النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11922 الأحد 28 نوفمبر 2021 الموافق 23 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:42AM
  • الظهر
    11:25AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

حين تتمسرح خطب المساجد والجوامع في الرفاع..

رابط مختصر
العدد 11763 الثلاثاء 22 يونيو 2021 الموافق 12 ذو القعدة 1442

كان المسجد في زمانينا الستيني والسبعيني ملتقى دينيًا واجتماعيًا جميلاً وحميمًا وودودًا وبريئًا، لم يبزغ بعد فجر التطرف والترويع والإرهاب، الذي حول المساجد كلها تقريبا إلى منابر وبيئات لتفريخ وإنتاج المتطرفين والمتشددين والإرهابيين والكارهين الحب والسلام والأمن والوئام، كنا نلتقي فيه صغارًا وقلوبنا تتوجه نحو باعث النور والصفاء في هذا الكون، كان الأكبر سنا إذا مر علينا ونحن نداعب بعضنا ببريء الكلام جلوسًا لا يجبرنا على دخول المسجد ولا ينفرنا منه بغليظ القول أو الزجر أو الأمر، كان يدعنا ويمضي إلى صلاته وعبادته، فإن رغبنا تبعناه إلى حيث أداء الفريضة، وإن لم نرغب لا يزجرنا أو ينظر إلينا شذرا بعد خروجه من المسجد، ولعلي أذكر بعض ما كان يقال لنا من بعضهم وبحنو شديد: الله يهديكم يا عيال، أو يسألنا عن أحوال الأهل والدراسة، ومن ثم يبتسم ويمضي.. 

أذكر أيضا في مسجد الرفاع الشرقي المجاور لمنزلنا بشارع الشيخ علي بن خليفة بعض المناسبات اللطيفة التي تقام فيه، أذكر بالتحديد الجارين الراحلين علي بن عريك وصالح بن علي بصحبة زوجته أم علي، حيث كانوا يوزعون الحلوى في المسجد ويعطرونك بماء الورد وبالعود والبخور في ثواب آبائهم وبعض ذويهم ممن رحل، كان يحدث مثل ذلك كل شهر تقريبًا ولا أبالغ.. 

أذكر أيضا الصوت الروحاني المميز لمؤذن المسجد الراحل أحمد حمود الذي كان يجمع رجال وشباب الحي غالبا في دكانه البسيط للعب الورق والكيرم ولتنفيذ بعض المقالب الطريفة خاصة في رمضان، حيث كان يرمي بمحفظة محشوة بالقراطيس معقودة بخيط خفيف ودقيق في الشارع لاختبار الفضول، وكم أعاق فضولهم برؤيتهم للمحفظة طوابير الحمير التي تتجه مسرعة خلف من استوقفتهم المحفظة، و(هات ياضحك)، لم ينزعج منهم أحد وكانوا عندما يعرفون المقلب يضحكون هم أيضا ويواصلون رحلتهم نحو قراهم.. 

كان الراحل أحمد حمود يتولى مهمة الأذان إذا تعذر حضور المؤذن الرئيس للمسجد وهو أول مؤذن له المرحوم خليفة البوسميط صاحب الصوت الجهوري والقامة النخلية الباسقة المميزة في الرفاع، كان صوته يسمعه حتى من كان يسكن في أقاصي الرفاع، وعندما ينتهي من كل صلاة يدعو معارفه من رجال الرفاع إلى تناول تمرة من التمور التي كان يجلبها من الإحساء.. 

أذكر أيضا إمام المسجد الشيخ الوقور رحمه الله وأسكنه فسيح جناته الحاج حسن البوعينين صاحب الابتسامة المشرقة والصوت الدافئ الرخيم المميز الذي يتلو سور القرآن الكريم وبعض آياته فيدعوك إلى تأملها، أذكر حنوه الفائق الذي يدعوك إلى الصلاة دون أن يقول.. 

أذكر أيضا بعض المقالب الطفلية التي كانت تحدث في المسجد وقت الصلاة، خاصة إذا توافرت بعض النماذج الغريبة الأطوار والأشكال والمزاج، وكيف كان بعضهم يومئ بيده بقوة لينهي طفلا منا عن هذه الفعلة المقلبية وأحيانا يضطر لضربه أو رفع صوته عليه، وبعدها نتذكر هذه المقالب فينتابنا ضحك شديد، وكثيرا ما فضحنا هذا الضحك في أثناء الصلاة ونحن نختلس النظر إلى صاحب المقلب وردود فعل من تورط بهذا المقلب.. 

أذكر أيضا خطيب الجمعة في مسجد الرفاع، وهو الراحل الشيخ سند البنكي الذي كان بالرغم من قصر قامته نسبيا إلا أنه يبدو طويلا وعملاقا عندما يعتلي المنبر ويقرأ خطبته المليئة بالنصح والوعظ والدعوة إلى التواصل الاجتماعي بين أبناء المجتمع، لم يكن متشددا في خطبته ولم يستغل المنبر لشحن وتحريض أهل المسجد والمدينة ضد بعضهم البعض، كانت له هيبته الدينية والاجتماعية وكانت الرفاع بأهلها تقصد هذا اليوم من أجل الاستماع إلى خطبته.. 

وبنفس الرحابة والروح واليسر كان خطيب مسجد الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة بالرفاع الغربي، الشيخ أحمد البوبشيت الذي كان يقدم خطبا شبيهة في توجهها ومعانيها لخطب الشيخ سند البنكي، وكانت هذه الخطب غالبا ما تكون مكتوبة بخط اليد ومؤداة بإيقاع واحد هادئ لا تلوين فيه ولا شد ولا جذب ولا تشويق، وكنت غالبا ما أقصد هذا المسجد في بعض أيام الإجازات التي تقضيها العائلة في بيت الجد علي بن راشد الحمدان أو بيت الخال راشد بن علي بن راشد الحمدان رحمة الله عليهما وغفرانه. 

وكانت خطب المساجد كما يبدو لي آنذاك ظلت لفترة طويلة تتشابه في نصها وفي طريقة أدائها كما لو أن الخطباء جميعهم خطيب واحد وإن تغيرت الأسماء، وكادت خطبهم تُحفظ من كثرة تكرارها، وكان أغلب من يتوجه من المصلين إليها يدرك في قرارة نفسه هذا التشابه والتكرار، ولكنه واجب الفريضة واللقاء بالأصدقاء والأحبة هو ما يدعوه للتوجه إلى المسجد أوالجامع بقلب سليم وبنية صافية. 

ويأتي اليوم الذي يكون الخطيب الواعظ فيه على غير ما عرفناه من الخطباء السابقين في الرفاعين، حيث أخذتنا أقدامنا أنا والصديق الفنان عبدالله السعداوي بعد انتهاء بروفات مسرحية (من الغلطان؟) بنادي الرفاع الغربي إلى جامع علي بن خليفة آل خليفة بالرفاع الشرقي لأداء فريضة العشاء، وما إن انتهينا من الصلاة إلا بأحد الخطباء الواعظين السودانيين يدعونا للاستماع إلى وعظه ولو بضع وقت مستقطع من وقتنا، وكان هذا الخطيب هو الشيخ حسن طنون الذي مارس الوعظ والإرشاد وإلقاء الدروس في المساجد والزوايا والحلقات والتجمعات في أنحاء متفرقة من السودان، وكانت له دروس ومواعظ منتظمة، وزيارات متعددة لمعظم المدن والقرى السودانية، واستمر يدعو إلى الله في السودان طيلة عشرين سنة، إلى أن توفاه الله بالكويت عام 1992. 

هذا الشيخ هو أول واعظ أو خطيب يغير في رأيي مسار واتجاهات الخطب التي اعتدنا سماعها من الخطباء الذين كنا نقصدهم في صلاة الجمعة لفترة طويلة، كانت خطبته مؤثرة فعلا وطريقة أداؤه مختلفة جدا، وكان مقتدرا على شد وجذب المصلين، كان الكل مصغ إليه باهتمام والأعناق ممتدة صوب وجهه وقامته، ولقد تمكن في خطبته هذه التي تناولت سيرة الخليفة عمر بن الخطاب أن يبكيهم وأن يدفعهم للدهشة والذهول وأن يستولي على كل اهتمامهم، وكان طنون يمسك بلحظات التأثير عليهم فيجذيها في نفوسهم وقلوبهم، وكنت والسعداوي بعد انتهاء الخطبة صرنا في حوار اتسع مداه ليشمل المسرح وكيف يتقمص الشيخ طنون تلك الفترة بشخصياتها وأزمنتها في أدائه وكيف يصبح مؤثرا عليهم وكيف يأخذهم معه إلى ذلك الزمان البعيد، وكيف يكسر الصمت إذا استولى على بعض المستمعين لخطبته، وكيف تتحول الخطبة لديه إلى أداء مرتجل حي لا يستعين فيه بأوراق أو وثائق مكتوبة، لقد كنا لحظتها نراه شاهدا على ذلك العصر، بل نظن أنه أحد أهم من عايشه وعرف أحداثه وتفاصيله، لم نكن حينها نعرف أو نستوعب إبان العام 1972، إبان الصبا، توجه هذا الشيخ أو انتمائه العقائدي، كل ما نعرفه هو أنه أثر فينا بأدائه وتمكن من أن يغير فينا كيفية التعامل والتفاعل مع مشاعرنا وأحاسيسنا، وتمكن من أن يبكينا لحظات ويهدئ من روعنا في لحظات أخرى، ولم نشتم حينها في خطبته أي دعوى للكره والحقد تجاه الآخر. 

هذه هي المساجد وهؤلاء هم الخطباء الذين كرسوا في نفوسنا قيم التواصل والحب والإخاء والاعتدال وتقبل الآخر مهما كانت عقيدته أو مذهبه أو توجهه الفكري، ولم تعزلنا عن المجتمع أو تثير في الآخر نعرة الانتقام ممن نختلف أو يختلفون معه في الفكر والملة والدين، وهكذا كان الشيخ طنون الذي تجسدت في خطبته لغة مسرحية كان لها تأثير مباشر على كل من يصغي إليه، والتي دعتني لأن أتساءل حينها: هل كان للأداء المسرحي والإلقاء تأثير مباشر على خطابات الشيخ طنون؟ هل درس فنون الإلقاء المسرحي ووظفها في خطبة؟ وإذا كان كذلك فلماذا يستنكر ويحرم كثير من رجال الدين هذا الفن؟

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها