا يكون فقط بالموت من أجله، بل بالحياة من أجله بالمعنى الأعم والأشمل.

الأشياء نعطيها تعود لنا مع ابتسامة، والعطاء ليس بقيمة العطاء، بل بمعنى العطاء والفرح به، وأدرك أنه من يحصل على السعادة عليه أن يُشرِك الآخرين فيها، فالسعادة ولدت توأمًا، وقبل أن نفكر بـ«ماذا يمكنني أن أوفر؟» يجب أن نفكر بـ«ماذا يمكن أن أشارك به الآخرين؟».

العطاء يمثل درجة عالية من الوعي الإنساني، خاصةً حين يرافقه استمتاع، من دون الشعور بالتعب أو التمنن أو التفاخر في ذلك، والعطاء طاقة إيجابية يرسلها الإنسان إلى من حوله يستمد منه سعادته، والسر في العطاء لا يكمن في مجرد العطاء فحسب، بل في إحساسك بأنّك تتحول إلى شخص أفضل.

طالما كانت تقول لي أمي رحمها الله إن «القوة من الداخل»، وتقصد بذلك أن مصدر قوتنا الحقيقة يكمن في ذواتنا، قبل أن نستمدها من مركزنا أو معارفنا أو مالنا، وأنا أعتقد أن القوة هي مرادف للسعادة، والسعادة أيضا تبدأ من تبدأ وتنتهي من الداخل، والسعادة الحقيقة تكمن في محبتنا لبعضنا البعض.

وأذكر هنا أني قرأت عن دراسة جرت على مدار 80 عامًا في جامعة هارفارد الأمريكية توصل الباحثون في نهايتها إلى ما يعتقد أنه أهم أسباب السعادة، وهو «الأصدقاء الجيدين» الذي يمثلون أكثر مدعاة للشعور بالسعادة، مقارنة بالمال والنجاح، حيث أثبتت الدراسة وجود رابط قوي بين العلاقات بالأصدقاء والسعادة، وما يترتب على ذلك من تحسن الحالة الصحية، وتوصلت إلى أن الأصدقاء الجيدين لعبوا دورًا في حماية الناس من التدهور العقلي والجسدي، مقارنة بالطبقة الاجتماعية ومستوى الذكاء.

لا شك إن الاعتناء بالنفس مهم، ويجب الانتباه جيدًا إلى نوعية الغذاء والرياضة والنوم، إضافة إلى السعي لتحقيق النجاح الشخصي الدراسي والمهني والمالي وغيره، لكن اعتناء بعلاقاتنا مع الناس من حولنا هو نوع من الاهتمام بالنفس أيضًا، طالما أن هؤلاء الناس أحد أهم مصادر سعادتنا.

وإن التبرع بالمال هو أحد أشكال العطاء، لكنه ليس الشكل الوحيد ولا حتى الأهم، ومعظم العطاء الذي حصلت عليه في حياتي لم يكن مساعدة مادية مالية، وإنما أشكال أخرى من الدعم، نجحت في ترجمتها في وقت لاحق من حياتي إلى مال. معظم من ساعدوني لم يعطوني سمكة لآكلها ثم أعود إليهم جائعًا في اليوم التالي لأطلب سمكة أخرى، بل علموني كيف اصطاد، وأنا بالمقابل كنت ولا زلت تلميذًا نجيبًا سريع التعليم.

أنا في الوقت ذاته أستاذ يفتح كتبه وقلبه لجميع من يرغب بالتعلم والاطلاع على تجربتي علَّه ينتفع منها بشيء، حتى أنني خصصت جزءًا طويلاً من وقتي على مدى نحو أربع سنوات حتى خرجت بكتابي «لم انتهِ»، الذي تحدثت فيه عن نحو خمسين عامًا من مسيرة حياتي وخصصت الجزء الأكبر منه لعملي في مجال الإعلان والتسويق، وجلعته متاحًا لمن يرغب، حتى أن الجامعة الأمريكية في بيروت وضعته في مكتبتها وتنصح طلابها بقراءته.

إنني أعتقد أن هذا الكتاب هو شكل من أشكال العطاء، فجميعنا كبشرٍ زائلون، ويجب علينا أن نحرص على ترك أثر ما من بعدنا يستفيد منه غيرنا، إنها أشبه بـ «صدقة جارية». فعندما يتلاشى ويتبخر كل شيء ثمين جمعناه خلال رحلتنا في هذه الدنيا، تبقى أمور يذكرنا الناس بها، من بينها كتاب ذو قيمة.

بالمقابل إن انتظار العطاء والعيش على أمل العطاء والتكسب من العطاء أمر مرفوض تماما، فلا يمكن لإنسان أن يعيش حياته يأخذ ولا يعطي، وعليك أن تجتهد في الزرع قبل أن تأمل الحصاد، وأن تفكر بالعطاء قبل الأخذ، فجميل أن تعرف معنى العطاء، والأجمل أن تعطي، فأنت في الحياة تسمو بقدر ما تعطي لا بقدر ما تأخذ.

ولا يجب أن تنتظر حتى تصبح غنيًا أو مسؤولاً كبيرًا أو ذا نفوذ حتى تبدأ العطاء، فالعطاء ربما يكون ابتسامة في وجه طفل أو جار أو شخص لا تعرفه، وربما يكون مساعدة تقدم لشخص مسن يعبر الطريق، أو منعك لضرر ربما يقع على ناس غيرك، فكل إنسان قادر، بل مطالب، بالعطاء، مهما كان عمره أو مكانته أو حالته.

احرص على إبداء مشاعر الامتنان والعرفان للأشخاص الذين يبادرونك بالعطاء، على أن يكون التعبير عن هذه المشاعر صادقًا دون رياء أو ابتذال، لأن من يعطي يستحق الشكر، واحذر أن تعتاد العطاء من شخص حتى تعتقد أن عطاءه أصبح حقًا مكتسبًا لك، لأن هذا يصيب العلاقة بينكما بخلل يتوجب عليك أنت إصلاحه.

العطاء يكون داخليًا أيضًا، أن تعطي نفسك ما تستحق من راحة، وأن تنعم بسلام داخلي، وأن تحصن قلبك من الشرور والحسد والحقد. حينها تستطيع الانطلاق نحو الآخرين بصدر رحب ونية صافية وقدرة على التفاعل الإيجابي معهم، فمثلما يعود النهر إلى البحر هكذا يعود عطاء الإنسان إليه.

 

*رئيس مجلس إدارة مجموعة بروموسِفِن القابضة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها