النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11801 الجمعة 30 يوليو 2021 الموافق 20 ذو الحجة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

في هذا الملف.. إلى أين؟! وإلى متى؟!

رابط مختصر
العدد 11763 الثلاثاء 22 يونيو 2021 الموافق 12 ذو القعدة 1442

لا أظن أن هناك من يختلف على الأهمية الاستثنائية لملف التعليم، فالتعليم أحد أهم الأدوات التي ترتقي بها الأمم، هو مشوار أي بلد نحو المستقبل، وعلى هذا الأساس فإن هذا الملف هو ملف وطني بامتياز، ولأنه كذلك لا ينبغي أن يترك هذا الملف، وأي مشروع يستهدف تطوير التعليم والنهوض به وربطه حقًا وفعلاً بسوق العمل، وهذه المهمة تحديدًا ليست مسؤولية وزارة التربية والتعليم بمفردها، فالعملية تكاملية ومسؤولية وطنية يشارك فيها المعنيون من جهات حكومية وخاصة وأهلية، ولابد من إخضاع هذا الملف للنقاش العام الصريح والشجاع، من خلال جلسات حوار بمشاركة خبراء ومختصين ومسؤولين وغيرهم، يقيّمون الواقع الراهن لحال التعليم في بلادنا الذي احتفلنا بالذكرى المئوية له في أكتوبر 2019، والنظر فيما حققته البرامج والمشروعات التطويرية التي أعلن عنها طيلة سنوات مضت والتي لا يستهان بما أنفق عليها من أموال والتي تقترن دومًا بهدف ربط التعليم بسوق العمل..!

لا نعلم إذا كان الاقتراح برغبة الذي تقدم به خمسة نواب (فوزية زينل، عبدالنبي سلمان، أحمد الانصاري، بدر الدوسري، هشام العشيري) وعنوانه «تطوير التعليم في مملكة البحرين وفقًا للاتجاهات العالمية الحديثة»، (الصحف المحلية - 7 يونيو 2021)، لا نعلم إذا كان هذا الاقتراح يمكن أن يشكل خطوة جديدة على طريق يجعل مشروع الدفع بإصلاح وتطوير التعليم ضمن الاهتمامات الفعلية والأولويات الحيوية، إذ لم يعد مجديًا ولا مبررًا، ولا منطقيًا، ولا مقبولاً أن يستمر التعاطي مع الكلام الإعلامي الترويجي لبعض المسؤولين في بعض المناسبات والتصريحات والتقارير عن التعليم والتميز والريادة في التعليم، ومعاييره الرفيعة، والمنظومة والبيئة التعليمية المتطورة، إلى آخر النغمة، ولكن من المهم والضروري أن يدرك كل المعنيين بأنه أصبح مهمًا أكثر من أي وقت مضى أن يتم وبمنتهى الجرأة والصراحة والشفافية بحث واقع المنظومة التعليمية، من سياسات وتوجهات وبرامج ومناهج وكوادر ومخرجات وخطط تطوير للتعليم العام والفني، والوقوف على ما إذا كانت هذه المنظومة تخدم فعليًا هدف ربط التعليم بسوق العمل وتطورات هذا السوق والمهارات المستجدة التي باتت تفرض نفسها..!

النواب أصحاب المقترح قالوا في حيثيات اقتراحهم التي وردت في المذكرة التفسيرية إن التعليم هو السبب الرئيس في نهضة الأمم، وهو أولوية من أولويات النجاح في تحقيق رؤية البحرين 2030، ويفتح المجال أمام الإبداع والتنافس، وتطوير مناهجه ونظمه وتحديثها بما يلبي احتياجات سوق العمل، وهنا بيت القصيد، نقف مجددًا عند هذه النقطة على وجه التحديد، ربط التعليم باحتياجات سوق العمل، هذا اهتمام مشكور، ولكن علينا أن نلاحظ إن هذا الموضوع تقريبًا، ربما من زوايا مختلفة سبق وإن طرح في مجلس النواب فلجنة الخدمات النيابية كانت قد أقرت في وقت سابق اقتراحًا برغبة بشأن تشكيل لجنة مختصة بتقليص الفجوة بين مخرجات التعليم وسوق العمل (الصحف المحلية - 27 يناير 2021)، وتحت نفس العنوان تقريبًا طرح النائب عبدالله الذوادي اقتراحًا برغبة لنفس الدوافع ونفس الهدف (الصحف المحلية - 29 أغسطس 2019)، هذا الى جانب من طرح مشابه بشكل او بآخر في فصول تشريعية سابقة، وهذا في حد ذاته أمر مثير لتساؤلات عديدة، أخشى أنه يعني إننا نراوح في التعامل مع هذا الملف..!

ذلك على الصعيد البرلماني، خارج هذا الإطار كنا نسمع منذ سنوات طويلة ولا زلنا نسمع معزوفة ربط التعليم بسوق العمل، ووجدنا كثر من المسؤولين، كثر من الاقتصاديين والباحثين والخبراء تحدثوا عن هذا الهدف، العديد من المؤتمرات والدراسات واللجان والاجتماعات، ناقشت وتدارست وبحثت وخرجت بتوصيات وتأكيدات تصب في مجرى هدف ربط التعليم بسوق العمل، منذ سنوات طويلة وهذ الهدف مطروح للتداول، ولكن ماذا حققنا باتجاه هذا الهدف؟!

في شأن ماذا تحقق بوسعنا قول الكثير، وأن نذّكر بالكثير، وفي هذا السياق يمكن على سبيل المثال أن نبدأ بما قاله وزير التربية والتعليم في تعقيب له على سؤال برلماني نشر في 27 أبريل 2021، قال إنه جرى إعداد وثيقة بعنوان «وثيقة المشروع الوطني لمواءمة مخرجات قطاع التعليم العالي مع مخرجات سوق العمل» أعدت بالشراكة بين قطاع التعليم العالي وقطاعات الصناعة والأعمال، وكشف في الوقت ذاته عن دراسة مسحية للمهارات التي يحتاجها سوق العمل نوقشت نتائجها منتدى وطني للمهارات والتوظيف، ولفت النظر إلى أن عددًا من القطاعات ذات العلاقة، إضافة الى رؤساء التعليم العالي، وممثلين عن الوزارات والمؤسسات والهيئات الحكومية ونخبة من أرباب الأعمال وأكاديميين من مختلف مؤسسات التعليم العالي الحكومي والخاص، ومتحدثين دوليين في مجال الدراسات المتعلقة شاركوا في هذه الورشة، وفي تعقيب له قال إن 3 ملتقيات عقدت كان الهدف منها التعرف على مدى منهجية مؤسسات التعليم العالي في تطوير مناهجها وتحديث برامجها وفقًا لما خرج به المنتدى الأول من نتائج للوقوف على التحديات التي تواجه تحقيق هدف ربط التعليم بسوق العمل.

يمكن أن نذكر كذلك بشيء بما عبّر عنه وزير العمل في افتتاح معرض البحرين للتدريب والتعليم من حرص على تطوير التدريب والتعليم بما يتناسب مع المتغيرات المتسارعة في سوق العمل ومواكبة الاحتياجات الفعلية والمستقبلية للسوق، وفي المناسبة ذاتها ذكرنا وزير التربية والتعليم بأن وزارته يعد شريكًا أساسيًا في تحقيق أهداف التعليم والتدريب وربطه بسوق العمل من خلال تعزيز دور التعليم في بناء وتجديد القدرات الوطنية وتقريب مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل وفقًا لرؤية البحرين الاقتصادية 2030، (الصحف المحلية - 24 فبراير 2021)، يمكن أيضًا أن نضيف ونذكّر بتلك الأمسية الحوارية وعنوانها «واقع سوق العمل.. التحديات والحلول» والتي أعلن خلالها وزير العمل بأن هناك مشاريع نوعية لمعالجة الخلل القائم والمزمن تستهدف سد فجوة مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل (الصحف - 12 مايو 2017)!

وفي نفس السياق يلح علينا التذكير بما كان مطروحًا في المؤتمر الدولي الثاني لتطوير التعليم الذي عقد بالبحرين في أكتوبر 2010، ففيه خرج لنا أكثر من مسؤول مؤكدًا للجميع بأن البحرين تولي كل الاهتمام بمخرجات التعليم وربطها بحاجات سوق العمل، وهناك من أكد بأن هذا الربط يعد من بين أهم أهداف رؤية البحرين الاقتصادية 2030، وبالقدر ذاته يلح علينا التذكير بما أثير في حلقة نقاشية نظمها المنتدى الاقتصادي العالمي حول التعليم عقد في أكتوبر 2020، وفيه أعلن وزير شؤون الشباب بأن البحرين تعمل على مواجهة كل التحديات في مجال التعليم والمهارات عبر استراتيجية واضحة ترتكز على المواءمة بين التعليم واحتياجات الاقتصاد وسوق العمل.

تلك عيّنة ليس إلا لتصريحات يمكن النظر اليها من زوايا متعددة تتكئ على الكثير من علامات الحيرة والتعجب والاستفهام فيما يخص ملف التعليم وربطه بسوق العمل، إذ بإمكاننا أن نضيف إلى ذلك تصريحات ومشاريع مرّت علينا طيلة سنوات طويلة مضت على لسان أكثر من وزير، وأكثر من مسؤول، وأكثر من دراسة، وما من ندوة أو مؤتمر أو ندوة أو اجتماع يبحث في قضايا التنمية أو الاقتصاد أو الإصلاح أو التحديات المستقبلية إلا ويتطرق الى هذا الملف، ويؤكد على أهمية الربط المنشود بين التعليم وسوق العمل، ومن المؤكد أن هذه المهمة باتت اليوم أصعب في عالم متغير، وسوق عمل متغير، ومهارات متغيرة، وتخصصات تتغير، وطريقة تفكير تتغير، ورؤى آنية ومستقبلية تتغير، وتجاهلها أو الاستهانة بها يغدو نوعًا من العبث الذي يفرض بالنهاية إعادة النظر في كل التفاؤلات والتوقعات..!

يمكن أن نتفق مع ما ذهب اليه الدكتور الباحث محمد الكويتي الذي تناول في الزميلة «اخبار الخليج» موضوع تطوير التعليم من أكثر من زاوية، نتفق معه من «أن إصلاح وتطوير التعليم لكي يواكب متطلبات القرن الواحد والعشرين ويبني المهارات اللازمة ينبغي أن يبدأ بتعديل قانون التعليم، باعتبار أن هناك مواد في القانون لا تتناسب مع متطلبات الحاضر» ويمكن كذلك أن نتفق في طرحه على ضرورة وضع استراتيجية وأهداف ومؤشرات مع متطلبات التنمية والتنويع الاقتصادي وبناء المهارات المطلوبة لها، وبأن زيادة أعداد الملتحقين بالتعليم لا تعني جودة، وأن أعداد المتخرجين لم تعد تعني التفوق، كما لم تعد معدلات النجاح إلى تفوق 90% تعني الكثير ما لم يصاحب محتوى معرفيًا وفكريًا وقدرات يمكن استخدامها في الحياة العملية وصقلها بالتدريب على رأس العمل والتعليم مدى الحياة، ولكننا من المؤكد أننا نتفق في الرأي معه ومع كل من يشدد على ضرورة أن يقترن أي جهد حقيقي في هذا المجال مع تفعيل آليات الرقابة والمساءلة على مسارات تطوير التعليم وربطه بسوق العمل وكل ما يضمن عملية التقييم الموضوعي للعملية التعليمية، ويضمن حسن مساراتها ومخرجاتها، وإدراك أن السرد العددي للبرامج والمشاريع والإنجازات وأعداد المستفيدين وغير ذلك لا يعبر عن النتائج التي يفترض أن تتحقق في تغيير مستوى وجودة التعليم، وانطلاقًا من ذلك لا بد أن يخضع هذا الملف لنقاش استثنائي في جديته وفي تصديه للقضايا الجوهرية ذات الصلة بكل تعقيداتها ومنطلقاتها، بما فيها قضية التعليم الجامعي الذي يجب ألا يكُتفى بأن يكون مصنعًا للشهادات والدرجات العلمية لخريجين يجدون أنفسهم أمام امتحان كسر التحديات للحصول على عمل، ولكنه مصنع للوعي والفكر، وللعلماء وللقدرات والمهارات التي تجاري متطلبات سوق العمل وتواكب تطوراته ومتغيراته وتحدياته.

الملف معقد ومتشابك وكثير الأوجه، لا خلاف على ذلك، ويبدو أن وضع الرؤية الحقيقية والمطلوبة والمجدية لتفعيل الربط بين منظومة التعليم وسوق العمل، أي جعله مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بمهارات التفكير والإبداع والابتكار والبحث العلمي، وكل ما يدخل في نطاق جودة التعليم هو الهدف الذي يتوجب التركيز عليه بدلاً من اللجان والمؤتمرات والفعاليات وكل القوالب الشكلية التي عهدناها دون جدوى والتي أبقت الحلقة المفقودة بين مخرجات التعليم وسوق العمل، والمطلوب اليوم قبل كل شيء معرفة مكمن الخلل، وإلى أين نمضي، وإلى متى حتى لا نظل نراوح في المكان ذاته، لذا لزم التنويه!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها