النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11922 الأحد 28 نوفمبر 2021 الموافق 23 ربيع الآخر 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:42AM
  • الظهر
    11:25AM
  • العصر
    2:25PM
  • المغرب
    4:45PM
  • العشاء
    6:15PM

كتاب الايام

إيران.. حاجز القلق الدائم والمستمر

رابط مختصر
العدد 11756 الثلاثاء 15 يونيو 2021 الموافق 5 ذو القعدة 1442

منذ القِدَم وإيران هي المصدر الأساس للتوتر في المنطقة، وازداد الأمر تعقيدًا بعد سقوط نظام الشاه ونجاح (آية الله الخميني) في تأسيس (الجمهورية الإسلامية الإيرانية) عام (1979م) لتكون أول دولة شيعية في منطقة الشرق الأوسط لها كيانها وقوتها منذ عام (1171م)، وسعت بكل جهدها للمحافظة على الكيان الديني الجديد، وضمان استمرار نظام ولاية الفقيه في تنفيذ مشروع السيطرة والتمدّد في الخليج العربي والجزيرة العربية وتصدير مبادئ الثورة الخمينية التي حرص الأوروبيون على رعايتها بتقديم الدعم اللا محدود إلى (آية الله الخميني) الذي جاء على رماح القوة الأوروبية التي قادتها فرنسا آنذاك لينفِّذ مشروعًا أزليًا لدى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية قائمًا على المبدأ الاستعماري التاريخي (فرِّق تَسُد)، وذلك بالتخطيط لإحداث الفرقة بين المسلمين، وتحجيم الإسلام السُّني الذي وجد طرق سالكة للانتشار في كافة أنحاء العالم لمبادئه السمحة وعقيدته العادلة. 

فها هي طهران في القرن الواحد والعشرين، والتي كانت في صراع مع الإمبراطورية الرومانية للسيطرة على العالم القديم، تعمل على استعادة أمجاد امبراطوريتها الفارسية لتتحكَّم بالمنطقة ككل، وتربطها بعُقد سحرية طائفية يصعب تفكيكها بعد أن ضخَّت الأموال الطائلة بشكل لامحدود، وضحَّت بجنرالاتها وحرسها الثوري في المعارك الدائرة في المنطقة، من أجل تحقيق عالمية وانتشار أهداف الثورة الخمينية في بقاع الأرض، والتي عبَّر عنها المرشد الأعلى آية الله الخميني بعد نجاحها بقوله «إن إيران ستصدِّر الثورة إلى كل العالم حتى يعلم الجميع لماذا قامت الثورة الإسلامية كحل لمشكلات العالم». 

وبقراءة التاريخ، وتحليل أحداث الحاضر، يتبيَّن أنه لم يعد ممكنًا التعايش مع النظام الإيراني الحالي سواء على المدى القريب أو البعيد، لأسباب عديدة، أهمها الآتي: 

الأول: إصرار إيران على تنفيذ مبادئ ثورة الخميني، والعمل على التمدّد الشيعي الذي ليس له حدود، خصوصاً في دول الجوار الإقليمي والدول العربية؛ لتثبيت نظام ولاية الفقيه كنظام إقليمي جديد مُعترف به من قبل الدول الكبرى والمجتمع الدولي، وذلك بحسب الدستور الإيراني، وإعلان المسؤولين الإيرانيين بأن ثورة الحوثيين في اليمن هي امتداد للثورة الخمينية، وأن ثلاث عواصم عربية (بيروت ودمشق وبغداد) أصبحت اليوم بيد إيران، حيث عملت إيران على نشر عقيدتها ومذهبها من خلال خَلق فوضى داخلية في المجتمعات العربية تقوم على تأجيج الطائفية والخلافات القبليّة ودعم وتوجيه الأقليات الشيعية في الدول العربية وخاصة القريبة من الحدود الإيرانية، واستغلالها تحت شعارات التحرر من الظلم الاجتماعي والفساد ودعم قضايا حقوق الإنسان وحرية التعبير الذي تؤكده يوميًا تصريحات القوى الراديكالية الإيرانية ودعواتها إلى إسقاط الأنظمة العربية واستبدالها بجمهوريات إسلامية. 

ثانيًا: العقدة الفارسية الأزلية من الإسلام، وتداعيات سقوط الإمبراطورية الفارسية وتهاويها سياسياً ودينياً على يد العرب في معركة القادسية عام (636م)، حدا بإيران إلى التخطيط لاستعادة الأمجاد الفارسية الضائعة بأن تكون لها اليد العُليا والنفوذ والسيطرة على منطقة الخليج العربي ومنطقة الشرق الأوسط ككل، وتتحكَّم بخيوط اللعبة السياسية والاقتصادية كما تشاء بمباركة ودعم أوروبي وأمريكي كامل، بدا واضحًا في الاتفاق النووي في (يوليو 2015م). 

لذلك كلّه، وبعد أن ضخَّت إيران ملايين خيالية من الدولارات وخسرت ما خسرت من حرسها الثوري وخبرائها النوويين والسياسيين في المعارك الدائرة في (العراق، سوريا، اليمن، لبنان..)، فمن غير المعقول أن تتخلَّى إيران عن أهدافها التوسعية القائمة على استراتيجية سياسية شفافة وواضحة لا تقبل التراجع أمام السياسة الأمريكية التي أصابت الحلفاء التاريخيين للولايات المتحدة في المنطقة بالإحباط والحيرة بسبب التصريحات الإعلامية التي اتسمت بالوضوح التام في محاولة للحفاظ على شعرة معاوية في العلاقات بين الجانبين، وبالغموض في التصرفات الحقيقية خلف الكواليس، أشعرتهم بأنهم أمام سياسة أمريكية جديدة تقوم على: منح إيران دور إقليمي بارز في منطقة الشرق الأوسط، وتقديم الوعود البرَّاقة لدول مجلس التعاون بالوقوف معها أمام الأطماع الإيرانية وعدم السماح لإيران بتهديدها أو التدخل في شؤونها الداخلية، حتى توالت وتعدَّدت الاجتماعات الأمنية بين الجانبين الخليجي والأمريكي في هذا الإطار، وحشد فيه الجانبان الخليجي والأمريكي خبراءهما السياسيين والأمنيين لوضع الخطط الأمنية والدفاعية لكيفية التعامل مع إيران واحتواء تصرفاتها وتهديداتها غير المسبوقة، لتخرج بعض دول المجلس بخفّي حُنين، حيث إن خطط الإدارة الأمريكية في حقيقتها هي التآمر لإسقاط الأنظمة الخليجية القائمة، ولا علاقة لذلك بتلبية طلباتها بتزويدها بالسلاح التي ربطتها بمدى احترام حقوق الإنسان فيها، رغم الاستثمارات الخليجية الهائلة التي ضختها دول مجلس التعاون لإنقاذ الاقتصاد الأمريكي والمساهمة في خفض نسب البطالة في الولايات المتحدة. 

وبقراءة متأنية لواقع العلاقات الثنائية الخليجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، تتبيَّن لنا صورة مشوشة وغير واضحة تلك العلاقات؛ نظراً لاختلاف الرؤية والأهداف لدى كل دولة من دول المجلس وفقاً لمصالحها الآنية بسبب عدم وجود التزام حقيقي لسياسة موحَّدة رغم كل بيانات القمم الخليجية على مدى أكثر من أربعين عامًا، والتي كانت دائماً ما تتحدث عن سياسة واستراتيجية موحَّدة سواء مع الولايات المتحدة أو مع إيران. 

فما زالت تعاني دول مجلس التعاون من التدخل الإيراني السافر والمستمر في شؤونهما الداخلية، وقيام إيران بتهريب الأسلحة والمتفجرات وتدريب ودعم العناصر الإرهابية لزعزعة الأمن والاستقرار وإثارة النعرات الطائفية، في الوقت الذي تعقد فيه الولايات المتحدة اجتماعات سرية متعددة مع إيران حول ملفها النووي في إحدى دول الخليج دون علم بقية حلفائها من دول المجلس!! 

وأمام هذه المواقف السياسية المتباينة سواء لدول مجلس التعاون أو الولايات المتحدة الأمريكية، وأمام توالي وتصاعد التطورات والأحداث والصراعات الطائفية التي تقودها إيران في منطقة الخليج العربي بعد ضعف الموقف العربي نتيجة بروز قوى عربية صغيرة استغلَّت الوضع لتحقيق أهداف تفوق طاقتها بالتحالف مع الإخوان المسلمين الذين وجدت فيهم الولايات المتحدة ضالتها لتحقيق نشر الديمقراطية المطلوبة في الشرق الأوسط ودول مجلس التعاون، تتأكَّد للمتابع الحقائق المهمة الآتية: 

أولاً: سعي إيران والولايات المتحدة الأمريكية إلى إحداث حالة من الانقسام والشكوك في العلاقات الخليجية – الخليجية في محيطها الداخلي، بهدف تفكيك وانهيار مجلس التعاون كمنظومة إقليمية لها مكانتها ودورها في المنطقة كآخر منظومة عربية ناجحة ومتماسكة ولها دور ولو بسيط جدًا في الحفاظ على سيادة واستقلال أعضائها الستة. 

ثانيًا: التعاون الأمريكي الإيراني الذي يعمل على تأكيد قيادة إيران لمنطقة الخليج العربي ومحيطها الإقليمي في العراق وسورية وفلسطين واليمن بعد توقيعها الاتفاق النووي مع مجموعة (5+1)، ودعوتها إلى إنشاء (منظمة التعاون الاقتصادي)، بين إيران ودول مجلس التعاون وهي الفكرة التي طرحها الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد في القمة الخليجية عام (2007م) بالدوحة كبديل عن مجلس التعاون. 

ثالثًا: تراجع أوضاع المواطنة الخليجية والعمل الخليجي المشترك الذي لم يُحقق التكامل الاقتصادي المطلوب بعد مرور أكثر من أربعين عامًا على إنشاء مجلس التعاون، لانشغالات جانبية متعدّدة بدلاً عن التركيز على تعزيز النشاط الاقتصادي الذي هو عنوان وأساس قيام مجلس التعاون، وإيجاد الحلول لتحقيق أهداف وبرامج المواطنة الخليجية، ما كان له أكبر الأثر في عدم إعلان الاتحاد الخليجي الذي دعا إليه المغفور له خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود في القمة الخليجية (32) التي عُقدت في الرياض في (ديسمبر 2011م)، تحت أعذار منطقية جداً تقدَّمت بها بعض دول المجلس بضرورة استكمال المواطنة الخليجية أولاً قبل الموافقة على قيام الاتحاد الخليجي المُخطط له أن يكون على غِرار الاتحاد الأوروبي. 

وأصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون على إدراك تام بما يجري حولهم من تهديدات وأخطار تتطلَّب التماسك والتضامن والاتحاد، فقد كانت لهم رؤى عميقة تقدَّموا بها وأقروها في القمم الخليجية السابقة، فهناك أفكار للملك الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز، ودراسة اقتصادية لسمو أمير دولة الكويت وسمو أمير دولة قطر، ورؤية لجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين التي بُحثت في قمة الكويت عام (2008م)، وتم إقرارها في قمة أبوظبي عام (2009م) وأُطلق عليها (رؤية البحرين). 

وجميع تلك الرؤى تتطلَّب من معالي الأمين العام للمجلس الدكتور نايف الحجرف العمل على تنفيذها بتحريك الأجهزة التنفيذية في الأمانة العامة لمجلس التعاون وتحقيق هذه الرؤى والأفكار على أرض الواقع، التي من المهم الاستنارة بها وتنفيذها لتقريب وجهات النظر وازالة معوقات العمل السياسي والاقتصادي للمجلس، خصوصًا وأنها عالجت الكثير من القضايا التي تنصبّ في تطوير مجلس التعاون وتفعيل أدائه على مستوى العمل الخليجي المشترك لاستكمال المواطنة الخليجية، ووضع الخطط العملية والاستراتيجيات ووسائل تنفيذها على المستويات الأمنية والدفاعية والعسكرية، وكيفية التعامل بسياسة خليجية موحَّدة أمام التهديدات والأخطار التي تحدق بدول الخليج كإيران والحوثيين وانعكاسات الأزمة السورية والأزمة اليمنية، وصياغة التعاون المستقبلي مع المجموعات الاقتصادية الكبرى في كافة أنحاء العالم. 

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها