النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11860 الإثنين 27 سبتمبر 2021 الموافق 20 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:09AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:55PM
  • المغرب
    5:30PM
  • العشاء
    7:00PM

كتاب الايام

أحياء الرفاع الشعبية .. ألقاب وأدوار ..

رابط مختصر
العدد 11756 الثلاثاء 15 يونيو 2021 الموافق 5 ذو القعدة 1442

سؤال طالما راودني ولاحقني وأرقني في فترة يناعة الطفولة إبان أواخر الستينيات من القرن الماضي وأنا لم أزل بعد أتهجى بقدمي الطريتين الحافيتين في الغالب طرقات وأزقة أحياء الرفاع الشرقي المتجاورة المتراصة البسيطة التي يقطن بيوتها البسطاء من الناس الذين تنفتح قلوبهم قبل أبوابهم على بعضهم البعض وكما لو أن الرفاع برمتها بيت واحد وأسرة واحدة وهمّ واحد: لماذا نولد بإسمين؟ لماذا أغلبنا إن لم نكن كلنا نحمل ألقابًا تتبع أسمائنا الأصلية؟ هل ولدنا ونحن مرشحون لأدوار نلعبها في مسرح الحياة من خلال اللقب الذي أسبِغ على أسمائنا؟ هل المحيط الاجتماعي الذي وُجدنا فيه هو من يقترح هذه الأدوار؟ ولماذا بعض الألقاب التي أسبغت علينا من بعض أفراد الحي ومتنفذيه تظل ملازمة لبعضنا إلى أن تصبح لقبًا معتمدًا في جوازه؟ ولماذا مثل هذه الألقاب لا تبرز أدوارها إلا في الأحياء البسيطة؟ هل هذه الأحياء مسارح أعدت لأدوار نلعبها مرغمين على خشباتها المفتوحة في الساحات والبراحات والخرائب التي تنغمر بها؟.

 ألقاب وأدوار من المؤكد أن وراءها مخرجين متنفذين في الأحياء وإن كانوا على قدر كبير من البساطة والتواضع في الوعي والثقافة والتربية والمنشأ، وهؤلاء المخرجون يرسمون هياكل هذه الأدوار وفق شكل وهيئة وسلوك ومزاج الشخصيات التي يمنحونها هذه الألقاب والأدوار، فإذا كانت الشخصية قصيرة القامة فإن الدور المسند إليها يليق بحجمها وإذا كانت العكس فلها دور آخر وإذا كانت هذه الشخصية يبدو عليها الفزع من أي شيء فلها دور يليق بذلك وإذا كانت الشخصية ضعيفة البنية فيُسند إليها دور يليق بهذه البنية وإذا كانت فوضوية السلوك فيُسند إليها دور يليق بذلك السلوك، وإذا كانت عصبية متوترة فلها ما يناسبها أيضا من الأدوار، وإذا كانت عصبية متوترة فلها ما يناسبها أيضا من الأدوار، وإذا كانت على مستوى شاطح في المغالاة والمبالغة حد الكذب المفضوح فلها من الأدوار ما يتسق مع طبيعتها، وغالبًا ما تنجو الشخصيات المتنفذة من هذه الألقاب والأدوار، والويل كل الويل لمن ينعتها بصفة أو يسند إليها دورًا غير محبب بالنسبة إليها، فمصيره ليس أقل من كيل ألقاب وإسناد أدوار جديدة من شأنها الحط من شخصيته واستصغارها أكثر. 

 هذه الأدوار تصبح مع الأيام أنماطًا ملازمة لهذه الشخصيات إلى أن يأتي الوقت وتعتق هذه الشخصيات نفسها من هذه الأدوار، خاصة ما إذا أصبحت غير لائقة عليها أو لم تنطبق عليها كما كانت في الطفولة مثلاً، وبعض هذه الأدوار النمطية مثيرة للضحك أحيانا من اسمها، ومستحبة كثيرًا لدى البعض وبعضها مثير للسخرية وغالبًا ما تكون هذه الشخصية في حالة من الحرج إذا ذكر لقبها أو دورها أمامها أو أمام ابناء الحي، بل أن بعض هذه الأدوار تصبح الأسماء الفعلية الحقيقية لهذه الشخصيات إلى درجة أن يتم التعرف عليها من خلال اللقب لا الاسم، وهذا يحدث في المدرسة وحتى في المجالس والعمل، ذلك أن فعل سطوة الأحياء الشعبية في مثل هذا الأمر أكثر تأثيرًا من الفعل الرسمي الذي يحدد اسمك وتاريخ مولدك سواء في المستشفيات او وزارة الصحة أو في إدارة الجوازات والهجرة، خاصة وأن الأحياء الشعبية هي بيئة الملتقى الأول قبل البيت، ومصيرك مقرون بها يوميًا في الاحياء والساحات والملاعب ومراتع الألعاب وصحبتك للأقران، بل أن بعض الأطفال يكتسبون أكثر من لقب ودور، فلهم في كل حي لقب ودور وكما لو أنهم مُنحوا فرصة للخروج والتمرد على الدور النمطي الذي تلبس بعض أقرانهم لفترة طويلة وبعضهم لمدى الحياة.

وهناك بعض الشخصيات التي عشتها وشاهدتها وراقبتها في أحياء الرفاع تلبست أدوارًا بمجرد ذكرها ينتابك الخوف والفزع، فهي اسم على مسمى، وتخشى حتى من ذكرها كي لا تكون اللحظة والآن أمامك وفي مواجهتك، وربما تُذكر في السر أكثر من العلن، خاصة تلك الشخصيات التي تتحين الفرص للانقضاض على الفريسة من خلال ممارستها المحترفة للدهاء والخبث.

 وهناك شخصيات شاع ذكر أدوارها بين أبناء الأحياء كلها في الرفاع، نظرًا لقوتها البدنية ودفاعها عن المستضعفين وخاصة الأطفال والناشئة، وغالبًا ما يحتمي بها ويلجأ إليها من تم تهديده من قبل بعض خبثاء الأحياء الذين ينتهزون فرصة لابتزازهم الأخلاقي، مثل هؤلاء الشباب الحماة غالبًا ما يتم الاعتماد عليهم من رجال ونساء هذه الأحياء لحماية أبنائهم من الأباليس.

 وهناك شخصيات اكتسبت ألقابها وأدوارها المحببة من خلال مشاركتها في الاسكيتشات والتمثيليات التي تنظم في الأندية الصغيرة في الأحياء، ومن بينهم نادي الكوكب الذي ينظم فعاليات فنية بكثافة إذا ما قورن بالأندية الأخرى في الرفاع، فهذا النادي منحه مخرج الحي الكابتن والفنان الراحل حسن الزلاقي الكثير من الأدوار الشعبية الكاريكاتورية التي لازمت بعض شخصياته لفترة طويلة، وهنا نرى مدى تأثير هذا المخرج على أبناء الحي وكما لو أنه بفعله هذا يمنحهم صك الاسم الدور والهوية.

وهناك أسماء اكتسبت أدوارا خرافية ظلت معها لفترة طويلة أيضًا، مثل أم حمار، أو كلبة الغايلة أو غيرهما، فبمجرد سماع اسمهم ينتاب الاطفال الخوف والهلع، وغالبًا ما تكون هذه الشخصية متخفية في أدوارها، يعرفها البعض القليل ويشك في وجودها الكثير، ولكنها تمكنت من أن تكرس هذا الدور في رؤوسهم ونفوسهم. 

وفي مثل هذه الأحياء يوجد أيضًا من يمنح أدوارًا لشخصيات غير موجودة أيضًا، فيصبح هذا المانح بمثابة الراوي لهذه الشخصيات في غيابها، وغرضه من ذلك تخويف بعض الأطفال أو تنبيههم لتصرف طائش أو غير سوي مارسوه في الحي أو في بيوتهم. 

وتتعدد هذه الألقاب والأدوار لتصبح أحياء الرفاع الشعبية كلها مسرحًا يتشكل من الحياة نفسها وبفعل أبنائها، ولأصبح أنا اليوم شاهدًا على هذا المسرح الشعبي الذي عشته وتلبست بعض أدواره.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها