النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11858 السبت 25 سبتمبر 2021 الموافق 18 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:10AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:55PM
  • المغرب
    5:31PM
  • العشاء
    6:47PM

كتاب الايام

هزيمة الروح الرياضية أمام المصالح المالية

رابط مختصر
العدد 11793 الخميس 22 يوليو 2021 الموافق 12 ذو الحجة 1442

الإعلام العالمي، بجميع أدواته ووسائله، مشغول ومنهمك وساخن بالقضايا السياسية والمعارك الحربية -وبعضها تسمى ارهابية- والمناوشات الدينية والمذهبية وبورصة المال والاستثمار و... مباريات «كرة القدم»... وقياسًا مقارنًا بين مواضيع الإعلام فإن لكرة القدم النصيب الأوفر لأنها صاحبة الحشد الأكبر من الجماهير، والجماهير دائمًا هي المستهدفة من الإعلام، للإعلام دفة توجه بها الجماهير في الاتجاه الذي رسمه سادة الإعلام.

كرة القدم أضحى لها حضور وموضع مميز في التاريخ البشري في موازاة الدين والسياسة، فقد كان الناس شتاتًا متباعدًا بتاثير من استغلال الدين، وكانوا أحزابًا متقوقعة في خنادق السياسة، واليوم ومنذ ما يقارب الأربعة عقود صار الناس فرقًا متنافرة على ساحة رياضة كرة القدم، وليس نوعًا آخر من الرياضة. نقول إن كرة القدم أضحى لها حضور؛ لأنها قبل هذا الحضور كانت مجرد وجود، والحضور له تأثير في النفوس، بينما الوجود مجرد أثر على النظر تراه العيون دون تأثير في النفوس. تتميز مباريات كرة القدم عن جميع الأنواع الأخرى من الرياضة أن لها جاذبية عشقية لدى الجماهير، فهي صاحبة النصيب الأعظم من الجماهير المشجعة، والمشجعون لكرة القدم ينقسمون بين الحاضرين على المدرجات في الملعب الرياضي والغائبين في بيوتهم او في الأماكن العامة يشاهدون المباريات أمام شاشات التلفاز، وبهذا المعنى فإن المشجعين لمباريات كرة القدم يغطون قارات العالم، وفي فترة المباريات نستطيع ان نخمن ان قرابة 25%؜ من سكان العالم منغمسين في حماسة ساخنة متاججة يشاهدون مباريات كرة القدم، خاصة اذا كانت المبارات بين فريقين مشهورين او فريقين يتميزان في فنون اللعب، وفي أثناء المبارات يتحول الجمهور الحاضر والغائب الى كتلة نارية من الحماس.

الحماسة، النابعة من تفاعل الجماهير في أثناء المباريات، تتفاعل وتتصاعد مع كل حركة لكرة مسكينة تركلها الأقدام بكل قوة ونشاط (وقسوة)، وتخرج الجماهير مع ارتفاع درجة حرارة الحماسة من طور العقل وترتد الى طور الفطرة، او بتعبير سيكولوجي أدق ينغلق باب الوعي وينفتح باب اللاوعي على مصراعيه. والمثل النموذجي لهذا الارتداد السيكولوجي هو الجمهور البريطاني، هذا الجمهور الذي فاق في حماسه المتوحش جميع درجات الحماس عند جماهير الشعوب الأخرى، وحتى أنه أصبح المثال المنفر والمقزز أمام جميع شعوب العالم.

بريطانيا الرائدة على درب الحضارة، والدولة الأولى في تطبيق الديمقراطية بعد ديمقراطية اثينا، والدولة ذات النصيب المحترم من جوائز الفكر والذكاء والعلم والابتكار في مسلسل جوائز نوبل (للسلام!!)... كيف يمكن لكل هذه الفضائل العظيمة أن لا تروض التوحش الهمجي والحقد البربري والعبث السلوكي المغروسة في نفوس الشعب البريطاني في أثناء وبعد مباراة لكرة القدم... نعم نقول الشعب، وليس فقط شرذمة من المشجعين لفريق وطني ضد فريق أجنبي، او فريق وطني ضد فريق وطني آخر... نقول الشعب البريطاني، لأن لهذه الهمجية تاريخ وحضور اجتماعي واستمرارية تصاعدية على كامل المساحة الاجتماعية في الدولة دون ان تتعرض هذه الهمجية للترويض الفكري او التفسي او التربوي او حتى الاعلامي، أين دور المدرسة وأين دور الإعلام وأين دور الدولة وأين دور الأحزاب السياسية والجمعيات المدنية والحقوقية؟ هناك جمعيات للرفق بالحيوان، يمكن لهذه الجمعيات أن تضم الانسان في قائمتها!! ولكن لا حياة لمن تنادي. هذه الهمجية والتوحش والحقد الذي لا أساس له وبهذه الدرجة من العنف القاتل واللامبالاة والعنجهية وسمة العنصرية البغيضة تنفرد بها بريطانيا (التي كانت عظمى!!)، كل هذه الموبقات اللا أخلاقية هي من إفرازات «سيكولوجية الجماهير»، وقد أفرد عالم النفس الفرنسي غوستاف لوبون بحثًا مطولاً عنونه تحت نفس التعبير «سيكولوجية الجماهير».

هذه الجماهيرية الواسعة، التي تسع العالم كله، والحماسة النارية التي تنفرد بها كرة القدم، لم تحصل ولم تأتِ من عبث، ولا هي نتاج عفوي يتخطى حدود العقل ويتغلب على ضبط النفس، بل هناك سبب محفز، والسبب من القوة بمكان يبرر ويجيز وحتى انه يحرض على تصاعد حرارة الحماسة النارية، لأن العلة الأساسية، وهي المحفز الرئيس، لها مصلحة مادية ملموسة...

للرياضة جذور عميقة في ثقافة الانسان منذ أن وعى ذاته، وكانت الرياضة فسحة من الوقت بعد ساعات وايام العمل والإنتاج والخدمة... كان الانسان يتلهى ويستمتع وترتخي اعصابه المشدودة بفعل العمل، بممارسة الرياضة بأنواعها... وكانت المباريات تتسم بالود والتآلف والتفاهم، حتى إن هذا الود على ساحات الألعاب الرياضية افرز تعبيرًا رائعًا يجمع بين الانسان وأخيه الانسان، فكلنا نحترم ونقدر عاليًا الانسان الذي يتسم بالروح الرياضية. «الروح الرياضية» نبعت من ساحات المباريات الرياضية، عندما كانت الرياضة بريئة... بعد المباراة كان الفريقان يلتقيان ويتبادلان كلمات التهنئة للغالب من الفريق الخاسر، وكلمات لطيفة مشجعة بحق الفريق الخاسر والتمني له بالفوز في المباريات القادمة... هذا الموقف الودي والرائع من قبل الخاسر أمام الفائز، والفائز أمام الخاسر، تولد منه مفهوم «الروح الرياضية»، وصارت هاتان الكلمتان بمنزلة حكمة نافذة في جميع أنواع العلاقات التي تربط الانسان بأخيه الانسان.

ودارت الأيام وساد المال وانصاع الانسان... وتبخرت «الروح الرياضية» وانهزمت الحكمة، وحل محلها «المصالح الذاتية» على قاعدة «الربح» وتراكم المال... والجماهير مصدر مالي لا ينضب طالما أنها موجهة في الاتجاه الذي يحقق الربح... وكلما زادت الجماهير حماسة كلما تضاعف الحشد الجماهيري، ومع زيادة الحشد الجماهيري ترتفع درجة حرارة الحماسة. فالعلاقة جدلية تبادلية وطردية بين الجماهير والحماسة... وروح الحماسة تزرع في نفوس الجماهير زرعًا عبر شبكة وسائل الإعلام، وعبر العروض الرياضية التي تتسم بأجواء مهرجانية تلهب النفوس وتدفعها دفعًا الى الانغماس في قعر حماسة لا قرار له. وهكذا تم استغلال الرياضة من أجل تحقيق الربح، وكان من نتاج هذا الاكتشاف الرأسمالي بامتياز هو تحويل الفرق الرياضية، وعلى رأسها فرق كرة القدم، الى مؤسسات ربحية، وهذه المؤسسات لها بنيتها الهرمية مثل أية شركة في مجالات الصناعة والتجارة والخدمات... وهذه الشركات الربحية مازالت متمسكة بالاسم القديم البريء «فريق رياضي»... «فريق كرة القدم» ذرًا للرماد في أعين الجماهير، وهذه الشركات الرياضية بحد ذاتها موضوع بحثي موسع لا تسعه مساحة مقال.

زبدة القول إن تحول الرياضة، إضافة الى جوانب حياتية وأنشطة أخرى، الى استثمار مالي له تبعات سلبية على مسار الحضارة... ويبدو اليوم إن مقومات ومكونات الحضارة أضعف من أن تصد سهام المال... إن للمال سطوة يركع العقل ويذل كرامته ويدفع بالحضارة الى التراجع الى عصر البربرية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها