النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11795 السبت 24 يوليو 2021 الموافق 14 ذو الحجة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:30AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:29PM
  • العشاء
    7:59PM

كتاب الايام

مشيناها خطى كُتبت علينا

رابط مختصر
العدد 11757 الأربعاء 16 يونيو 2021 الموافق 6 ذو القعدة 1442

قال الشاعر أبوالعلاء المعري (363-449هـ) (973-1057م) أحمد بن عبدالله بن سليمان القضاعي التنوخي المعري، الشاعر والمفكر والنحوي وأديب عصر الدولة العباسية، ولقب برهين المحبسين، أي محبس العمى ومحبس البيت، وذلك لأنه قد اعتزل الناس بعد عودته من بغداد وحتى وفاته، في قصيدته التي قال فيها: 

مشيناها خطى كُتبت علينا 

ومن كُتبت عليه خطى مشاها 

ومن كانت منيته بأرض 

 فليس يموت في أرض سواها 

واعتبرت من عيون الشعر العربي وكانت استاذتي في الأدب المقارن بكلية الآداب قسم اللغة العربية والدراسات الإسلامية بجامعة الكويت في السبعينات الشاعرة الكبيرة نازك الملائكة، من رواد الشعر الحر في العراق أو شعر التفعيلة، ولدت في بغداد 23 أغسطس 1922 وتوفيت في القاهرة 20 يونيو 2007، تستشهد بعيون الشعر العربي في عصوره المتعددة وكان من بين الشعراء الذين كانت تعتز بالقراءة لهم أبوالعلاء المعري، والمعري في هذه القصيدة من خلال مطلعها يعيشنا في تجربة الحياة التي عاشها وكأنه في الواقع يحدثنا اليوم عن ما نمر به من قلق ومن وضع لا نحسد عليه عالميًا، وإن كان الوضع الذي كانوا هم عليه لم يصل بعد إلى ما نحن عليه اليوم من تقدم مذهل في تكنولوجيا الاتصال، ولكن تجربة الحياة لكل واحد منا هي تجربة تتكرر في كل زمان وآن، وإن كانت الذاكرة أحيانًا تعجز أن تلم بكل التفاصيل والأحداث. 

أظن أن من يقرأ أبيات المعري يشعر في داخله بالرضا النفسي كون ظروف الحياة التي نمر بها وقد نمر بها تدفعنا إلى التأمل والتمعن والحرص على الصبر والتحمل، وأن من واجبنا تجاه أهلنا وأصدقائنا ومعارفنا أن نواسي بعضنا بعضًا وأن نزرع الأمل والتفاؤل فيما بيننا؛ لأن مصاعب الحياة إذا ما تكالبت وتضخمت فإنها تترك الأثر البالغ في نفسية المرء وتجعل صدره ضيقًا حرجًا، مصداقًا للآية الكريمة «فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقًا حرجًا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون» سورة الأنعام الآية 125. 

والظروف الصعبة التي تمر بها الأمم أو الشعوب أو الأفراد تترك بلا شك الأثر البالغ على مجريات الحياة الطبيعية، فنشكر الله على نعمائه؛ لأن غياب ولو شيء يسير فيما اعتدنا عليه يجعل وكأن الحياة صعبة أن تُعاش والتحلي بالصبر والحكمة من نعم المولى سبحانه وتعالى علينا، والنعمة دائمًا تحتاج إلى شكر وعرفان وإنزالها المكانة التي تستحقها. 

كنا ونحن شبابًا يافعين ومازلنا في مراحل التعليم المبكرة نرى الأجداد والآباء يكدون ويكدحون من أجل لقمة العيش، وهم في أعمار متقدمة لم يعرفوا بعد نظام أو أنظمة التقاعد المتعارف عليها في أيامنا الحالية، فقد كانوا يؤمنون بأن من واجبهم تأمين الحياة لأسرهم، ومادام في العمر بقية والصحة تسمح بالبذل والعطاء فقد كانوا لا يشعرون بالراحة النفسية، إلا من خلال العمل وتأمين العيش الكريم، مع شعورهم بضرورة التكاتف والتعاون مع المجتمع، كان المسجد يجمعهم على عبادة الخالق سبحانه وتعالى مع إيمانهم بأن العقيدة تجعلهم أكثر أمانًا في تطيب العيش المشترك، كما كانوا يشعرون بأهمية أن يسأل بعضهم عن البعض إذا ما غاب عن فروض الصلاة في المسجد أو الجامع وكان ذلك بمثابة الواجب تجاه بعضهم بعضًا.. 

في العمل كانوا إخوة استفادوا من خبرات بعضهم بعضًا.. أتذكر أنه في أثناء عطلة الصيف الدراسية عزمت أنا والصديق والأخ الراحل أحمد بن سعيد بن عبداللطيف الودعاني الدوسري رحمه الله وأسكنه فسيح جناته أن نعمل في المنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية فترة العطلة، وأن نلجأ إلى بيت أخيه خالد الدوسري في منطقة صبيخة بالخُبر وننطلق بعدها للحصول على وظيفة، وكان لديه أقرباء يعملون في ميناء الملك عبدالعزيز بالمنطقة الشرقية، وبالفعل توفقنا في الحصول على الوظيفة في الميناء بعد تجاوز امتحان القبول لنعمل على تسجيل انزال البضائع من البواخر العالمية إلى الفرضة تمهيدًا لإيصالها إلى التجار والمستوردين في عموم المملكة العربية السعودية الشقيقة، وكان العمل بالنسبة لنا جديدًا ولم يسبق أن عملنا فيه، ولكن بمساعدة الإخوة زملاء العمل السابقين استطعنا بالفعل أن نجيد العمل والاتقان فيه لدرجة أن الشركة التي كنا نعمل لصالحها زادت من أجرنا اليومي بعد أن وجدوا فينا الكفاءة، والفضل طبعًا في ذلك يعود الى التوفيق من الله سبحانه وتعالى و إلى زملاء العمل وحرصهم على نقل الخبرة والمعرفة لنا ولم تكن لديهم أية حساسية في أن نجيد عملنا وأن نتقنه، ومازلت والحمد لله أقدر فيهم هذه الروح الطيبة والتفاني في خدمة الزملاء وشعورهم بالمسؤولية تجاه الأشقاء. 

سنظل نشعر كما شعر المعري رهين المحبسين بأننا: 

مشيناها خطى كُتبت علينا 

ومن كُتبت عليه خطى مشاها 

وعلى الخير والمحبة نلتقي..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها