النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11858 السبت 25 سبتمبر 2021 الموافق 18 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:10AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:55PM
  • المغرب
    5:31PM
  • العشاء
    6:47PM

كتاب الايام

مشــــــــــــروع وطـــــــن..!

رابط مختصر
العدد 11784 الثلاثاء 13 يوليو 2021 الموافق 3 ذو الحجة 1442

«مشروع وطن الإنسان»..

كان لافتًا هذا العنوان الذي استظل به نخبة واسعة من الشخصيات والناشطين في لبنان، سياسية، اجتماعية، اقتصادية، اكاديمية، ثقافية واعلامية، ومن المجتمع المدني وهم يطلقون خلال الاسبوع الماضي حركتهم الوطنية الاحتجاجية على واقع الحال المؤسف الذي بلغه لبنان، والذي طال جوانب حياة اللبنانيين بشكل غير مسبوق في وقعه وشكله ومضمونه وتأثيره وانعكاساته وتداعياته والتي أوقعت الدولة، والأحزاب، والمؤسسات والفرقاء، وكل أطياف المجتمع في لجة المآسي.

نعلم إنها ليست المرة الأولى، ولا الأخيرة التي يحدث فيها مثل هذا الحراك الشعبي، فالشعوب الحية يوجد فيها دومًا من يريد أن يبعث من يأس هذه الشعوب أملاً، ويتصدى لمن يريد أن يقتلع الأمل في النفوس وغرس اليأس مكانه، ومن يريد ان يقيم السواتر الطائفية، والمذهبية، ولا يهم ان تراكمت المشاكل وتوالت الأزمات كما حدث في السابق ويحدث الآن وسط تساؤلات مقلقة، لماذا؟ وإلى أين في عملية افتراس الوطن والمواطن؟

ونعلم أيضًا دون المضي في الشرح والتوضيح او التحليل والتنظير فالحال اللبناني الكئيب والموجع وضراوة الأزمة الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية بات معروفًا للقاصي والداني، والمواطن هناك أصبح يدفع أثمانًا باهظة دون أن يتغير شيء، بل يجد طبقة من السياسيين وأحزابًا ينادون بالديمقراطية والحرية وحقوق الشعب، ولكن بتراث الغنيمة، والغايات المبطنة، وعقلية الطائفة والولاءات الضيقة والانتماءات المشردمة، ومنطق القيم الوطنية القابلة للتضحية، هذه الطبقة تجد نفسها اليوم في حالة مراوحة مفتوحة، وضعضعة غير مسبوقة بعد أن كثر الساخطون عليها والراغبون في زوالها، والضاجين من فسادها، ولازلنا نتذكر ساحات بيروت وهي تعلو فيها صيحات المتظاهرين وهم يحملون شعار «كلن يعني كلن»..!

نعود إلى مشروع وطن الانسان في لبنان وطن الثماني عشرة طائفة، أصحابه يتقاسمون التصميم على التصدي لحال بائس مليء بالأزمات والخضات والمحاصصات، مستهدفين من حراكهم أن يخلقوا صحوة، ليست صحوة الموت، بل صحوة الانتفاضة للحياة، صحوة ضد الطائفية، وضد فساد انتشر في جسم الوطن، دمر مرافقه، نهب ثرواته، لوث بيئته، سجن ثقافته وحرياته، سد آفاق مستقبله، واغتال احلامه، هجّر اعداد كبيرة من أهله، كما أفقر الكثيرين منهم، وهذا المشروع ركز على 43 محورًا، ثمانية منها أساسية و35 فرعية، وجميعها تصب فى خدمة هدف التخلص من صورة لبنان التي شوهت، وبناء لبنان جديد، لبنان الانسان الذى يضمن الحقوق والحداثة والفرص المتساوية وواجبات المواطنة، ويتخلص من الصراعات بالوكالة التى تؤثر على الحاضر والمستقبل، بما فيها صراعات الفاسدين فيما بين بعضهم البعض، وصراعات الطائفيين الذين جعلوا الطائفية سوق سوداء للتداول، استقووا وتسلحوا بها، وإن تصدوا لها ساروا الى المزيد منها، ووجدنا من الانتهازيين من يسبّح بحمدها للمحافظة على مصالحهم، جعلوها والفساد صنوان، وهي ليست في النهاية إلا إلغاء للسياسة، او انحطاطها وفسادها والمضي نحو كل ما هو معتم، والمأساة المفجعة، قمة المأساة حين يُصنع من الحمقى قادة، وصنّاع التفاهة قدوات، ويظهر من يسأل من اين يأتي الخراب، ووجدنا من يؤكد بأن الحالة اللبنانية لا مثيل لها الى حد اننا وجدنا من يدعو ساخرًا الى دراسة الحالة اللبنانية في معاهد العلوم السياسية تحت منهج خاص يسمى «علم الانتحار المجاني»..!!

يمكن القول، إن مشروع «وطن الانسان» اللبناني هو مشروع بديل عن الاستسلام للموت، ربما هو واحد من المشاريع والحركات الاحتجاجية الوطنية التي ظهرت في لبنان، ولكن الأمر الذي علينا أن نوليه حقه من الانتباه هو أن ثمة حركات مماثلة شهدناها في أكثر من بلد عربي عانى ولا يزال يعاني من محاولات جرّه بشكل او بآخر الى وحول الغوغائية بكل الأشكال، والاسترسال في الجهل والتجهيل، والتباس الظاهر بالباطن، والمضمر بالمعلن، والدين بالسياسة، والوطن بالمصلحة التي لا تراعي للوطن مصلحة ولا عمق الوجع عند الناس.

لا ننسى في هذا السياق أكثر من مبادرة او حراك بحريني شبيه بذلك المشروع بقدر او بآخر من حيث الأهداف والمنطلقات، وهنا لا أحتاج إلا قليلاً للتذكير بمحاولات من أراد إثارة الأحقاد والانفعالات والمرارات والضغائن في أوساطنا، واحتكار الوطنية والاستحواذ عليها والمتاجرة بها، ومن وزعوا صكوكها وأثبتوا قدرة فائقة في تحويل الأزمات والمشكلات الى فرص، وجعلنا نستطيب استعادتها، جماعات عملت بدأب على خلق بيئة حاضنة للنفس الطائفي البغيض، ولثقافة الكراهية التي تمضي بمن يبتلي بها الى تيه لا يظهر عليه أفق، وهو أمر وجدنا من سعى بمسؤولية للتصدي له على أكثر من صعيد، وطالما حديثنا عن الحِراكات والمبادرات الشعبية فانه ينبغي ألا يغيب عن البال ذلك الحراك الذي لم يسقط من الذاكرة والذي عبر عنه اكثر من تجمع انخرط فيه من استشعروا المسؤولية من أبناء البحرين من كل الأطياف والأطراف والقوى وتوحدوا على اهداف تصب في مجرى التمسك باللحمة الوطنية، ورفض أي مساس بها، ونبذ ما يذهب بنا نحو المستنقع الطائفي، وكل ما يفرّق ويباعد بين أبناء الوطن.

في السياق يمكن الاشارة - كمثال ليس إلا - الى مجموعة استظلت بعنوان «تواصل» بقيادة الدكتور علي البقارة، هي مبادرة أهلية وطنية ضمت عددًا كبيرًا من أبناء البحرين الذين أدركوا استحقاقات تلك الفترة العصيبة، مبادرة انطلقت في فبراير عام 2012 واستمرت لعدة سنوات، ومن أهدافها التصدي لمن أراد لنا الاحتقان الدائم وتغييب عقولنا وتسميم علاقات أبناء الوطن بعضهم ببعض، وتبنت وبمنتهى الجرأة التصدي لكل ما هو ملحق بالتمام والكمال بالمنحدرات الطائفية والمذهبية واثارة عواصف الكراهية، ودعت الى فتح العيون والعقول للمطلوب، والمطلوب هو التمسك باللحمة الوطنية، وتبني ودعم كل ما يحرك مشاعر الولاء والحب للوطن، والعمل على اسقاط الأقنعة الفاقعة التي استهدفت رمي المصلحة الوطنية في مرمى الحسابات الخاصة جدًا تحت عناوين وشعارات براقة وفضفاضة مثيرة لقدر كبير من علامات الحيرة والاستفهام والتعجب..!

لن نتوقف عن التنبيه والتذكير بتلك الجهود وبأي مبادرات وطنية حقيقية وفعلية في بلادنا او في أي بلد وإبداء كل التقدير لكل من وقف خلفها وأنتمى اليها وساندها طالما كان الهدف منها إحياء الأمل في النفوس ومواجهة من يريد أن يغتال الأمل، ولكل يتصدى لغوغائية أهل الهوى والغرض ممن يريدون أن نذهب بإنسانيتنا الى ما دون الانسانية ونعيش في كوابيس تفتك بأحلامنا في صنع الغد الأفضل، هؤلاء علينا على الدوام الحذر منهم، والتصدي بكل حزم وجدية لكل من يريد لنا الفتنة والشقاق واثارة العصبيات واحتدامها في النفوس وإقامة متاريس فيما بينها، لنعي جيدًا بأن هدف الحفاظ على اللحمة الوطنية المفروض والمفترض على الدوام هو خيارنا الذي لاخيار سواه.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها