النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11852 الأحد 19 سبتمبر 2021 الموافق 12 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:06AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:37PM
  • العشاء
    7:07PM

كتاب الايام

مقومات أمن الخليج

رابط مختصر
العدد 11773 الجمعة 2 يوليو 2021 الموافق 22 ذو القعدة 1442

 يُعرّف الخليج العربي الذي كان دومًا وصلة ربط الدول المطلة عليه بالعالم شرقًا وغربًا، وزادت أهميته بعد اكتشاف النفط في الدول المطلة عليه، بأنه من أكثر الممرات المائية ازدحامًا بالسفن على اختلاف أنواعها، منها المدنية المحملة بالنفط وبالسلع المختلفة والمواد الغذائية، ومنها العسكرية التي تعود ملكيتها للدول المطلة على الخليج العربي من جهاته الثلاث وتلك التي تعود ملكيتها لدول كبرى تأتي على رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، وفي هذا دليل على أهميّة هذا الممر المائي وحيويته للاقتصاد العالمي، وعلى ضرورة الحفاظ على أمنه وسلامته؛ لضمان بقائه ممرًا آمنًا مستقرًا يؤمن إمداد دول العالم باحتياجاتها النفطية، ولتسهيل حركة التجارة بين دوله وباقي دول العالم.

 لكن هل أن معطى الأهمية التي يشكلها هذا الممر المائي للاقتصاد العالمي توفر له الدول الكبرى وخصوصًا الولايات المتحدة الأمريكية ما فيه الكفاية من الاهتمام للحفاظ على أمنه واستقراره ليكون بمنأى عن الاضطرابات التي لم تنتهِ منذ نجاح الخميني وزمرته في اعتلاء سدة حكم راديكالي في إيران أعلن طموحه في السيطرة على الدول المطلة على الخليج بعنوان «تصدير الثورة»؟ هذا في رأيي سؤال مهم يجب أن يطرح. الإجابة تقودنا إلى الحديث عن سياسة دول الغرب الأوروبي وخصوصا الولايات المتحدة الأمريكية بصفتها القوة الأعظم، والتي لعبت في منعطفات سياسية كثيرة عبر التاريخ دور الحامي لحرية التجارة واقتصاد السوق ووفرت ما يتطلبه الإبحار في هذا الممر البالغ الأهمية وللدول المطلة عليه من المتحالفة معها من وسائل الحماية. أما اليوم فإن الشك بات يخالجنا في أن الولايات المتحدة باتت تفي بمتطلبات لعبها هذا الدور من خلال ما نلحظه من تقديم لكثير من التنازلات لإيران؛ أي للدولة الوحيدة المهددة لأمن الملاحة في الخليج ومؤشرات ذلك كثيرة تلمع على طاولة الحوار في فيينا.

 لتثبيت وجودها في الخليج العربي كقوة مهيمنة لا منازع لها أبرمت الولايات المتحدة الأمريكية اتفاقات صداقة وأقامت تحالفات كبيرة مع الدول العربية المطلة على الخليج العربي وأقامت لها قواعد عسكرية تخدم بها مصالحها. وكانت الإدارات المتعاقبة التي تسكن البيت الأبيض بعد الحرب العالمية الثانية وفيّة دائمًا لالتزاماتها تجاه هذه الدول، مما جعل علاقة الدول العربية الصديقة للولايات المتحدة ترتقي إلى مستوى التحالف؛ لأنها علاقة استراتيجية وحيوية للطرفين في أكثر من مجال. ولهذا فإن أي تغيير في منهجية الإدارة الأمريكية في التعاطي مع الدول الحليفة له تبعات سلبية على استمرار التحالف. فالشعوب بعد مرحلة الاستعمار باتت لا ترضى بالهوان وتبحث في التفاصيل عما يمثل مصالحها في كل تحالف تقيمه دولتها مع الآخرين. 

 اليوم هناك شواهد كثير على أن هذا الالتزام لم يعد كما كان، فالتلويح بوقف صفقات السلاح المدفوعة الثمن لمواجهة عدو بائن يشهره البيت الأبيض في كل حين في وجه الدول التي تواجه عدوانا حقيقيا ينتهك سيادتها ويهدد استقرارها. ولعل من هذه الشواهد الكثيرة، التخفيف من إدانة الميليشيات الإرهابية وكان آخرها رفع اسم ميليشيا أنصار الله الحوثية من قائمة الإرهاب. وتبدل المواقف باستمرار من الحرب في اليمن لا ينسجم مع ما يتطلبه إحلال السلم وعودة الشرعية إليها. كما أن هناك مواقف لجماعات إرهابية تثير القلق مثل موقف إدارة باراك أوباما تجاه عصابة الإخوان المسلمين في الإمارات العربية المتحدة ومصر من خارج الخليج العربي باعتبار أن التنظيم واحد رأسه في مصر، وجماعات راديكالية مدعومة من إيران كما هو الحال في مملكة البحرين. 

 صحيح أن الرئيس بايدن قد صرح يوم الثلاثاء الماضي بتعهده بأن لا تتمكن إيران من حيازة سلاح نووي في فترة حكمه، ولكن هذا التصريح في اعتقادي لا يكفي لردع إيران ومنعها من العبث بأمن منطقة الخليج العربي؛ فالمساس بأمن هذه المنطقة الحيوية لن يكون ولم يكن بحيازة إيران سلاحا نوويا فحسب؛ لأن لدى إيران ما هو أخطر من السلاح النووي، لديها ميليشيات مبثوثة هنا وهناك، وحماة لمصالحها في أكثر من بلد عربي ما تمكنت منه إيران لولا تخاذل إدارة أوباما، ولديها - وهذا هو الأخطر - إيديولوجيا ولائية هدامة ترى الخير في المنتسبين إليها فحسب، وتحسب العالم كله وخاصة الدول المحيطة بإيران رمزًا مطلقًا لشر لا بد من محاربته حتى يُمحى من على وجه الأرض، وفي هذا ما يجعلنا نستحضر تجربة في الحكم سابقة في القرن الماضي سيرتها الرؤية نفسها وعقدة التفوق ذاتها والعنجهية عينها، وهي التجربة التي قادت العالم إلى حرب كونية ثانية. إن إيران بعدوانيتها المفرطة وتخاذل القوى الفاعلة في الساحة الدولية عن الحد من أخطار سياستها المتهورة يجعلها شبيهة بألمانيا النازية بطوابيرها الخامسة و«غوبلزها» ولهاثها المحموم وراء الظفر بكل ما من شأنه أن يهدد أمن المنطقة والعالم؛ ولذلك فالحكمة تدعو إلى معالجة هذا الوباء قبل أن يستفحل وإن باستئصال نظام حكم الملالي. 

 في اعتقادي أن أمن واستقرار الخليج العربي بوصفه ممرًا مائيًا مهما للاقتصاد العالمي لن يكون متاحًا من دون توفير الأمن والاستقرار لدوله المطلة عليه، وصد كل الأخطار المحدقة بها بالتعاون مع شعوبها وحكوماتها الشرعية، وبالتخلي نهائيًا عن كل السياسات الحمقاء التي أطلقت أيادي إيران لتعبث بالمنطقة وأمنها، وتتطاول على سيادات دول الجوار واستقرارها. ولذلك فالكرة الآن في ملعب إدارة بايدن التي عليها أن تدرك مخاطر التهاون مع إيران، وأن تعلم أن شعوب دول الخليج العربي لن تبقى مكتوفة الأيدي أمام كل من يهدد أمنها واستقرارها وكرامتها واستقلالية قراراتها السيادية كائنا من كان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها