النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11852 الأحد 19 سبتمبر 2021 الموافق 12 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:06AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:37PM
  • العشاء
    7:07PM

كتاب الايام

في ازدواج المعايير...

رابط مختصر
العدد 11797 الاثنين 26 يوليو 2021 الموافق 16 ذو الحجة 1442

 صديق عرفته كما أبيه وطنيا مخلصا كتب إليّ منبها إلى أهمية تناول ازدواج المعايير في مواقف الولايات المتحدة الأمريكية ودول الاتحاد الأوروبي من قضايا حقوق الإنسان في مملكة البحرين مقارنة بمواقف هذه الدول ذاتها من إيران، الدولة الشوفينية الثيوقراطية، التي لا صلة لها من حيث مرجعياتها السياسية ولا من حيث فعالها بالحقوق فردية كانت أم جماعية مجتمعية أم إنسانية كونية، الدولة التي لم ولا ولن تعترف بأي حق لأي قومية من القوميات التي تقع تحت نير ملالي إيران بخلاف القومية الفارسية، الدولة التي مارست أشكالا من العربدة العسكرية والإرهابية داخل محيطها الإقليمي وخارجه وهي عربدة تجلت خاصة من خلال تدخلات سافرة في شؤون مملكة البحرين، ومن خلال هتك صريح لكل الأعراف والمواثيق الدولية بحشر نفسها في مسائل لا تتصل أبدا بأي مصلحة لإيران إلا بما يحصل من إضرام لنار الفتن المذهبية عبر تدخلات سافرة حينا سرية مؤامراتية أحيانا تسعى من خلالها إلى هدم استقرار المجتمع البحريني والإخلال بأمنه.

 صديقي تحدث بمرارة، وأشار إلى أنه في الوقت الذي كانت فيه مملكة البحرين تدافع عن سيادتها واستقلالها من تدخلات إيران المباشرة ومن أعمال إرهابية لمختلف الميليشيات المؤتمنة على نشر فكرة ولاية الفقيه في البحرين ومنها إلى عموم منطقة الخليج العربي، كانت تتعرض لحملة شعواء تتهمها بخرق حقوق الإنسان، في الوقت الذي كان فيه الصمت يلف جدران البيت الأبيض عندما كان ساكن البيت الرئيس الأسبق باراك أوباما، الذي كان يرى بأم عينيه الانتهاكات السافرة لسيادة المملكة، ولكنه كان مسكونا بتحقيق ما يراه انتصارًا شخصيًا يحقق له المجد إذا ما وقع مع إيران الإتفاق النووي، معتبرًا مسألة الإرهاب بكل أشكاله وإنشاء الميليشيات ودعمها وتدريبها شيئًا ثانويًا لا يقتضي تدخلاً أمريكيًا باعتبار أمريكا قوة عالمية أولى.

 شخصيًا، أتفق مع الصديق في ما ذهب إليه جملةً وتفصيلاً؛ لأن سلوك الحكومات الأوروبية وأمريكا حيال تعاملها مع قضايا حقوق الإنسان في بلدان ومناطق وأقاليم الدنيا قاطبة، بل وحقوق الدول وسياداتها على أراضيها فعلاً غريب. فمن جهة ترى هذه الحكومات أن هذه الحقوق «منتهكة» بالمطلق خارج الحدود الأوروبية والأمريكية، ولا يعتد بما تنجزه مختلف البلدان والمناطق في سبيل بناء مؤسساتي قانوني وتربوي ومجتمعي لمنظومة تحفظ حقوق الإنسان وتتعهدها وتحفظ انتهاكها خاصة من التيارات الإرهابية والمتطرفة التي تسعى دائمًا إلى تقويض أركان السلم الاجتماعي لإرساء أنظمة حكم بديلة لا صلة لها من قريب أو بعيد بأبسط مبادئ حقوق الإنسان ومقوّماتها.

 هذا السلوك الأمريكي المتعامي عما يحدث في إيران تنفتح عيونه ويلعلع صوته عاليا عندما يتعلق الأمر بدول مجلس التعاون ومصر وهي تدافع عن كينونتها ضد التدخلات الأجنبية الإيرانية والتركية على وجه الخصوص؛ لتنعى حقوق الإنسان معتمدةً في مواقفها وبياناتها صنوفا من الفبركات الإعلامية التي تحول القاتل والإرهابي والبلطجي إلى مناضل حقوقي ينبغي أن يكرم جزاء جرائمه بدلاً من محاسبته بسلطة القانون العادل عما أتاه من جرائم، وحتى لا يبقى كلامنا عامًا لنا في ما شهدته مملكة البحرين ومصر في عام 2011 من أحداث طائفية كادت تؤدي بمقومات الدول الوطنية أسطع الأمثلة، فالدولتان تفطنتا إلى حجم مؤامرة ما سمته منصات إعلامية مشبوهة «ربيعًا عربيًا»، وتعاملتا مع المؤامرة كل بطريقتها لتتخذا إجراءات تحفظ سلامة البلدين واستقرارهما وتبتعدا عن قدر التدمير الممنهج الذي كان ينتظرهما على يد جماعات الإسلام السياسي مثلما حدث بالضبط في كل من سوريا وليبيا واليمن.

 أمريكا وعدد من حلفائها لم تجد حرجًا في اتخاذ إجراءات كانت تهدد بها كثيرًا من البلدان التي كانت تتصدى لإيران وميليشياتها، ولم تعمد إلى شجب ولا لإدانة ولا حتى للوم خفيف لنظام الملالي في إيران جراء تعامله البربري مع المحتجين الإيرانيين الذين يكافحون وحشية نظام حرمهم أبسط الحريات وقطع عنهم المياه وأفقرهم ومارس ضد القوميات والشعوب الإيرانية غير الفارسية أبشع أشكال التمييز العرقي وأشنع أشكال الاضطهاد والظلم، ولم يظهر الصوت الأمريكي إلا عندما انتشت ميليشيات إيران بسكرة انتصارات موهومة في العراق وناوشت القوات الأمريكية المتمركزة في العراق باعتداءات إرهابية، وكان الصوت هذه المرة وككل مرة وعيدا بضربة عسكرية محتملة.

 مثلما تبرر الولايات المتحدة اليوم لضرباتها المحتملة لإيران، إذا كانت في ذلك صادقة، بأن المخابرات الأمريكية استطاعت أن ترصد التدريب والتمويل والتسليح الإيراني للميليشيات الإيرانية التي كانت تهاجم القوات الأمريكية في العراق، فإنها، بلا شك، استطاعت أن ترصد النسق ذاته من التدريب والتمويل والتسليح الذي تقدمه هذه الدولة المارقة إلى ميليشياتها في البحرين وإلى الحوثي في اليمن كما في لبنان والعراق. 

 كلمتي لصديقي الذي أشاطره الرأي أن الأمر، من وجهة نظري، لا يتعلق بحقوق الإنسان بقدر ما يتعلق دائمًا وأبدًا، ومنذ أحداث ما أطلق عليه تعسفًا «الربيع العربي» بمخطط أمريكي أوروبي مفاده تمكين الإسلام السياسي من السلطة تدرجًا يبدأ في الخليج العربي من مملكة البحرين، ولكن المسعى قد خاب عندما اصطدم زراع الفتن ورعاتها بمواقف الشعوب العربية في الخليج العربي وفي مصر ومواقفها الرافضة لتلك المخططات، وعندما وأدتها وطلبت الخلاص من آثارها الماحقة.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها