النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11861 الثلاثاء 28 سبتمبر 2021 الموافق 21 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:11AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:53PM
  • المغرب
    5:28PM
  • العشاء
    6:43PM

كتاب الايام

«الهويات القاتلة» صناعة سياسية!!!

رابط مختصر
العدد 11786 الخميس 15 يوليو 2021 الموافق 5 ذو الحجة 1442

منذ فترة قصيرة تناقلت وتداولت شبكة البريد الافتراضي، المعروف بوسائط التواصل الاجتماعي، رسالة كاشفة تسلط الضوء على قضية سوداوية، هي جزء مُحَرِّضٌ ومُحَرَّضٌ مغروس في لا وعينا، تتمثل في ازمة هوية أمام هويات أخرى في نفس المحيط الثقافي والاجتماعي، وبمعنى أوسع وأدق «هوية جماعتنا» أمام «هويات الجماعات الاخرى». وهي قضية عبثية، في ظاهرها، تنخر فينا بإرادتنا ولكن بعيدًا عن وعينا المغيب في اتون صراع الهويات. وبدقة التعريف فإن الهويات بذاتها لا تتصارع، إنما هو إرادة الإنسان ومصالح الإنسان التي تدفعه لاستثمار الهويات في الصراع السياسي من أجل تثبيت سلطة أو حيازة سلطة على حساب موضوع السلطة، أي على حساب عامة الناس، الذين يدفع بهم دفعًا في اتون صراع تكون الهوية إداتها، فلا الهوية الفاقدة للإرادة قادرة بذاتها على خوض أي صراع، ولا هي في موضع الفعل، وكذلك عامة الناس فهم مشغولون بجهد العمل، إنتاجًا وخدمة من أجل تأمين سبل العيش لهم ولعوائلهم. سادة السياسة منذ فجر السياسة لهم نظرة استثمارية في الهويات التي تميز الأفراد والجماعات في المجتمعات وبين الدول، خاصة الهوية العقائدية من دين ومذهب، ويرون فيها اداة فعالة لزرع الشقاق وتفجير الصراعات بين الناس في المجتمع الواحد أو في المحيط الاقليمي بين عدد من الجيران أو على مستوى الصراع الدولي والمنافسة بين الكبار، وهذا المنحى في منهجية تحقيق الاهداف السياسية هو الذي أجج نفوسًا بريئة كي تتعارك ضد نفوس بريئة احرى، الهويات القاتلة «عنوان كتاب للمفكر اللبناني - الفرنسي أمين معلوف» التي تشير إلى الصراع على هوى الهويات، هي حرب أهلية أو عراك اجتماعي مفتعل لتحقيق أهداف سياسية، فالهويات القاتلة ليست سوى صناعة سياسية موضوعها الناس الابرياء وادواتها الهويات. حول هذا الموضوع الشائك وردتنا رسالة، فماذا تقول الرسالة؟ هذه الرسالة تبدأ بعبارة «كنت أعلم أن فيروز مسيحيـّة ولكنـّي لم أكن أعلم أنها أرثوذكسيـّة»، وتواصل الرسالة سرد اسماء بعض الفنانين والكتاب مضافة إليها هوياهم الدينية والمذهبية، وتنتهي الرسالة بعبارة «لأنـّي كبرت في زمن لم تكن أدوات الاستعمار تستخدم الدين لعبة لسفك الدماء»!! فقد كانوا نجومًا وشعراء وأدباء لذواتهم، لا لطوائفهم..!

سطور الرسالة، وهي ظاهرها، تحمل رسالة لوم في باطنها، فالرسالة في جوهرها تلوم إنسان اليوم مقارنة بإنسان الأمس.. بالأمس، أي قبل ثلاثة عقود، كنا نقدر ونحترم فنانينا وكتابنا ونستمتع باعمالهم الفكرية والابداعية وما كانت هوياتهم الدينية والمذهبية موضع اهتمام، لأننا كنا نؤمن بأن الفكر والعقيدة حق لكل فرد، وليس من حق أحد التدخل في فكر أخيه الإنسان ولا في عقيدته الدينية أو المذهبية، فهي شؤون خاصة تخص الإنسان الفرد.. وتلمح الرسالة تلميحًا ظاهرًا واضحًا بأننا قد تحولنا سلبًا وتراجعنا إلى الوراء البربري «عصر الصراعات العشائرية والقبلية» بحيث أصبحنا لا نهتم بعطاء الفن والفكر، ولكن أضحى اهتمامنا ينصب ويتركز على هوية الإنسان، ومن خلال الهوية نحدد موقفنا، الرفض أو القبول، الاحترام أو الازدراء، الحب أو الكره والحقد.

خاتمة الرسالة تركز على اللعبة السياسية التي تجير اعلامها «الاعلام السياسي» من أجل تحقيق اهدافها، ولكنها تختزل اللعبة السياسية بجعلها اداة في يد الاستعمار، بينما يعلمنا التاريخ ان هذه لعبة ليست جديدة ولا هي من صنع الاستعمار، بل من صنع الإنسان صاحب الملك والجاه، صاحب السطوة على الناس، وكيف ان مبدأ «فرق تسد» هو جزء من المبدأ الكلي «الغاية تبرر الوسيلة» الذي قال به المفكر السياسي الايطالي الشهير نيكولو مكيافيلي في بداية القرن السادس عشر، وكان خلاصة الدرس السياسي في كتابه «الأمير».

الإنسان ببنيته الجسدية هوية مميزة، فلكل فرد هوية عينية مجردة بغض النظر عن المسميات العديدة التي اضافت على هويته المجردة الاصلية هويات مصطنعة أو مبتكرة مع مرور الزمن وتعقد طبيعة العلاقات بن الناس وتضارب مصالحهم، هذه الهويات المضافة والتي اقتضتها التطورات الفكرية والمنعطفات العقائدية والحاجة إلى تنظيم التجمعات البشرية قد كبلت الإنسان واثقلت كاهله وجعلته عبدًا طوعيًا لسادة المصالح الذين يعرفون كيف العزف بمهارة على اوتار الهويات والتاثير على اصحابها ودفع الناس إلى التعصب لها، ومن خلال التعصب يتم الحشد والتجييش وخوض المعارك لتحقيق أهداف سياسية. أما اذا نظرنا إلى الهويات ومسمياتها فإنها بريئة ومجردة بذاتها، فشخصية الإنسان العصري مصنفة بعدد من الهويات، بدءًا من اسمه الشخصي واسمه العائلي أو العشيرة والقبيلة والعرق، مرورًا بالعقيدة الدينية والفرع المذهبي، وطبيعة عمله التي تحدد هويته الوظيفية وانتمائه النقابي، ونشاطه السياسي والحزب السياسي الذي ينتمي اليه وتبنيه ايدولوجية سياسية، والارض التي يعيش فيها ويعمل وهي الوطن الذي ينتمي اليه وبالنتيجة يكون مواطنًا له حقوق المواطن وعليه مسؤوليات المواطن، وفي إطار المجتمع اصبحت الطبقة «مجموعة الطبقات بين الفقير والغني» هوية ولون البشرة هوية، فنحن في عصر تنوعت وتعددت فيه الهويات التي تعرف شخصية كل فرد على كامل الكرة الارضية..

 الهوية بالتعريف العام مثل الخلية البيولوجية، تطورت وتعددت وتنوعت مع تقدم الإنسان على مسار التاريخ، فالهوية من نتاج التاريخ، ومع تعددها تعددت مشاغل الإنسان الفرد وهمومه، وتعقدت بها العلاقات الاجتماعية وحتى العلاقات الدولية.. والهويات على شاكلة الموارد الطبيعية مثل الذهب والنفط والمعادن المختلفة وماء البحر وماء النهر والحجارة والرمال، ولكل عنصر من هذه العناصر قيمة استهلاكية وقيمة تبادلية خاصة بها، والبعض مشاع ومحصور في إطار القيمة الاستهلاكية غير التبادلية، وكذلك شأن الهويات، فعدد منها أسبغ الإنسان عليها قيمة تبادلية، وهي موضع استثمار في الساحة السياسية حصرًا.. عندما نمعن النظر في الهويات نجد أن لها منابع، وأكثر المنابع قوة وحساسية وقيمة تبادلية في سوق السياسة هو الفكر ومخرجاته العقائدية، والفكر والعقيدة ألوان وأشكال متعددة ومختلفة، وهي منابر يشع منها أنوار المعرفة والخير لعامة الناس، وليست في أصلها خنادق تنطلق منها شرارات القذائف النارية التي تؤدي إلى الانتحار المتبادل، ولا هي ساحات صراع الكراهية بين فكر وفكر، وبين عقيدة وأخرى.. إذ إن من نتاج الاختلاف في الفكر والتعدد في العقيدة هو اثراء الفكر وانسجام العقائد وتفاعلها الجدلي والايجابي فيما بينها، وترويض الإنسان لتقبل الإنسان بما يحمل من فكر وعقيدة في جو من الاختلاف المتبادل والمقبول والمفهوم دون حساسية الانكماش على الذات. 

لكن الإنسان الذي هو بحد ذاته نتاج «وحدة الأضداد» وبالنتيجة وحدة من المتناقضات، يسقط تناقضاته الذاتية على مواضيع الفكر والعقيدة والعمل وسبل العيش في حياته، وهذه حقيقة شبه قدرية قَدَّرَها الإنسان على نفسه، فهل باستطاعة الإنسان ان يتخطى هذا القدر النابع من الذات ويروض تناقضاته الذاتية ويغلق ملف «الهويات القاتلة»؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها