النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11861 الثلاثاء 28 سبتمبر 2021 الموافق 21 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:11AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:53PM
  • المغرب
    5:28PM
  • العشاء
    6:43PM

كتاب الايام

ضوع الياسمين

رابط مختصر
العدد 11801 الجمعة 30 يوليو 2021 الموافق 20 ذو الحجة 1442

 تسارعت وتيرة الأحداث المفرحة القادمة أنباؤها إلينا من أرض تونس الحبيبة، فحين انتفض فيه الشعب التونسي على قيادات الإخوان وحكمهم ليحاصر المواطنون المنتفضون مقرات حزب النهضة الإخواني معبرين عن غضبهم على سنوات من العبث بمصالح الشعب ورهن البلاد بمخططات تنظيم الإخوان المسلمين العالمي، جاءت قرارات الرئيس التونسي قيس سعيّد في استجابة سريعة بإنهاء المسرحية القطرية التركية الأمريكية التي سمحت للإخوان باعتلاء سدة الحكم في تونس وإدارة شؤون هذه الدولة التي كانت إلى وقت قريب مفخرة من مفاخر الدول العربية في تبنيها قيم الحداثة واتجاهها إلى كل ما يبني قوة الدول الفتية، ولكنها بسبب الإخوان باتت تتقهقر لتتأزم فيها الأوضاع إلى حدود تنذر بسقوط دعائم الدولة الوطنية التي بناها الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة. 

 هذه المقدمة مهمة في مفتتح هذا المقال؛ لأنها كبحت جماح رغبتي في أن أبتدئ بالرد على ما جاء على لسان رئيس حزب النهضة الإخواني راشد الغنوشي بُعيد اتخاذ الرئيس التونسي إجراءه الدستوري بإقالة رئيس الوزراء هشام المشيشي وتجميد عمل البرلمان لمدة 30 يومًا، وبأنه سيدير الحكم برئيس وزراء جديد؛ لضبط الأوضاع التونسية والحفاظ على مصالح الشعب التونسي ومقدراته من عبث الإخوان المسلمين الذين عاثوا في الحياة السياسية والاجتماعية التونسية المتقدمة فسادًا بإيديولوجيا لا تتناسب مع الإرث المدني الحداثي الذي أسس له الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، ولأنها جعلتني مرغمًا على الالتفات إلى نعيب غردت به الإخوانية اليمنية توكل كرمان، وهي بالمناسبة قناصة مناسبات تريد فيها دائما أن تظهر في مظهر الأبطال، في تفاعل لها مع ما حدث لإخوانها في تونس جراء قرارات الرئيس التونسي الجريئة والحاسمة.

 الغنوشي وصف إجراءات الرئيس سعيّد السالفة بأنها «انقلاب على الشرعية» وهو ما لبث يهدد باعتصام سرعان ما خاب فيه مسعاه ويتوعد باتخاذ إجراءات دستورية مضادة متصلاً في الوقت نفسه بقيادات الحزب في المركز ليتدبروا له مخرجًا يعود به إلى المشهد التونسي. أما اليمنية توكل كرمان، فإنها سارعت وأعطت رأيها فيما يحدث في تونس بواسطة تغريدة تنم عن أنها فعلاً «صحفية بلا قيود» أخلاقية، إذ قالت فيها مبتدئة حملة إعلامية سنرى صداها في الأيام القليلة القادمة في الإعلام الإخواني وبقية الأحزاب الراديكالية: «قيس بن سعيد مجرد انقلابي خان ناخبيه وما حدث في تونس مجرد ثورة تنظم إلى مجموعة الثورات المضادة التي قادتها الرياض وأبوظبي للإطاحة بثورات الربيع العربي ومكتسباتها». 

 ردي على رئيس النهضة الغنوشي الذي لم يغب عن المشهد السياسي منذ تشكيل أول حكومة في عام 2011 لم تكن أدواره فيها لافتة، ولكن مواقفه ومواقف حزبه كانت دائما مصدر احتجاجات واعتراضات أراد وجماعات الإسلام السياسي التابعة له إخمادها بالتخويف عبر الاغتيالات السياسية والأعمال الإرهابية من دون نجاح يُذكر، أنَّ زمنه وزمن الإسلام السياسي قد ولى في تونس بحكم الدستور، وأن يسمع جيدًا ما رفعه المحتجون عليه وعلى حزبه من شعارات تؤكد أن أعداد المخدوعين بطهرانية حزبه. المسرحية انتهت وأسدل الستار.

ردي على الغنوشي صورة من الواقع التونسي المنتفض على الإسلام السياسي انتفاضة ما كانت لتكون لولا أصوات شجاعة جريئة رفضت مهزلة الربيع العربي وفضحت مؤامرات الإخوان، وهي أصوات تصدّرتها النائبة الشجاعة عبير موسي التي ضربت بثباتها على مبدأ رفض التخريب الإخواني مثالاً حيًا على الوطنية. أما ردي على «الصحفية بلا قيود» (أخلاقية) كرمان، التي لو كان ما تقوله نافعًا لنفعت به عاصمتها المحتلة من إيران، فإني أقول لها أهلاً بـ«الانقلاب» إذا كان سببًا في اجتثاث الخراب الذي وجد المواطن العربي نفسه حبيسا في فوضاه، أهلا بهذا الانقلاب، إذا اجتث عصابات الإخوان من الحكم وأقصاهم من مواقع القرار وحاسبهم على جرائمهم، أهلاً بهذا الانقلاب لأنه يوفر للإنسان كرامة لم ينفك تنظيم الإخوان المسلمين يهدرها في طول الوطن العربي وعرضه ليقضي على قيم الحداثة والمواطنة والمدنية وعلى مقومات الدولة الوطنية؛ ليمهد الفضاء العام في البلدان العربية ويهيئه لحكم «المرشد».

 الإخوان المسلمون واليسار الراديكالي صرفوا جهودا لتثبيت خرافة في وعي المواطن العربي ومخادعة الرأي العام العالمي من خلال قناة الجزيرة والإعلام الأجنبي مفادها أن ما يحدث في المجتمعات العربية التي شهدت أحداثًا أثرت في أمنها واستقرارها في عام 2011، إنما هو انتقال «ربيعي» موعودة به المجتمعات العربية على يد الإخوان المسلمين، وبالتالي فإن كل مسعى من القوى المناهضة لتسيّد الإخوان في المشهد ووقف تغولهم في المجتمعات العربية يصفه الإخوان بالانقلاب على «الثورة»، أي الانقلاب على «الربيع». فكما حدث بالضبط في مصر واستعادت سيادتها واستقلالها، ها هو الأمر ذاته يتكرر في تونس، بلد الياسمين، التي فيها أشعل البوعزيزي شرارة الأحداث في تونس وفي بعض البلدان العربية بحرق نفسه للتعبير عن رفض الإذلال والتهميش ولكن على نحو مغاير أدواتيًا. أي أن تونس، في رأيي، ستكون أكثر سلاسة في الخروج من أزمة الإخوان المسلمين إلى فضاء الحرية والتمدن مواصلة السير على ذات النهج والطريق اللذين رسمهما الحبيب بورقيبة، وذلك بعد انكشاف الإخوان على حقيقتهم في أكثر من بلد.

 تونس دولة عزيزة وفاعلة في محيطها العربي، وتعثرها يعد تعثرًا للنهوض العربي، وبنجاحها يضوع ياسمينها في الفضاء العربي. وأكثر ما تحتاجه تونس في هذه الأيام للتصدي للحراك الإعلامي الإخواني الذي سوف يذرف دموع التماسيح على الديمقراطية وحقوق الإنسان، وخصوصا في أوروبا وأمريكا، الدعم المادي ووقوف حكومات الدول العربية إلى جانبها لتقديم هذا الدعم اللازم لإخراج تونس من أزمتها الصحية والاقتصادية، تونس تحتاج من الشعوب العربية الحرة التي تؤمن بأن عقارب الساعة لا تدور إلى الوراء إلى الدعم المعنوي؛ لتنهض تونس من كبوتها بعمليات إصلاح اقتصادية كبرى لم تفلح الحكومات المتعاقبة في تنفيذها لتغيير أوضاع التونسيين إلى الأفضل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها