النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11860 الإثنين 27 سبتمبر 2021 الموافق 20 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:55PM
  • المغرب
    5:30PM
  • العشاء
    7:00PM

كتاب الايام

«السِّيم» بوصفه خشبة المخيلة الأولى..

رابط مختصر
العدد 11777 الثلاثاء 6 يوليو 2021 الموافق 26 ذو القعدة 1442

في أوائل ستينيات القرن الماضي، وقبل أن تطرق المكيفات الكهربائية أبواب بيتنا وبيوت كثيرة في البحرين كلها، كان فضاء الله الواسع والمفتوح، مصدر الهواء الطلق والمكتوم والرطب واللاهب والمتقلب الذي تتنفسه رئة العائلة المكونة من إحدى عشر فردًا (والدة والدي وجدته، والوالد والوالدة، وأنا والشقيقات الست) والتي تتعرش كل مساء، سريرًا خشبيًا جماعيًا مربعًا كبيرًا واسعًا يطلق عليه بلهجتنا الدارجة (السِّيَم) والذي يتوسط حوش البيت، وهو يوشك أن يكون بيتًا آخر داخل هذا البيت الكبير، نظرًا لأهميته الاجتماعية في الحي ولتعدد أغراضه المنزلية، فهو إلى جانب كونه سريرًا جماعيًا يحتوي أجسادنا غير المنتظمة في نومها واسترخائها صيفًا وخريفًا أحيانًا، هو أيضًا ملتقى العائلة بنساء الحي وأطفالهن وببعض بائعات الحاجيات النسائية اللواتي يقصدن جدتي نورة بنت عبدالله خاصة، سيدة الأعمال في زمنها، وهو أيضًا مرتع أواني الطبخ التي ينصع لونها ومعدنها كل صباح أو ضحى بعد الغسل والتجفيف، وهو أيضًا ساحة الأفرشة والبطانيات الرقيقة والوسائد المكتنزة بالقطن الخام التي تتنفس ضوء الشمس بحرية تامة بعد أن كتمت أنفاسها أجسادنا من أول المساء وحتى أول الشمس، وهو أيضًا ظل وفيء الدواجن والأغنام التي نستشعر أوان يقظتنا صباحًا من خلال رفرفة أجنحة الدواجن وقرقرة أصواتها أحيانًا ونطاح رؤوس بعض الأغنام لمناصب (السيم) أو سقفه.

 فوق هذا (السيم) العائلي الحميم تنفست خلايا مخيلتي الأولى هواء يهرب بي من واقعي ومن محيطي العائلي إلى أفضية مختلفة تشاكس وتغاير كل ما عشته في هذا الواقع وفي هذا المحيط، لأرى من خلالها تلك الكائنات الغرائبية العجيبة التي عاشت معي حتى لحظة استدعائها في نصوص مسرحية عدة كتبتها في وقت متأخر من العمر.

كانت الجدة نورة بنت عبدالله التي تولت هي وابنتها رعايتي طفلاً، والتي لا يمكن أن يغمض جفناي دون أن أستشعر أنفاسها العميقة وهي تداعب وجهي، كانت أول من جعل من النجوم والأقمار شخصيات تتجسد على خشبة السماء الواسعة، فكان من النجوم ما هو طيب ومضيء، ومنها ما هو شرير وغادر إذا ما أمعنا النظر فيه، وكانت تطلق على هذا النجم (ثالول) الذي يقصدنا من عليائه ليتشكل على أحد أصابعنا أو بعضها على هيئة نتوء لحمي أحمر، ولا يمكن مقاومته والتخلص منه، إلا إذا كفت أصابعنا عن إحصاء عدد النجوم ومشاخصتها حتى وقت طويل من الليل، وكانت الجدة نوره تترقب في ليالي الصيف الباردة خاصة، تلك السعفة النجمية التي تبدو كريشة طويلة مطرزة أطرافها باللؤلؤ والماس، وحين تظهر هذه النجمة كانت تقول لي ولشقيقاتي الست، انظروا إليها وتمنوا، فهي فأل حسن لا يتحقق في كل وقت، وكنا ننظر إليها باستغراب ولا نصدق أن في السماء ما يمكن أن نطلق عليها سعفة اللؤلؤ، كما كانت توجه أبصارنا نحو بعض النجيمات المتكتلة حول بعضها البعض، وكانت تطلق عليها (الثريا) لأنها أشبه ما تكون بالثريا الضوئية التي تعلق في أسقف منازل علية القوم، وكانت تقول لنا: احمدوا الله أن في هذه السماء مثل هذه الثريا التي تضيء بيوت وطرقات وساحات الجميع، فهي ملكنا جميعًا، أغنياء وفقراء.

وفي بعض الليالي المقمرات، كانت الجدة نورة توجه أبصارنا وفضولنا نحو الهالات المتعددة التي تحيط بالقمر، وكانت تطلق على هذه الهالات (سفرة)، والسفرة هي النسيج الشعبي المستدير المصنوع من سعف النخيل والذي يتحلق حوله أفراد العائلة أو الأقارب أو المدعوون لتناول الطعام، فهي ترى أن القمر في هذه الليلة المنيرة في حضرة وليمة ربانية كبرى نظير ما يقدمه من خدمات نورانية للبشر جميعًا. 

وفي أوقات مختلفة من ليالي الصيف، توجه الجدة نورة أبصارنا نحو سحابة شفافة عابرة تسبح مسرعة في سماء الله، كانت تقول باهتمام شديد: إنها إثر مقتل ناقة النبي صالح يزحف على صدر السماء مسرعًا متوجهًا إلى القوم الذين قتلوها ليريهم سوءتهم حتى يحل عليهم بعدها العذاب من الله.

في ليالي الصيف ونحن نرخي أجسادنا على صدر (السيم) قبل النوم، تباغتني أحيانًا بعض الأدوات الغريبة التي كانت الجدتان نورة وقوت والدة الوالد، تحتفظان بها وتوليانها أهمية كبيرة، أراها وكما لو أنها تهرب أو تتربصني في غرفة الجدتين الطينية الشتوية، لتلحق بي حتى لحظة هروبي منها طلبًا لاسترخائي على صدر (السيم)، ومن بينها سيف سمك السياف المرخى باهتمام شديد في زاوية من الغرفة، و(الخرج) أو كيس السدو الذي يأتي أسفل هذا السيف، ليبدوان لي في لحظة حالتين غريبتين، أو لغزين غامضين خلفتهما حكايا تراثية أو أسطورية بعيدة الأزمان، فلماذا هذا السيف السمكي موجود في غرفة الجدتين وهو الذي لا يتواجد إلا في المحيطات؟ وكنت أتساءل ببلاهة متناهية أحيانًا: هل هذا مشط جدتي الكبرى نورة؟ ولماذا هذا الخرج؟ هل توجد فيه أسرار خاصة بالجدتين؟ هل هو جيب جدي علي بن حمدان أم جيب زوج أو والد جدتي نورة؟ ما الذي جعلني أفكر فيهما هذه اللحظة وأنا مسترخٍ على السيم؟ لماذا يشغلانني الآن تحديدًا؟ لماذا كلما حضرت جدتي نورة بجانبي يحضر كل شيء معها؟ تحضر الأزمنة والمخيلة والغرائب والعجائب وكما لو أنها واحدة من بنات هذه الحكايات الخرافية والعجائبية التي تحكيها لنا في الصيف، ولا يخف أوار هذه الحكايات إلا إذا حضر (كير) النار الذي كانت تودعه في مخزنها، بشكله الأفريقي المزركش الغريب، هل كان هذا (الكير) أو (المنفاخ) وسيلة تلجأ إليها الجدة نوره كلما اشتعل لهيب المخيلة في هذه الليالي الصيفية؟ 

ومن وحي حكايات الجدة نورة الغرائبية العجيبة المدهشة، كتبت فيما بعد نصوصًا مسرحية تعالقت معها برؤى مختلفة، مثل مسرحية (ظلالوه) التي احتفت بالنجوم والأقمار والهالات النورانية بما فيها سحابة ناقة صالح، ومسرحية (نزيف) الذي كان (الخرج) فيها بطلاً رئيسًا. 

وفي فسح هذا (السيم) راوغت أسطورة (أم حمار) مخاوفي حتى أشعلت فضاء مخيلتي بتصورات غريبة لها، لتتجسد وفق هذه الاعتقادات في حالة مرضية داهمتني، وهي مرض السعال الديكي الذي يجعل من المصاب به ينهق كالحمار عندما يسعل، وكان يطلق عليه في مفرداتنا الشعبية (بو حمير)، شعرت لحظتها بأن (أم حمار) قد تلبستني، ولولا طمأنتي من قبل جدتي لوالدتي فاطمة الحمدان التي تكرمت بعلاجي لدى أحد الأطباء في المنامة، لصدقت هذا الوهم، ولولا تواجد العائلة بجواري في فسح (السيم) وشعوري بالأمان بجوارهم وحمايتهم لي، لصدقت فعلاً بأن (أم حمار) هذه ستأتي بعد قليل وتختطفني من العائلة. 

هذه الحكاية وخرافات أخرى تثير المخاوف والقلق، تجسدت فيما بعد في مسرحيتي (الجاثوم) و(الرهينة) اللتين كتبتهما في العام 1990. 

كل شيء على صدر هذا (السيم)، يستفز المخيلة ويثيرها، ومن بينها حكايات (الخالة) فاطمة بنت عيسى، والتي أطلقت عليها فاطمة الغريبة، حيث كانت تأتي كل مساء لتقضي وقتها مع العائلة فوق (السيم) في الصيف، ولنستمتع أنا وشقيقاتي بخروفاتها وحكاياتها الارتجالية الغريبة والمدهشة، فكانت تروي لنا كل مساء أكثر من حكاية، وكانت تستثمر كل شيء موجود حولها أو حولنا لتنسج على منواله حكاية من مخيلتها، لتثير بذلك خلايا مخيلتنا وتدعونا لمشاركتها في نسجها، فكل جامد ميت هو متحرك ومؤنس لدى الخالة فاطمة الغريبة.

كل حكايات فاطمة الغريبة على الأرض، ولكنها تأخذنا معها في رحلتها الشهرزادية إلى أفضية وأزمنة غريبة وعجيبة، ولا تدعنا إلا حين تتشبع مخيلتنا بحكايات أخرى ستستفز أجسادنا ورؤوسنا بعد أن نسلم أرواحنا للنوم، ولنستيقظ بعدها في الصباح الباكر ونحن نتخيل الخطوط والتضاريس الملحية التي خلفتها الرطوبة على أجسادنا، لوحات أو فعل شيطاني سيء، إذ كنا نطلق على هذه الخطوط (بول الشيطان). 

والمخيلة لا تكف عن ملاغاة كل ما يعبر حولها فوق هذا السيم العجائبي، الذي كنت أتخيله أحيانًا بالطبق الطائر أو المركبة الفضائية التي ستأخذنا معها في رحلة إلى السماء، فمن خلالها اشتعلت كل الحواس، ليتناهى إلينا من خلالها طقس (خسوف القمر) وطقوس وداع رمضان ومواء القطط والتي تبدو في لحظات وكما لو أنها نمور صغيرة لكثرتها في منزلنا، وهديل الحمام الذي يصدر من الميادين الإسمنتية التي تحيط البيت كله، ورفرفة أجنحة الديكة والدجاج، وأصوات المهابيش التي تنذر بحدوث سرقة في الحي، وإيقاع أقدام المارة في الشوارع والأزقة المراوغة لبيتنا وتكرعات الخمارة وشجارهم ليلة كل جمعة، وصمت خليفة بن جاسم وشكله المتهدل وأسماله الفقيرة التي تنتمي لعصور وأزمان بعيدة أو سحيقة، ومحمد جين وثقابه الوهمي وحركته السريعة المراوغة وتذمره الطافر من فمه، وجارنا (الحمّالي) العماني صغير الذي يحمل أثقل الأوزان من مستلزمات البيت وكما لو أنه كائن أسطوري بالرغم من ضآلة جسمه وقامته، كلها كائنات تبدو لي غير عادية و مبهمة، بل أن كل ما قصّه ورواه المعلمون يراوغ مخيلتي من أمثال الأستاذ صالح الرويعي وقصصه القدرية، والعامل البسيط الشعبي خميس بن يوسف وقصص أبو زيد الهلالي وتكرارها لها يوميًا، كلها كائنات أوقدت فتيل مخيلتي ولم تطفأه حتى هذه اللحظة.

ولعل ما رعبني أحيانًا، زار شريده الحبشي الذي تربى بين كنف أجدادي والذي اهتم والدي به في كبره، هذا الكائن العجيب، عندما يصاب بمس الزار، يقفز إلى الأعلى ويسقط على رأسه ويلهج بلغة غريبة ويضع الجمر على لسانه دون أن يشعر بحرارته أو لسعته، هذا الكائن العجوز يتحول كائنًا آخر تمامًا، وأذكر أن اليوم الذي يصاب فيه شريده بمس الزار، لا يمكنني أن أنام دون أن تشبعني فاطمة الغريبة بقصص لا أول لها ولا آخر، فقط كي أنسى وأنام. 

وعلى فسح هذا (السيم)، استحضرت صوت الجارة العجوز (هيّا) وهو تصرخ بصوت محشرج: نفي كت أو سجاير بو قطو.

(هيّا) مدخنة شرهة، اعتادت أن تطل بوجهها المغضن المجعد من نافذة قضبانية تجاور الشارع العام بالقرب من سوق الرفاع الرئيس، وكلما رأت أحدًا طلبت منه أن يشتري لها سجائر (القطط الثلاث)، وإن رفض وجهت إليه شتائم لا أول لها ولا آخر. 

تخيلت في لحظات كثيرة بأن هذه المرأة العجوز، جنية أو شبح مرعب، ويمكن أن يقتحم بيتنا ويخطفني وأنا نائم، خاصة وأننا ننام في الصيف في الهواء الطلق، فلا جدران تمنعه من أن يختطفني. 

مثلما تخيلت المرأة التائهة مريم التي تدخل البيت وتنادي على جدتي وبعدها تمضي في مسيرة غير معلومة وفي ظل أي طقس كان، وكنت غالبًا ما أتخيلها أنها بالإمكان أن تعبر كل القارات دون أن تتعب ودون توقف، إذ كلما خرجت من البيت رأيتها أمامي تمشي فحسب، وفي أي مكان أو زقاق أو حي أراها.

في حينها أشخاص وقامات أشبه بالأساطير، ومن بينهم سلطان العود، ذلك الرجل ذو القامة الأفريقية، الطويل القامة، أشهر من يعزف الطبل في البحرين، هذا الرجل لا يمكن أن تغادره مخيلتي، بل أنني أسمع اللحظة هذه وزن ضربه على الطبل بيده الضخمة واستدارته الغريبة، مثلما أسمع اللحظة هذه أول صوت للطبل يصدر من جارنا جاسم بن فرج صانع الطبول والدفوف في الرفاع. 

وفي فسح هذا (السيم)، سكن حادث فقد أخي الكبير محمد وجداني ومخيلتي، من خلال والدتي التي ظلت تتذكر هذه الحادثة حتى وقت بعيد، وترويها مثلما تروي حادثة نعيب البوم الذي غادر أخي الثاني خليفة الحياة بعده في نفس الليلة. 

حكايات وغرائب وعجائب غزت مخيلتي وشاغبتها ولاغتها وشاكستها فوق فسح هذا (السيم)، حتى انتابني شعور بأن بيتنا يختزل الرفاع كلها، خاصة وأنه البيت الوحيد المواجه لأهم شارع عام في الرفاع، وهو شارع الشيخ علي بن خليفة والمحاط بثلاث شوارع فرعية.

هو (السيم).. عالمي السفلي والعلوي.. وهو خشبة المخيلة الأولى التي من خلالها انطلقت وتجسدت رؤاي في عالم المسرح.. فهل يمكن لي أو أتصور أنني يومًا سأنساها؟!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها