النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11801 الجمعة 30 يوليو 2021 الموافق 20 ذو الحجة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

إيران.. حاجز القلق الدائم والمستمر (2)

رابط مختصر
العدد 11763 الثلاثاء 22 يونيو 2021 الموافق 12 ذو القعدة 1442

استكمالاً لمقال الأسبوع الماضي الذي تناولتُ فيه منبع التوتر والقلق الدائم في المنطقة (إيران) التي ساهم نجاح الثورة الخمينية في (فبراير 1979م) في أن تسعى بكل قوة وجبروت لتنفيذ مشروع السيطرة والتمدّد الشيعي في الخليج العربي والجزيرة العربية وتصدير مبادئ الثورة لتثبيت نظام ولاية الفقيه، حتى توتَّرت العلاقات الدبلوماسية بين دول الخليج وإيران وقُطعت أكثر من مرة، نظرًا لاعتقاد إيران بأنها تتعامل مع (مشيخات) تابعة تاريخيًا لها وتستطيع السيطرة عليها ببساطة وباستخدام أدوات خبيثة تعتمد على تحريك الحسّ الديني الطائفي وتأجيجه بين أفراد المذهب الشيعي من المواطنين وتحويل ولائهم إلى (المذهب) وليس إلى (الأرض والوطن). 

فقد كانت العلاقات الخليجية الإيرانية (قبل) الثورة الخمينية مشوبة بالحذر بسبب القوة العسكرية التي تملكها (إيران الشاهنشاهية) إلا أنها كانت علاقات جيدة بشكل عام، حيث لم تسعَ إيران آنذاك إلى التدخّل في الشؤون الداخلية لدول الخليج، واعتمدت على القنوات الدبلوماسية لحلّ أيّ خلاف معها، كما حدث في: 

1. خلافها مع العراق حول الحدود المائية لشط العرب الذي انتهى في (مارس 1975م) بتوقيع الشاه محمد رضا بهلوي وصدام حسين -نائب الرئيس العراقي آنذاك -على (اتفاقية الجزائر) برعاية الرئيس الجزائري هواري بومدين. 

2. التعامل مع استقلال البحرين، خصوصاً بعد الادعاءات الإيرانية التي بدأت بشكل رسمي في المذكرة السياسية المرفوعة من إيران لعصبة الأمم المتحدة عام (1928م)، إلا أن الموقف الإيراني بدأ بالتحوّل واتضحت تطوراته في تصريحات شاه إيران عام (1969م) التي أكَّد فيها ولأول مرة (قبول إيران لأيّ شيء يعبِّر عن رغبات شعب البحرين، وذلك تمسكًا بمبدأ عدم اللجوء إلى القوة). 

إلا أن العلاقات الخليجية الإيرانية (بعد) الثورة الخمينية تحوَّلت إلى حالة من عدم الثقة؛ حيث عزَّزت الثورة الخمينية القومية الفارسية التي رفعت شعارات المظلومية للشعوب المضطهدة وحمايتها، فقامت (إيران الخمينية) بتنفيذ خططها لتحقيق الحلم الفارسي في قيام (الدولة الإسلامية الشيعية الكبرى)، فأصبحت منذاك الآن وحتى الآن هي المصدر الرئيسي للتوتر والقلق في المنطقة، والشواهد على ذلك كثيرة جدًا، ومنها: 

1. في ثمانينات القرن الماضي، استغلَّت إيران تطورات حربها مع العراق، فقامت بتدبير مؤامرة انقلابية في البحرين عام (1981م) بهدف إقامة دولة إسلامية على نمط النظام الإيراني باستغلال منظمة سرّية تدعى (الجبهة الإسلامية لتحرير البحرين)، وعلى إثر ذلك قطعت البحرين علاقاتها الدبلوماسية مع إيران، وأوقفت كافة الاتصالات الجوية والبحرية معها، ومنعت دخول الإيرانيين إلى أراضيها، ودعا سمو الشيخ محمد بن مبارك آل خليفة -وزير الخارجية آنذاك- وزراء خارجية دول مجلس التعاون لاجتماع بتاريخ (6 فبراير 1981م) لبحث المحاولة الانقلابية الفاشلة، وإعادة النظر في العلاقات الخليجية الإيرانية، وتقديم مذكرة احتجاج رسمية للحكومة الإيرانية قام بنقلها إلى طهران المغفور له الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح وزير خارجية دولة الكويت. 

2. في تسعينيات القرن الماضي، أسَّست إيران ودعمت وموَّلت المنظمات السرية الإرهابية التي قامت بأعمال عنف وإرهاب في البحرين، فقامت البحرين عام (1996م) بطرد السكرتير الثالث بالسفارة الإيرانية باعتباره شخصًا غير مرغوب فيه لقيامه بأعمال تتنافى ومهامه الدبلوماسية، وتخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي بين البحرين وإيران إلى درجة (قائم بأعمال) بعد سحب السفير البحريني من طهران بسبب اكتشاف (حزب الله البحريني) الذي تموّله إيران! 

3. في (فبراير 2011م)، شهدت التدخلات الإيرانية في البحرين إصرارًا مستغربًا واشكالاً مختلفة، حيث استغلَّت جهازها الدبلوماسي في البحرين وعملت على استغلال المدرسة الإيرانية والبنوك الإيرانية العاملة في البحرين لتحقيق أهدافها الخبيثة في زعزعة الأمن والاستقرار، واتَّضحت شدة ووقاحة هذه التدخلات إبّان الأحداث المؤسفة في (فبراير 2011م)، وقد احتوتها الدبلوماسية البحرينية بهدوء وحكمة، فكان لي شخصيًا -بصفتي مسؤولاً عن ملف الشؤون الإقليمية ومجلس التعاون- عدد من الاجتماعات السرية مع السفير والقائم بالأعمال الإيراني في البحرين وتسليمه عدد من مذكرات الاحتجاج الدبلوماسية والتي كان منها اعتباره شخصاً غير مرغوب فيه، كما تمَّ سحب السفير البحريني في فترة لاحقة وإغلاق كل أعمال السفارة البحرينية في طهران. 

4. تسييس مواسم الحج عن طريق التخطيط للحوادث الإرهابية والتخريبية وخلق الفوضى والاضطرابات بتحريض الحجّاج الإيرانيين على مخالفة الأنظمة والقوانين وتعليمات السلامة التي تصدرها الجهات المختصة، كما حدث عام (1980م) حين أقدمت مجموعة من الإيرانيين على تنظيم مظاهرات ورفع شعارات الثورة الإيرانية في مكة وقطع الطرقات ما تسبَّب في قتل عدد من الحجاج والمواطنين ورجال الأمن، حيث هدفت إيران من ذلك إلى الإضرار قدر الإمكان بالمملكة العربية السعودية والنيل من مكانتها الدولية والإقليمية، والدعوة لتشكيل هيئة دولية إسلامية لإدارة الحج بهدف شق صف الأمة الإسلامية، فأدت تلك الأحداث إلى تزايد القلق الخليجي من إيران وسياستها العدائية التي أصبحت أكثر وضوحًا مع مرور الأيام فصدر بيان خليجي عبَّر فيه وزراء خارجية دول المجلس عن وقوفهم مع السعودية لحماية أمنها واستقرارها. 

5. فرَضت إيران مبدأ القوة في المنطقة وانقضَّت على الجزر الإماراتية الثلاث واحتلتها، ورفضت المبادرات الحكيمة والواعية لحل القضية بشكل سلمي رغم الاتصالات الدبلوماسية التي أجرتها دول المجلس معها خاصة بعد دعوة المغفور له سمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لإجراء حوار ثنائي للوصول إلى حل يرضي الطرفين، إلا أنها تمادت وقامت باحتلال النصف الآخر من جزيرة أبو موسى التي كان هناك اتفاقاً حولها مع إمارة الشارقة، مؤكدةً على استمرار تطبيق سياسة فرض الأمر الواقع دون اكتراث لعلاقات الصداقة بين دول الجوار، وقد أصدرَت دول المجلس حزمة من القرارات تؤكِّد دعمها للإمارات العربية المتحدة لاستعادة جزرها بالطرق السلميّة إما بالمفاوضات الثنائية المباشرة او بإحالة الخلاف الى محكمة العدل الدولية. 

6. البرنامج النووي الإيراني، الذي يظلّ أكبر هاجس مثير للقلق والتوتر بين دول مجلس التعاون وإيران بسبب المخاطر التي تكتنفه، وقد اتَّخذت دول المجلس موقفًا مؤيدًا للجهود الأمريكية الساعية إلى تخلّي إيران عن طموحاتها النووية لتجنيب المنطقة سباقاً للتسلّح وحروبًا وصراعات لا يحمد عقباها، ومن هذا المنطلق ركَّزت الدبلوماسية الخليجية في التعامل مع هذا البرنامج على ما يلي: 

• الوقوف من الجهود الدولية لحمل إيران على التوقف عن هذا البرنامج، خاصة تخصيب اليورانيوم المستخدم في صناعة الصواريخ النووية بعيدة وقصيرة المدى. 

• الرفض التام لامتلاك إيران للسلاح النووي الذي سوف يمنحها هيمنه شاملة على منطقة الشرق الأوسط والخليج العربي، خاصة بعد التمدّد الإيراني في عدد من العواصم العربية المهمة. 

• ضرورة المشاركة الخليجية في أيّ اجتماعات بين مجموعة (5+1) وإيران، وذلك لأن البرنامج النووي يمسّ أمن المنطقة ويهدِّد السلام والتوازن الذي يقوم على أساس توازن القوى بين العراق وإيران ومجلس التعاون، وبعد خروج العراق من معادلة التوازن الذي مال لصالح إيران، فإن امتلاكها للسلاح النووي يعتبر كارثة بيئية كبرى لمنطقة الخليج العربي والدول الإقليمية المجاورة، خصوصًا وأن مفاعل بوشهر النووي قريب من الشواطئ الشمالية للخليج العربي، ولا تتوفر فيه عناصر السلامة النووية بسبب استخدامه التقنيات الروسية المتأخرة تكنولوجياً بسبب الحظر الغربي على المعدات المستخدمة في الصناعة النووية، كما أن إيران ترى في امتلاكها للسلاح النووي تعزيزاً للنظام ورادعًا أمام أيّ عدو محتمل لها في الإقليم أو خارجه. 

وقد طالبت دول مجلس التعاون خلال العديد من الاجتماعات الوزارية والتمهيدية -التي حضرتها جميعًا- من السيدة ووندي شيرمان- وكيلة وزير الخارجية الأمريكي للشؤون السياسية ورئيسة للوفد الأمريكي المفاوض أمام الفريق الإيراني- بأهمية التمثيل الخليجي في هذه الاجتماعات إلا أن هذا الطلب لم يجد قبولاً أو إذناً صاغية، حتى سار البرنامج وفقما أرادته إيران وتمّ التوقيع عليه في (يوليو 2015م). 

إن إيران على يقين بأن استمرار نظام ولاية الفقيه يتطلَّب وجود قوة رادعة لحمايته من أيّ محاولات لتغييره؛ لذلك فإن امتلاكها للقوة النووية عابرة القارات يضع دول مجلس التعاون أمام عدة خيارات وهي: 

• تعزيز علاقات دول مجلس التعاون مع الولايات المتحدة وقبول المزيد من التواجد العسكري الأمريكي على أراضيها، لحماية أمنها واستقرارها وإنجازاتها الحضارية، وما يترتَّب على ذلك من دفع أموالاً طائلة للخزانة الأمريكية وقبول إملاءات حقوق الإنسان ذات الأبعاد السياسية وغيرها. 

• الدخول في سباق التسلّح النووي الذي لن يكون سوى هدر لأموال ضخمة من الأولى صرفها على التنمية وبناء المجتمعات الخليجية. 

• التركيز على التقارب الإيراني الأمريكي الذي قد يحمل خلفه نوايا لتنفيذ مرحلة ثانية من خطة الفوضى الخلاّقة التي لم تتحقَّق نتائجها كاملة عام (2011م). 

وبالرغم من حرص دول مجلس التعاون المستمر على إقامة علاقات طبيعية مع إيران تقوم على أسس حُسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، فإن إيران تعمل في الاتجاه المعاكس وتسعى إلى دعم العناصر والاحزاب التابعين لها وتأجيج الطائفية في المجتمع الخليجي بهدف تحقيق اهدافها وتطلعاتها بالسيطرة والهيمنة وإسقاط الأنظمة الخليجية ان امكن تحت شعارات حماية حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير، وهذا يتطلَّب من دول مجلس التعاون وقفة مع الذات ولو مرة واحد بالقيام بصورة عاجلة بإعداد استراتيجية للتعامل بسياسة خليجية موحَّدة ومتفق عليها اتفاقا تاماً لمواجهة التهديدات والأخطار المحدقة بها من ايران وغيرها في المنطقة. 

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها