النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11860 الإثنين 27 سبتمبر 2021 الموافق 20 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:55PM
  • المغرب
    5:30PM
  • العشاء
    7:00PM

كتاب الايام

ابحثوا عن المهرجين..!!

رابط مختصر
العدد 11798 الثلاثاء 27 يوليو 2021 الموافق 17 ذو الحجة 1442

المهرج في معاجم اللغة يدور مفهومه في دائرة من يقوم بإضحاك الناس بحركاته وكلماته وألعابه وهيئته، وأقواله، ويأتي بكل أشكال الإضحاك، وبات للتهريج مناسبات يحتفى بها، في

غواتيمالا - مثالاً ليس إلا - يقام مهرجان سنوي صادف أمس الاثنين - 26 يوليو من كل عام - يشترك فيه أعداد كبيرة من مختلف الأعمار والجنسيات، كلهم يتنافسون على إبراز قدراتهم وإبداعاتهم في حقول التهريج وعلى رؤوس الأشهاد، هناك ايضًا مهرجان «كلاون أند كلاون» الذي يعقد سنويًا في ايطاليا، هذا المهرجان يجمع المهرجين من كل أنحاء العالم، ويتضمن عروضًا في شوارع ومسارح مدينة مونت سان غويستو التي تستضيفه وتقدم جوائز لأفضل المهرجين.

هناك محترفون في فن التهريج، تعمقوا في هذه الحرفة، التهريج هو مصدر رزقهم، يتكسبون منه ويستثمرون فيه، ومن هؤلاء من ينظر لمهنته من زاوية فلسفية وإنسانية، أحدهم قال إنه يرى «أن التهريج حق من حقوق الانسان في علم مثقل بالمآسي وبالتعب والإنهاك والقهر، كونه يساعد على تحمْل قساوة الحياة، ودورنا ان نقدم الضحكة لهؤلاء الناس، الضحك الذى بات حاجة انسانية بين الشعوب..!»، وثمة كتاب عنوانه «أغبياء في السياسة.. مذكرات سياسي ساخر» وهو يتحدث عن دهاليز السياسة وطرقها الملتوية وعدم ثبات أرضيتها على أخلاق واحدة، او مبدأ واحد يذهب فيه مؤلفه السلوفاكي يوسف بناش الى أن السياسة كثيرًا ما تكون مثالاً للتهريج الذي يحوّل كل من يتعامل معها الى مجرد مهرج لا قانون له، وهو يرى أن تاريخ التهريج يتشابه كثيرًا مع تاريخ السياسة، بل يذهب الى القول إن السياسة هي لعبة التهريج العظمى في التاريخ، اللعبة التي لا قانون ثابت لها، ولا تاريخ لها، ولا أخلاق سوى أخلاق العبث الذي يصل حد التهريج..!!

لماذا نتحدث عن التهريج والمهرجين في هذا التوقيت الكوروني..؟

هل هذا التوقيت، وأجواء وباء كورونا المحيطة بنا والتي تحصد الأرواح، وترعب الناس، وتلحق الضرر بالصحة، والتنمية، والاقتصاد، والسياسة، وجعلت البوصلة تتوه، والأولويات تختل في كافة بلدان العالم، حتى نتحدث عن التهريج والمهرجين..؟!

نعم، حتى في هذه الأجواء والمناخات وجدنا ما يستلزم الحديث عن التهريج والمهرجين، فكثير من الأمور والملفات والقضايا لازلنا نجد من يدفع بها وبكل ثبات نحو مستنقع التهريج، وأمامنا نماذج راسخة تُمارس التهريج حتى في الظروف الراهنة، دون أن يلبسوا لباس التهريج المعروف في السيرك او المهرجانات، ولكنهم يفعلون ذلك على نحو ينافس المهرجين الحقيقيين إن لم يتفوقوا عليهم، ولا نستبعد، ما دمنا في زمن العجائب والغرائب، أن يظهر لنا أحدهم مطالبًا تطهير مهنة التهريج من الدخلاء الذين يسيئون للمهنة ويحوّلون التهريج الى صفة سيئة، ربما على غرار الدخلاء في مهن مثل الصحافة والإعلام، والطب والصيدلة ومهن أخرى عديدة، وكذلك الدخلاء على أنشطة عامة بصفة ناشط او حقوقي او خبير، وما أكثرهم في كل شأن ومجال وميدان..!

المهرجون ظلوا حتى في هذا الزمن الكوروني كثر، إن لم يزدادوا في هذا الزمن، أصبح من الممكن أن نجدهم في كل المجالات، في السياسة، في مجالس برلمانية، في الجمعيات، في النقابات، في الثقافة والفن والأدب والإعلام والصحافة والرياضة، في كثير من مواقع التواصل الاجتماعي، هؤلاء وغيرهم يمارسون التهريج، كل له طريقته وأسلوبه مع اختلاف مادة التهريج، والهدف من هذا التهريج، منهم من يحاول أن يظهر بمظهر المحتكر للوطنية، او المواطن الصالح، الحريص على المصلحة العامة، ومنهم من لا مانع عنده أن يظهر بطريقة مهينة ومسفة وسمجة، بل ومنحطة، المهم أن يحقق هدفًا او أهدافًا او غايات او مآرب معينة، وأن يكون نقطة استدلال مصحوبة بصبغة البطولة او الموعظة او المعرفة، همه أن يحصل على أعلى نسبة من المتابعين او على عدد كبير من المشاهدات او القراءات..!

هناك من وضع بعض السياسيين في مرتبة المهرجين كما أسلفنا، يكفي أن نمعن في دلالة كلام أحد ممن امتهنوا التهريج في لبنان، الرجل يقول: «إن من صفاتنا كمهرجين أن نستدرج الناس للإضحاك، كذلك الحال بالنسبة لأهل السياسة، يهرجون بدرجة عالية من الاحتراف، الى درجة نرجوهم ألا يتعدوا على مهنتنا فهي مصدر رزقنا أولاً، وثانيًا نحن لنا أهدافنا السامية، فيما أهدافهم وضيعة»، وهناك من يرى التهريج بأنه أصبح صفة سياسية تلصق بالمبررين للأخطاء السياسية، ولمن يُساومون، ويُزايدون، ويُدارون، ويُمارون، ويُجارون، ويُمالقون، ويُموهون، ويُنمقون، ويُسطحون، ويبثون دون رادع الأباطيل المزيفة..!

بالفعل وجدنا كثر من تلك النوعية من المهرجين السياسيين على مستوى مختلف الدول، لم نعد بحاجة الى البحث عنهم، بات هؤلاء المهرجون يفرضون أنفسهم فرضًا، في واقعنا، شهدنا وقائع عديدة جسدت تلك الحقيقة، وجدنا من يمارسون التهريج باحترافية لافتة في بعض فضاءات الشأن العام، وبعض القنوات الفضائية، والصحافة والإعلام، وامتد الى مجالات حقوق الانسان، وحتى العمل الديني والدعوي والخيري والانساني، لم يعد هناك مجال يخلو بشكل او بآخر، او بدرجة او أخرى ممن يمارسون التهريج وبصفات شتى حسب المطلوب وطبيعة الموضوع المثار، كثير من هؤلاء، ولا نقول كلهم يمارسون التهريج بشكل يدخل في باب الغرائب والمفارقات والمضحكات وما أكثرها، وأسوأ أنواع المهرجين أولئك الذين يستهدفون التغرير بالناس، او تحريف او طمس الحقائق، وبث الاكاذيب والفبركات، واللعب على الحبال..!

من بين أسوأ أنواع التهريج هو الذي يمارس من قبل بعض من يفترض أنهم يمثلون شعوبهم في مجالس برلمانية منتخبة، بما في ذلك برلماننا، لقد تعودنا من نواب ونائبات منذ سنوات وعلى مدى عدة فصول تشريعية على «تهريجهم» حتى فاض الكيل، يكفي التمعن في تصريحات ومواقف متذبذبة ومتناقضة واهتمامات واقتراحات فيها من الخفة الكثير، كما لا ننسى مجموعة الاستعراضات البائسة التي جرت تحت قبة البرلمان ويمكن التذكير بها في أي وقت، وفي مشاهد لازالت شاخصة أمام أعيننا، وتناولناها مرارًا، لم تكن بعيدة عن الملاحظة، ووجدت عيوناً ترصدها وتسجلها، وتوثقها، مشاهد لم تكون بعيدة عن التهريج، إن لم يكن تهريجًا بكل تجليات ومعاني التهريج..

باعث لكثير من الأسف والأسى أن يصبح التهريج مشهدًا ثابتًا من مشاهد الحياة حتى اللحظة الراهنة، وأصبح التهريج صناعة، والمهرجين باتوا يحتلون مساحة واسعة في الواقع العربي بوجه الإجمال، وجحافل المهرجين أصبحوا في كل شأن ومجال وميدان، الطرق أمامهم معبّدة، تهريجهم أكثر من المحترفين في السيرك، قائمة المهرجين طويلة، بعضهم يظهر في صورة شيخ دين يفتعل العلم والهيبة والوقار، وبعضهم لا هيبة له ولا وقار، وبعضهم دأب على المتاجرة بشعارات الوطنية والالتزام الوطني، هؤلاء أصبح لكثير منهم حضور شبه دائم في مواقع «السوشال ميديا»، او بعض الفضائيات ووسائل الصحافة والإعلام التي استثمرت من يتجاسر على أن يقدم نفسه محللاً، او ناشطًا، او خبيرًا استراتيجيًا او أمنيًا، او إعلاميًا، او كاتبًا، او صحفيًا، او مؤرخًا، او مستشارًا، او رئيسًا لهيئة او تكتل، او جمعية، او اتحاد، او كيان لا أحد يعلم عنه شيئًا، تلك الجهات وغيرها قدمت اولئك وكأنهم يحيطون اللثام عن حقائق كانت خافية، او أنهم يساهمون في تنوير العقول، ويقللون مساحة الظلام، او أنهم يخدمون قضايا الديمقراطية، واللافت إن منهم من يزعم أنه لا يقول إلا ما يرضى ضميره..!

لم يعد مستغربًا أن نجد من لا يتردد في تقديم نفسه وبكثير من العنفوان بأكثر من لقب وأكثر من صفة في آنٍ واحد، بعضهم تخصص في فتح وافتعال المعارك كلٌ حسب الدافع والطلب والمطلوب ولا ننسى الثمن، يتلبسهم الهراء والخلط والتخليط، منهم من تترهل عنده الكلمات وفضفاضية المعاني، وعلينا أن نلاحظ أن تهريج هؤلاء هو أكثر من المهرجين المحترفين، وفي قائمة هؤلاء نواب يمثلون شعوبهم، تمعنوا في غوغائياتهم وجلجلاتهم واستعراضاتهم حول كثير من الأمور والمواقف التي يمكن تصنيفها دون جهد في إطار الكوميديا السوداء التي تصل الى حد التهريج، بل هي صنفت بالفعل كذلك إزاء ما جرى ويجري في بعض البرلمانات في منطقتنا العربية بشكل مسّ هيبتها، الهيبة التي لا يثمنها ويقدرها إلا العارفون بقدرها..!!

دعونا نختتم بما جاء في كتاب «مطلوب مهرجين» لتغريد الداود، «هناك من يعرق، هناك من يسرق، وهناك من يخون، هناك لص، هناك مخلص، وهناك من يردد «مخلصون»، منهم صادقون، وآخرون يدّعون، تتعدد بهم الأقنعة، ويتلون بهم الشخوص حتى بات من يفرض الأمر الواقع» «مخ - لصوص»..!

«مخ - لصوص»………….

لو انكشفت الأقنعة، يا ترى كم مهرجًا، من المهرجين إياهم في واقعنا سنشهد..؟!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها