النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11860 الإثنين 27 سبتمبر 2021 الموافق 20 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:55PM
  • المغرب
    5:30PM
  • العشاء
    7:00PM

كتاب الايام

أبكي دمًا

رابط مختصر
العدد 11760 السبت 19 يونيو 2021 الموافق 9 ذو القعدة 1442

والله إنني أبكي دما على لبنان، هذا البلد الغالي، ليس لأنني لبناني الأصل فحسب، وإنما لأنني عربي حتى النخاع وافتخر وأحب عروبتي، كما أنني أتألم لمصائب الإنسانية ككل، فما بالكم والمصاب هو بلد سُمّيَ في يوم من الأيام «سويسرا الشرق» وأعطى العالم حضارة وعلما وثقافة وفنونا وفكرا وأدبا...

لقد اختار البنك الدولي أزمة لبنان الراهنة كأحد أسوأ الأزمات الاقتصادية في العالم نتيجة معاناة هذا البلد من أزمات مركبة ومتزامنة هي المأزق السياسي المستمر والأوضاع الاقتصادية الخانقة وانفجار مرفأ بيروت وآثاره المدمرة وضغوط جائحة كورونا، وذكر البنك أن «معاناة لبنان تأتي في ظل وجود توافق سياسي حول حماية نظام اقتصادي مفلس أفاد أعدادا قليلة فترة طويلة».

الليرة اللبنانية فقدت أكثر من 85% من قيمتها في الآونة الأخيرة وأكثر من نصف السكان باتو تحت خط الفقر، ويشهد لبنان واحدا من أعلى معدلات التضخم في العالم لا يسبقه إليها سوى زيمبابوي والسودان وفنزويلا، وتتأخر عنه قليلا سوريا وإيران والأرجنتين، فيا لها من مأساة أن يكون اسم لبنان وسط هذه الدول، يجاريها في الفشل والانهيار رغم كل ما لديه من موارد وطاقات هائلة أهمها الإنسان، والذي أصبح لا قيمة له مع الأسف.

أين أنتم يا أهلي وناسي في لبنان؟ أين رجال هذا البلد؟ أسأل وأبحث وأفتش عن جواب، وفي الآخر رجعت إلى نفسي وقلت، لماذا تسأل عن الآخرين؟ لماذا لا تسأل عن نفسك؟

وتذكرت ما قلته لرئيس الجمعية الأمريكية في بيروت عندما طلب من مساعدة مادية بأنني أتمنى أن أساعد وأحب أن أساعد واشتهي أن أساعد، ولكنني لن أرسل أموالاً إلى بلد مختَطَف فقدنا جميعًا كلبنانيين ثقتنا بقياداته وزعاماته ولم يعد لدينا ثقة بأن الأموال التي نقدمها لمساعدته ستذهب إلى المكان الصحيح ويستفيد منها المحتاجون بالفعل والأشخاص الوطنيون المخلصون القادرون على النهوض ببلدهم.

اتصلت حينها بعدد من أصدقائي لأستعلم أكثر عن توجهاتهم في مسألة مساعدة لبنان، فكان موقفهم مشابهًا لموقفي، واستنتجت أنه أنا ومعظم الناس معي لن يقبلوا أن يصبوا الزيت على النار. لقد سأل معظم أصدقائي كيف لنا أن نفعل أي شيء والبلد مسلوب من إرادته وكرامته وحضوره؟ كل ما نستطيع القيام به هو أن نبكي ونحن مؤمنون بهذا البلد ولا نزال نعيش به رغم أننا خسرنا كل شيء، حينها تيقنت أن خسارة المال هي الشيء الأقل ألمًا، أما أن تخسر وطنك فهذا هو الموت السريري بحد ذاته.

فكرت حينها أن كل لبناني وعربي مثلي وكل إنسان في هذا العالم يمكنه، بل ويرحب، بمساعدة لبنان، وقد ظهر ذلك جليًا بعد انفجار مرفأ بيروت حين شهدنا حتى هنا في البحرين مبادرة جاليات أوروبية وآسيوية لتقديم تبرعات للبنان عبر الهلال الأحمر البحريني، وتأكدنا من أن الجميع يحمل بشكل أو بآخر ذكرى أو فكرة طيبة عن بيروت، ست الدني.

لكن بعيدًا عن كارثة بيروت، من المفهوم تمامًا امتناع أي عربي أو دولة خليجية أو عربية عن تقديم مساعدة ذات قيمة إلى لبنان، لأن الكل متأكد أن هذه المساعدات ستصب في نهاية المطاف في جيوب ومصلحة الميليشيات المسيطرة على لبنان، وتستخدم في أعمال شريرة لزيادة ظلم الناس، وتحول إلى رصاص يصوب على رؤوسهم ليسلب منهم إرادتهم وحريتهم وكرامتهم.

أنا يائس وحزين بالفعل، وأبحث في نفسي التواقة دائمًا للحياة عن بصيص أمل يجعلني أتفاءل ولو قليلاً بمستقبل هذا البلد، وأترقب بصبر ولهفة أية بارقة أمل هنا أو هناك، محلية أو إقليمية أو دولية تنتشل لبنان من محنته وتخفف عن الناس هناك معاناتهم.

هل أستطيع أن أحلم بيوم تصحوا فيه ضمائر من أوصلوا لبنان إلى هذا الوضع الكارثي؟ لن أسمي أحدًا، لأنه لا يمكن تغطية الشمس بغربال، والمجرمون كثر وسكاكينهم لا زالت مشهرة فوق رأس الضحية: لبنان. ماذا حصل؟ أين أنتم أيها الزعماء؟ أين الضمير؟ ألم ترو آفات ما تفعلون؟ وما هي قيمتكم من دون الوطن، وقيمة بيوتكم وقصوركم وأموالكم من دون وطن؟

كرجل أعمال، أعترف بأنني خسرت الكثير الكثير من مصالحي وأموالي في لبنان، بعدما آمنت، كما آمن معظم اللبنانيين؛ بهذا البلد، مسقط رأسنا ومرتع الصبا والشباب، وبالمثل القائل «نيال مين عنده مرقد عنزة بلبنان»، فمنذ أصبحنا مهجرين بعد الحرب الأهلية اللبنانية اجتهدنا في تحويل جزء كبير من عوائدنا في الغربة إلى لبنان على أمل العودة ذات يوم والاستقرار هناك، لكن يومًا بعد يوم كان هذا الحلم يتلاشى، حتى اختفى تمامًا في الآونة الأخيرة بعد ما شهده لبنان من تراجع وانهيار، حتى أنه في أوج الحرب الأهلية لم يكن اللبنانيون يتقاتلون على دور البانزين أو علبة الدواء أو ربطة الخبز كما يحدث حاليًا.

لكن رغم كل شيء لا زلت مصممًا على مواصلة أعمالي في لبنان بقدر ما أستطيع لكي أعطي الناس هناك وخاصة العمال والموظفين لدي، ليس أملاً بالمستقبل بل لأمل البقاء والنجاة، لأن المستقبل قد ضاع ولن يعود طالما جرى تسخير لبنان ليخدم مصالح دول خارجية كثيرة إلا مصالحه، ولأني لم أكن أتوقع أن زعماءه بهذا السوء والأنانية، خاصة وأن كثيرين منهم كانوا معي في المدارس والجامعات وكنت أسميهم أصدقاء واليوم بت أسميهم معارف فقط.

حتى أني أرسلت رسالة إلى صديق لي متنفذ، وقلت له: ماذا ستفعل بهذه الأموال التي تجمعها فيما بلدنا غارق بالفقر والقمامة؟ لكنه بدل أن يرد على رسالتي قام بحظري! تيقنت حينها أنهم ليس لديهم وقت أو استعداد حتى لسماع صوت الناس، ولم يعودوا يكترثون بهم على الإطلاق.

إن الوضع الراهن في لبنان يجب أن يكون عبرة لكل مواطن خليجي أو عربي عاقل، فعندما تحدث المظاهرات والفتن والاضرابات لأي سبب من الأسباب ينهار الاقتصاد ويجوع الناس ويضيع الأمن ولا يصبح للحرية والديمقراطية أي معنى، وأستغرب بالفعل إصرار بعض المغيبين أو الحالمين أو المأجورين أو المغرر بهم بإعادة نفس التجربة بين الفينة والأخرى وهم يترقبون ويأملون في الوصول إلى نتائج مختلفة، بعد كل ما دفعناه جميعًا من ثمن غالٍ خلال العقد الأخير خاصة، عقد «الخريف العربي».

هذه رسالتي لكل من سألني ماذا تفعل هذه الأيام وأنت تتابع أخبار لبنان، أنا أبكي دمًا.

* رئيس مجلس إدارة مجموعة بروموسفن القابضة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها