النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11852 الأحد 19 سبتمبر 2021 الموافق 12 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:06AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:37PM
  • العشاء
    7:07PM

كتاب الايام

تطاول السياسة على الحضارة

رابط مختصر
العدد 11758 الخميس 17 يونيو 2021 الموافق 7 ذو القعدة 1442

عندما نشر سامويل هنتنجتون كتابه المثير للجدل وكثير من الخوف «صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي» تصادم القراء فيما بينهم حول فحوى الكتاب ومغزى الكتاب، والظاهر والباطن مما يحمله الكتاب وما يهدف إليه. والذي جعل من الكتاب موضوع سجال حاد ونقاش ساخن هو في الأساس مؤلف الكتاب وموقعه الأكاديمي ونشاطه السياسي ونظرياته في السياسة، المؤلف سياسي ومفكر محافظ، بروفيسور في جامعة هارفارد يدرس العلوم السياسية، وعلى صلة وثيقة بمراكز القرار في الولايات المتحدة الأمريكية. نظريته السياسية ينطق بها العنوان المكون من جملتين يجمعهما واو المعية، وواو المعية بمثابة أداة شرطية تؤدي إلى نتيجة، بمعنى واضح وأدق فإن «صراع الحضارات» شرط من أجل «إعادة تشكيل النظام العالمي». وبهذه القراءة للعنوان، والذي يؤكدها مضمون الكتاب، فانه يمكن إعادة كتابة العنوان على الشاكلة التالية «إعادة تشكيل النظام العالمي يقتضي الدخول في حروب بين الحضارات». لسنا في هذا المقال بصدد قراءة في الكتاب، بل استخلاصا لبعض المعاني المتناقضة من موضوع الكتاب. إن التاريخ الفاصل بين نشر الكتاب والغزو الأمريكي لأفغانستان والعراق وفتح باب جهنم على الدول العربية تحت عنوان «الربيع العربي»، واليوم الاستعداد الأمريكي لخوض صراع حامي الوطيس ضد روسيا والصين، تعكس نظرية هنتنجتون المتضمنة في الكتاب بجلاء تام، رغم أن المؤلف تراجع عن نظريته، ولكن النظرية، ومنذ تفعيلها، قد تخطت حدود النظرية واخترقت الواقع بالتنفيذ العملي المحسوس. وبدقة التعبير الاصطلاحي فإن الذي قدمه المؤلف في هذا الكتاب اقرب إلى «خريطة عمل» منه إلى «النظرية». إن نظرية هنتنجتون، أو بالأصح شرطه لتحقيق الهدف الأسمى «إعادة تشكيل النظام العالمي» هو الحرب، والحرب بمعناه العام، أي خوض جملة من الحروب المترابطة دون إعطاء فرصة لزمن الاستراحة والاسترخاء حتى لا تضيع الفرص، وهذا هو منطق النظرية. من أجل إعطاء النظرية القيمة المكنونة في النتيجة، وهي نظام عالمي جديد تحت إدارة السلطة الأمريكية بامتياز وبتفرد، كان لا بد للمؤلف أن يعيد تعريف الحرب بما هو أعظم وأشمل وأكثر تأثيرا، فاستقر رأيه على كلمتي «صراع أو صدام» و«حضارات»، أي أن الأمر يبدو طبيعيا من المنظور التاريخي في إطار المفهوم العام للصراع الذي هو أحد الجوانب المستمرة في علاقة الإنسان بالإنسان، والذي لا يعنى الحرب بالضرورة، إذ المنافسات بأشكالها الخشنة والناعمة هي صراعات بالمعنى المجازي. إذا فنحن أمام شأن حضاري، إذ المنافسة وتضارب المصالح واختلافات الرؤى، كلها أمور متضمنة في داخل الحضارة الواحدة وبين حضارات متجاورة. وهذا الشكل السائد من العلاقات المتبادلة والمتفاعلة بين الحضارات لا تعني الحرب ولا هيمنة طرف على طرف آخر ولا سيادة قطب حضاري على بقية حضارات العالم. بهذا البعد الحضاري، الذي أضفاه المؤلف على نظريته فإنه يبرر ما هو غير حضاري بالتعدي على ما هو حضاري. هذه النظرية التي ركبت ظهر الحضارة تختزل الحضارة في الدين والسياسة فقط، بينما الحضارة أعظم شأنا وأوسع أفقا وأعمق جذورا وأكثر عنصرا أو دعامة من مجرد عنصرين «الدين والسياسة» بين مئات العناصر التي تشكل هيكل الحضارة في كامل بنيانها وكمال روحها، واستحالة طبعها من التصادم الكلي مع حضارة أخرى، بمعنى أن مجمل دعائم أية حضارة لا يمكن، لا من الناحية النظرية ولا العملية، أن تدخل في حرب ضروس مع حضارة أخرى. فنحن إذا لسنا أمام «صراع حضارات» بل، بكل وضوح، أمام مشروع سياسي ضخم لا يمكن تحقيقه إلا بالاستعداد لخوض غمار حروب مهلكة والتأكد من التفوق النوعي في امتلاك وتصنيع وابتكار جبروت عسكري غير قابل للهزيمة، وطبعا هذا حلم مصدره الأوهام، لأن التاريخ وطبيعة الأشياء تعلمنا عكس هذا الطموح الذي يعتدي ويتعدى على جميع معادلات الطبيعة والتاريخ. يعلمنا التاريخ أن جميع الحروب نتج عنها تفاعل وتداخل بين حضارتي الطرفين، طرف في الحرب ينبهر بجوانب من حضارة الطرف الآخر، فيقتبس منه ويتفاعل معه، ويمكن أن يكون هذا التفاعل والاقتباس مدخلا للتعاون الثقافي أو التجاري أو العلمي، واليوم نرى الحروب بالوكالة بين أقطاب دول كبرى، ولكن في الوقت نفسه هناك تعاون علمي وطبي وتبادل تجاري وثقافي. من القصص التي قد تبدو في الظاهر غريبة ولكنها ثابتة في ذاكرة التاريخ أن ملوك الفرس كانوا يتغنون بأشعار الإلياذة للشاعر الإغريقي هوميروس رغم الحروب بين الفرس واليونان. والمغول بعد أن قضوا على الخلافة العباسية وتسلطوا على رقاب المسلمين وغير المسلمين في المناطق الإسلامية طابت لهم العقيدة الإسلامية فتبنوا الإسلام دينا، فصار الإسلام دين إمبراطوريتهم. العرب المسلمون بعد فتوحاتهم وإخضاع دول وشعوب لسلطان خلافتهم، انبهروا بثقافات تلك الدول وفنون شعوبها، فأخذوا منهم علوم وفنونهم وطبهم، وبرعوا في تلك الجوانب الحضارية، والتي بدورها فتحت بابا جديدا من التعاون والتفاعل السلمي بينهم. هكذا تنطق الحضارة، وهذه طبيعة الحضارة، فالحضارة ليست عقيدة جامدة ولا سياسة متقلبة ولا حتى مجرد تجارة متنقلة.

الأوروبيون في القارة الجديدة «أمريكا» بعد أن غزوها واستقروا فيها أخذوا ينبشون ويبحثون عن العناصر الحضارية الكامنة في حضارة الإنسان الأصلي في هذه القارة المكتشفة، وانتهت صفحة الحرب والغزو، وتفتحت أبواب التفاعل الحضاري، فالعدو في الحرب ليس بالضرورة عدو في الحضارة، لأن الحضارة أعظم من أن تحتويها الحرب، أو تحدد هويتها الكاملة عقيدة أو نهج سياسي أو طموح إمبراطوري. كل الحروب منذ بدء التاريخ دوافعها سياسية بحتة، وحتى الحروب العقائدية هي في جذورها سياسية، وليس للحضارة أية صلة أو علاقة، لا من قريب ولا من بعيد، بالحروب، إنما هو الإعلام السياسي الذي يرغب في تعظيم شأن سياسي، عندما يزاوج بين السياسة التي تسوغ الحرب والحضارة التي تدين الحرب.

فعندما نتكلم أو نكتب عن الحضارة فمن الواجب أن نحترمها ونقدر مقامها ومكانتها، لأن الحضارة بالمفهوم المجرد والصافي ومن حيث طبيعتها، فهي الأم الحنون الحاضنة التي تأبى على أطفالها المآسي والمعاناة، وبالنتيجة تنفر من الحرب وويلاتها. الحضارة هي الإنسان والأرض. الإنسان بماضيه وحاضره ورؤيته المستقبلية وتحضير نفسه لمستقبله، والإنسان بما يحمل من مقومات الحياة والاستمرار في الوجود، والإنسان بما يعتقد وبما يفكر، الإنسان بظنه ويقينه، الإنسان بما يعمل وينتج ويبدع، الإنسان بآماله وآلامه. والأرض بما تحمل من ثروات طبيعية في باطنها وعلى سطحها، الأرض بطبيعتها وحدودها، والأرض بما تمثله من بيت آمن وهوية مميزة للإنسان. والإنسان والأرض يجمع بينهما رباط قداسة أعمق وأبهى وأشد صلابة من جميع أشكال المقدسات، يتمسك الإنسان بالأرض مثلما يتمسك الرضيع في حضن أمه بأمه وهو يستخرج غذاءه من أعماق أرض «جسم» أمه عبر ثدي يتشبث به وحلمة حليمة يمص منها سبيل عيشه قبل أن يشتد عوده، وهذه العلاقة بين الرضيع والأم هي البذرة الأولى لارتباط الإنسان بالأرض، فارتباط الإنسان بالأرض هو امتداد لارتباط الرضيع بأمه. الحضارة هي هذه اللوحة العظيمة التي تجمع بين الأم ورضيعها، بين الأرض والإنسان.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها