النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11801 الجمعة 30 يوليو 2021 الموافق 20 ذو الحجة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

(2 - 3)

تجربة مراد

رابط مختصر
العدد 11757 الأربعاء 16 يونيو 2021 الموافق 6 ذو القعدة 1442

لا يغرد الكبار بعيدا عن التاريخ، فأسراب الطيور تقلع على هيئة جماعات، مجتمعات كاملة، وتهاجر من مهجر إلى محجر، ومن مفر إلى مستقر، في البدء كان الغوص، وفي البدء كان النفط، وفي المنتهى رحلة ذهاب مفعمة بالذكريات، ومحمولة على أسنة الدفاع الشرعي عن الطموح، مراد علي مراد، أو «التشيرمان» أو رئيس مجلس إدارة بنك البحرين والكويت في كتابه الذي يؤسس لأدب السير الذاتية من بوابة السرد التاريخي لحياة شخصية مصرفية ارتبطت بواقعها وبلادها، مثلما اعتكفت على مهنيتها، تعيش من خلالها التحدي، وتنتصر عليه، وتكابد معه مرار اللحظات الصعبة ثم تعود وتهزم مفترق الطريق، تتناسل مع الجهد والعرق، ثم تنجب في النهاية اسما لامعا، وتاريخا ناصعا، وتجربة حياة اسمها مراد علي مراد.

في قراءتي السريعة للكتاب، وفي مطلع مقدمة السيرة العملية، وجدت السيد مراد مستغنيا وغير مكتفٍ بخصوصية مساره، رأيته مرتبطا بواقعه، مستعينا به، ومتواصلا معه، وجدت الرجل متفانيا في عشق هذا الوطن، وفخورا بما أنجزه القادة العظماء منذ عصر المغفور له الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة حاكم البحرين منذ زمان اكتشاف النفط في عام 1932، ومنذ «بابكو» التي عاش فيها بدايات الإدارة وكيف يجب أن تكون، ومسارات المبتدأ عندما يكون مفعما بالخبر في التو واللحظة، أما المبتدأ فكان ذلك الريعان الذي يتعلم فيه فنون الصفوف الأمامية منذ المهد من التجربة، والخبر هو الذي نعيش معه ونحن نستمتع بقراءة السلاسة في كتاب الذكريات.

النظام المهني والانضباطية في «بابكو» كانت محط أنظار أبوعلي، وكان شديد الارتباط والإعجاب بتجربة الشركة العملاقة وهي تكتب تاريخا مع أهم رجالات البحرين، كونها النواة الأولى للعمل الإداري في البلاد.

منذ «تشيس مانهاتن بنك»، وحتى محطة البنك الأهلي التجاري السعودي، جرت مياها غزيرة، اختلفت البحرين وصارت في ثمانينات القرن الماضي محط عبور فائقة الجودة للأموال والخدمات المصرفية، وكان مراد علي مراد ثاقب البصيرة، متداخلا ومتدخلا ومتابعا لكل شاردة وكل واردة، حتى أصبح جزءا من نسيج كان واضحا من بداياته أنه سيكون الشأن كله، وأنه الألق الجميل ضمن منظومة اجتازت التحديات بمهارة الربابين المهرة.

وجاءت الرياح عنيفة لتطيح بالكثير من الأعمال بفعل الحرب العراقية الإيرانية، وكان بنك البحرين والكويت يعيش مرارة الحرب، وتداعياتها، بل إنه واجه تحديا من نوع جديد، حاصرته الخسائر بعد النجاحات وخيم على أعماله التراجع بعد النمو الكبير، وكان لا بد رغم التصنيف الائتماني المتراجع لدول المنطقة بفعل تلك الحرب من العثور على ربان ماهر يستطيع قيادة السفينة مستخدما بوصلة القراءة المتأنية للمتغيرات، وبالفعل وعلى ما أذكر أن وزير المالية والاقتصاد الوطني آنذاك إبراهيم عبدالكريم كان قد أعد العدة ضمن وزارة قوية وعليمة ببواطن الأمور الإقليمية والدولية بضرورة أن تكون على رأس بنك البحرين والكويت شخصية قادرة على إطفاء الخسائر، وعلى التحول التدريجي للأرباح رغم ضبابية المستقبل، وعدم وضوح المصير، وبالفعل صدرت القرارات في يناير من العام 1987 بأن يتولى المهمة أحد أسود المرحلة، الذي قبل التحدي بروح مفعمة بالإيمان، والإصرار على مواجهة الصعاب، بل بالعزيمة والتجرد، بالانتماء والاستغناء، وأذكر أنني في تلك الأثناء التقيت بأبي علي صدفة في شارع التجار بسوق المنامة القديم، هنأته بالثقة الغالية، لكنني دعوت له بالتوفيق في تلك المهمة الصعبة، رد عليّ بابتسامة رقيقة تلفها ثقة خفية بنفس مطمئنة، ورؤية واضحة بأن ضي القناديل لن يضل مجراه والرجل متجها بشجاعة المقاتلين نحو الشارع الطويل.

يقول مراد إن المحطة التالية حسب وصفه كانت آخر المطاف، الـ«B.B.K» وما أدراك ما الـ«B.B.K»، منافسة مع الكبار، كبير في سوق الصيرفة التجارية، مجد مصرفي أوشك على الأفول، وجاء مراد علي مراد فوق حصان أبيض لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

لم يكن الطريق مفروشا بالورود، ولا الأماني مفعمة بخوالي الأيام، لكنها الدقة في لملمة المتبعثر من أوراق، والمتصدع من عمليات، والمتراجع من أرباح، هي صورة طبق الأصل لهرم مقلوب تباعدت حجارته، واضطربت زواياه، وتماهت قدرته، وكان لزاما على مراد، أن يلم الشمل، ويعيد البنيان المرصوص، ويضمد جراح المرحلة، فهل نجح؟ وهل كانت غرفة العمليات جاهزة للجراحة العاجلة؟ هذا ما سوف يجيب عنه مراد من خلال كتابه «تجربة مراد».

يتبع...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها