النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11852 الأحد 19 سبتمبر 2021 الموافق 12 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:06AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:37PM
  • العشاء
    7:07PM

كتاب الايام

نفاخر (بابن خلدون).. ولا نهتم بموضوعه

رابط مختصر
العدد 11796 الأحد 25 يوليو 2021 الموافق 15 ذو الحجة 1442

 

الدراسات الأكاديمية العربية بشأن (ابن خلدون) ليست بالقليلة.. وعلى الرغم من ذلك، فإن هذا المفكر في فلسفة التاريخ والاجتماع في الحضارة العربية الإسلامية لم يدخل الوعي الشعبي بعد؛ ذلك لأن الثقافة العربية السائدة ما زالت ثقافة شعر وبلاغة وخطابة. وسيبقى الشعر حاجة إنسانية عاطفية وجمالية لا غنى عنها. وهذه ليست دعوة لطمسه.

ولكن أن يكون الشعر وسيلتنا للتعامل مع العصر والعالم فهذه كارثة.. وإذا كان «الشعر ديوان العرب» فإن «النثر لغة العصر». وقد تنبه الفيلسوف الألماني (هيغل) إلى هذه الحقيقة، عندما أشار إلى أن أهمية العقل والتفكير العقلاني العلمي في العصر الحديث صارت تتطلب نثرًا يعبر عن فكر العصر، وسبق أن دعا كاتب هذه السطور إلى تأسيس نثر عربي جديد تقوم عليه الثقافة العربية المعاصرة وشعرها المعاصر، باعتبار أن النظرية المدرسية القديمة في أسبقية الشعر على النثر في تاريخ الأمم لا تصمد للتمحيص. فالناس يتحدثون في حياتهم العادية نثرًا، ثم يخرج الشعر من هذا النثر مشذبًا ومصفى على ألسنة النابغين منهم.

وكم كان توفيق الحكيم مصيبًا عندما تساءل: «كيف تتعرف إلى لغة دون معرفة نثرها؟ وإني لأدهش كيف أن مؤلفين مثل ابن خلدون والطبري وابن رشد والغزالي.. لم يعرضوا علينا قط في دراستنا للأدب العربي في المدارس».

مطلوب أن تتأسس الثقافة العربية الجديدة، التي هي عماد النهضة العربية المنتظرة، على نثر عقلي يفهم العصر ويدرك حركة العالم ويستطيع محاورته. وهذه هي السبيل لإنقاذ اللغة العربية التي ترتفع صرخات الخوف على مصيرها في الحياة العربية.

فلن يُنقذ العربية إلا عودتها إلى تراثها النثري العقلي الذي يشير توفيق الحكيم إلى نماذج منه، بالإضافة إلى استيعاب ما يماثل هذا النثر العقلي من النثر الفكري للعصر الحديث، ويأتي (ابن خلدون) وفكره في (المقدمة) مدخلاً لا بد منه لهذا التأسيس الثقافي الجديد. فلا يكفي أن نفاخر بالرجل ونقف عند حدود هذا التفاخر. علينا أن نستوعب -عقلاً ولغة- ما جاء به من فكر وتحليل تاريخي مجتمعي لواقع ما زال يحيط بنا.. وعلينا أن نفهمه قبل أن نغيره.. في الاتجاه الصحيح.

]   ]   ]

وفي خضم مشكلاتنا وأزماننا وتراجعاتنا العربية، تكلم كتابنا ومفكرونا العرب عن كل شيء تقريبًا.. إلا شيئًا واحدًا. تحدثوا عن الإمبريالية والصهيونية والشيوعية، وتحدثوا عن التنمية والنفط وعلوم الفضاء وثورة الكمبيوتر، وأهملوا شيئًا واحدًا.. شيئًا أساسيًا.. جوهريًا.. محوريًا.. هيكليًا.. في تكويننا العربي الاجتماعي التاريخي، هو في الواقع -كما تكشف الأحداث كل يوم- أساس مشكلاتنا وتراجعاتنا وإخفاقنا في حياة العصر.. في مدى احترامنا لقيم العمل والإنتاج والنظام، أو بالأحرى عدم احترامنا لها!

هذا الشيء الأساسي هو خصائص ذاتنا العربية والاجتماعية التاريخية، في تشكيلاتها العشائرية والطائفية والإقليمية، فما هي القوانين والظواهر التي تحكم سلوك هذه الذات الجماعية؟ وما السبل والوسائل الكفيلة بتصحيح هذه التركيبة المعوقة والمعرقلة بشكل ناجع وليس بالمسكنات؟

في كل فترة من فترات التاريخ العربي الحديث، أو ما سمي بالنهضة العربية الحديثة، يظهر غطاء أيديولوجي تحديثي براق على السطح والجلد.. سواء كان اسمه الليبرالية أو العلمانية أو الماركسية أو الإنمائية أو الديموقراطية، وننشغل بالمكياج الجديد على جلدنا لبعض الوقت.. ثم فجأة تطفر وتقفز بثور وأورام الجلد القديمة الموروثة والمتوارثة إلى السطح. فإذا بالديمقراطية طائفية بشعة كما في لبنان، وإذا بالماركسية قبلية مخيفة كما في جنوب اليمن، وإذا بالثورة التحررية الاشتراكية ردة إلى (أخلاق القرية) كما في عرف السادات!

والأمثلة كثيرة في غير ما ذكرنا..

فما هي هذه القوة الرهيبة الكامنة في أعماق ذاتنا المجتمعية وتركيبنا الجماعي، التي تتحدى كل محاولات الإصلاح وتصر على البروز إلى مجرى الأحداث في كل حين؛ لتثبت وجودها الدموي التشرذمي المفجع؟

كتب مطاع صفدي بعد أحداث عدن 1987 يقول: «إذ بالصراعات الأيديولوجية تنزاح في لمحة عين لتحل محلها كل بدائية الشعائر القبلية، فتنهار القواميس الماركسوية تحت ضربات التسلط ونزعات الثأر الجماعي والثأر المضاد، أي يبرز إلى الوجود ذلك النموذج التاريخي، وهو أورمة العصبية القرابية والدموية، ليحكم ويحطم كل الانتماءات الأيديولوجية المستحدثة والملصقة على جبين الإنسان وجسده من الخارج فقط»!

هذا النموذج التاريخي -إذن- أما حان الوقت لدراسته بموضوعية وجرأة واستخلاص النتائج الضرورية منه؟ ودراسته حسبما هو في خصوصيته وليس حسب مقولات فكر الآخرين؟

هذا يتطلب قبل كل شيء تحرير الفكر العربي من ادعاء الماركسيين بأنهم وحدهم يملكون وسائل التحليل العلمي الاجتماعي. فقد ثبت أنهم بالنسبة للمجتمعات العربية لا يملكون غير النقل الحرفي عن الماركسية التقليدية، التي ماتت وأخفقت حتى في مواطنها، وأن الخصوصية العربية تحتاج إلى قوانين اجتماعية علمية مستمدة من واقعها ومن تطورها التاريخي، حيث بدأ المفكر العربي المبدع ابن خلدون في مقدمته، وليس في كلام كارل ماركس المبهم.

مطلوب -إذن- علم اجتماع عربي إسلامي مستمد من واقع تاريخنا لفهم التاريخ ومحاولة إعادته للخط السليم.. ومطلوب قبل ذلك شجاعة الكشف عن حقيقة الذات الجماعية العربية في واقعها التاريخي الاجتماعي بلا رتوش.. بلا مكياج.. بلا أقنعة.. وبلا أوهام تعظيمية للذات.

وقديمًا قال سقراط: «اعرف نفسك»!

 

*دارة «الأنصاري» للفكر والثقافة هي مؤسسة ثقافية تهدف إلى الحفاظ على إنتاج الدكتور الأنصاري وأعماله الفكرية والأدبية التي اهتم بها وركز عليها طوال مسيرته العلمية، وفي مقدمتها، التعريف بالجوانب المضيئة للحضارة الإسلامية والتراث العربي ومطالبته بصحوة فكرية وثقافية لأمة العرب، وإتاحتها للمختصين والمهتمين للبناء عليها وإثرائها.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها