النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11858 السبت 25 سبتمبر 2021 الموافق 18 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:10AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:55PM
  • المغرب
    5:31PM
  • العشاء
    6:47PM

كتاب الايام

تسويغ الجريمة بتمجيد الذات!!

رابط مختصر
العدد 11779 الخميس 8 يوليو 2021 الموافق 28 ذو القعدة 1442

من طبيعة الإنسان أن يمجد ذاته حتى وإن كان موضوع التمجيد، أو سبب التمجيد، جريمة بحق إنسان آخر أو شعب آخر، أي حتى وإن كان سبب التمجيد إبادة بشرية، طالما أن هذه الإبادة ضد الغير تصب في مصلحة الذات، وهكذا سطر المنتصرون التاريخ. كل الغزوات وكل الفتوحات وكل الاكتشافات الجغرافية كانت لمصالح ذاتية على حساب الذات الاخرى صاحبة الحق الذي تم الاستحواذ عليه، بغض النظر عن الشعار الذي تحمله راية وضع اليد على حق الغير. آيات التمجيد كثيرة بحق رموز تاريخية نبعت رمزيتها من جرائم ضد الإنسان. أغلب الرموز التاريخية تتركز في شخصيات الملوك والاباطرة، وقليل منها ترمز الى شخصيات غير ملكية ولكنها ذات صلة بطموح الملوك، ومنهم البحار المغامر كريستوفر كولومبوس الذي ينسب اليه اكتشاف العالم الجديد (القارة الامريكية)، الذي كان غائبًا عن إدراك أبناء العالم القديم (آسيا وأفريقيا وأوروبا)، فقبل الوصول الى هذا العالم الجديد كان الناس في العالم القديم يعتقدون أن ليس هناك أرض أخرى وراء المحيط غربي شواطئ أفريقيا، وهناك من القادة الفاتحين الذين وقفوا على شاطئ أفريقيا على المحيط الأطلسي يلوحون بسيوفهم في اتجاه البحر ولسان حالهم يقول بحسرة: «لو أدري أن وراء هذا البحر أرضًا، لعبرت البحر اليها»، وبهذا الاعتقاد الذي تغيب عنه كامل الحقيقة الجغرافية، تأجل عبور الاطلسي الى نهاية القرن الخامس عشر عندما عبر البحار الاسباني المحيط الاطلسي بهدف الوصول الى الهند لسلب مواردها واستعباد شعوبها. فاكتشف عالمًا أغنى وأوسع مما كان يهدف اليه وأيسر سبيل للاستيلاء عليه بالكامل أمام مجموعة قبائل بدائية متناحرة كانت تعيش في ماضي الزمان البربري و الهمجي مقارنة بالتحضر الاوروبي، كان الفارق الحضاري، و الاختلال النوعي للقدرات المادية والذهنية، هو العامل الحاسم للاستحواذ على العالم الجديد بالكامل، وهذا الاكتشاف و الاستحواذ والاستيطان كان على حساب الإنسان الذي كان يعيش في هذا العالم، الذي كان عالمه القديم، وواجه دون حول ولا قوة منه أناسًا قادمون من عالم جديد بالنسبة له. فما كان جديدًا للإنسان الابيض الاوروبي كان قديمًا بالنسبة للإنسان في القارة التي راتها العيون الاوروبية أول مرة. بعد هذا الاكتشاف غير المتوقع، الذي أضاف عالمًا جديدًا الى العالم القديم، كان لا بد من التعبير عن هذا النجاح العظيم برمزية لتمجيد الذات، فأوكل الى أحد الفنانين في فن النحت أن ينحت من الصخر مجسمة للبطل الوطني كريستوفر كولومبوس وهو أمام الملك الاسباني فرناندو الثاني يضع أمامه خطة الرحلة التي اكتشفت عالماً لم يكن في الحسبان، بينما كانت الخطة الوصول الى الهند من الجانب الغربي بدل الشرقي، لأن البحار البطل كان يرى في كروية الارض حقيقة لا يشوبها أدنى شك، فقد كان متيقنًا مما جاء به العالم الاغريقي فيثاغورث عام 500 قبل الميلاد بأن الارض كروية، وللعلم كذلك فان رحلة كولومبوس سبقت باكثر من أربعين عامًا الاكتشاف العلمي للفلكي كوبرنيكوس الذي قال بمركزية الشمس وكيف أن بقية الكواكب تدور في أفلاك بيضاوية حول الشمس. بهذا الاكتشاف «النعمة - النقمة» (نعمة للإسبان والأوروبيين عامة و نقمة للسكان الأصليين) أصبح المحيط الاطلسي ممرًا مائيًا مفتوحًا آمنًا، أمام المغامرين والباحثين عن الثروة، وأمام أنظمة الحكم في اوروبا لضم أكبر قدر ممكن من الأراضي الجديدة الى ممالكها، لا خوف من الابحار ببن ضفتيه والاستيطان في الضفة الجديدة والاستحواذ على أراضيها، فتوالت موجات بشرية و اساطيل بحرية من القارة الاوروبية تتدافع الى عالم الخير و الذهب وكل ما هو نفيس وأراض غنية شاسعة، وشعب (مجموعة قبائل بدائية) لا حول له ولا قوة. ولكن هذا الشعب البدائي قاوم الغزو الهمجي - المتحضر أربعة قرون وقدم من التضحيات أكثر من مائة مليون إنسان بريء، فقامت حضارة جديدة على أرض جديدة، وكأن الارض سفينة ضخمة تسبح على بحر من الدماء، ومازال هذا البحر مصبًّا لمزيد من الدماء … دماء من الداخل و دماء من الخارج. من تمجيد الذات هو تعظيم شأن المكتشف كولومبوس ومليكه فرناندو الثاني، ومن بعد تمجيد جنرالات الجيوش الذين عملوا على كبح مقاومة الإنسان الذي كان يدافع عن ارضه وحقه، والنجاح في اخضاع السكان الاصليين و حصرهم في محميات مثل المحميات المخصصة للحيوانات، فكان هذا إيذانًا بالنصر المجيد!! الذي استحق التمجيد!! وهذا التمجيد يتربع على جماجم بشرية و على معاناة من تبقى من المجازر وعلى خيرات تحولت ملكيتها من حق أصحابها الى يد ملطخة بدماء أصحاب الحق، فصار المعتدي الغاصب هو السيد المالك، وصاحب الحق صار عبدًا ذليلاً يرى حقه في يد من أغار عليه... تمجيد يسوغ الجريمة على قاعدة الفارق الحضاري.

في خاتمة مسيرة المقاومة الشرسة، التي دامت زهاء ثلاثة قرون ولكنها مقامة العصا أمام المدفع والبارود، نطق أحد زعماء المقاومة بكلمة الختام، كلمة حكيمة نابعة من بصيرة ثاقبة تشخص طبيعة الغازي المعتدي والمصير الذي يرسمه الغازي الجشع لنفسه وللطبيعة دون وعي منه أنه على طريق الانتحار الذاتي. انه الزعيم سيتنج بول (Sitting Bull) من السكان الأصليين، المولود في حوالي عام 1831 في ساوث داكوتا وتوفي إثر طلقة نارية استقرت في جسمه في 15 ديسمبر 1890 في محمية ستاندينج روك الهندية، وكان زعيمًا قبليًا في لاكوتاس هونكباباس (سيوكس). إنه أحد الزعماء الرئيسيين الذين قاوموا الجيش الأمريكي، وهو معروف بدوره الشجاع في الحروب التي دارت رحاها بين السكان الأصليين والغزاة الاوروبيين الذين تسموا بالامريكيين وأبرزها معركة ليتل بيجورن في 25 يونيو 1876، حيث واجه الجنرال جورج أرمسترونج كاستر المدجج باحدث الاسلحة في زمانه والمتمكن العارف بالاساليب الحربية الفاعلة و الفعالة.

استطاع هذا الزعيم أن يكتسب معرفة عميقة بشأن طبيعة الغازي ونهج عمله في التعاطي مع خيرات الطبيعة، فنطق بهذه الحكمة التي هي بمثابة نبوءة تنتظر مصير الإنسان القديم على الارض الجديدة: «عندما يتم قطع الشجرة الأخيرة، وآخر نهر مسموم، وآخر سمكة تم صيدها، فسيجد الوجه الشاحب أنه لا يمكن أكل المال». قالها زعيم قبلي من سكان القارة الجديدة وهو يعيش في محمية الهزيمة أمام حضارة جبارة الشأن والمقدرة، وقد استطاع هذا الزعيم أن يرى ببصيرته أن الحضارة التي أهلكت شعبه آيلة الى الانتحار... وقوله، بشأن آخر شجرة وآخر نهر وآخر سمكة، رؤية وليس نبوءة بشأن حضارة غيرت وجه وطن اصله و أجداده وجداته... عندما يتمكن الإنسان المتحضر من الإنسان غير المتحضر وينتصــر عليه ويخضعه ويذله وينهب حقه، فهل يمكن اعتبار هذا الانتصار انتصارًا للحضارة؟ ليس من المستــغرب أن يــرد المنتصر المتحضــر على هذا السؤال بهذا الـرد: «ليس للأخلاق شــأن بطبيعة الحضــارة ومقتضياتها». السؤال و الرد يفتحان بابًا على مساحة واسعــة تتجادل عليه الحضارة مع الأخلاق.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها