النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11852 الأحد 19 سبتمبر 2021 الموافق 12 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:06AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:37PM
  • العشاء
    7:07PM

كتاب الايام

ســــــــوق البلاهــــــــــة..!

رابط مختصر
العدد 11756 الثلاثاء 15 يونيو 2021 الموافق 5 ذو القعدة 1442

يقول صديقنا المبدع الراحل خالد البسام «انتشرت البلاهة عندنا إلى درجة أن أصبحت فنًا من الفنون الجميلة»..!، ويقول إدوارد غاليليو «صناعة الكذب تعيش على سوق البلاهة»، أما الكاتب ميلان أنديرا فقد حاول تحديد البلاهة بما يراه معنى حديث للبلاهة فكتب «البلاهة لا تعني الجهل، وإنما الأفكار التي تنطوي عليه الأفكار الجاهزة»، وربما من هذا المنطلق قال جان كوكتو «إن مأساة عصرنا، هي أن البلاهة تفكر»، وربما من هذه الزاوية ذهب بعض المفكرين إلى القول إن مسألة البلاهة اليوم ليست قضية جهل ومعرفة، وإنما هي قضية اللافكر الذي يحسب نفسه فكرًا..!

البلاهة في قاموس المعجم الوسيط - على سبيل المثال - تعني ضعف في الرأي وتشتت الفكر والعقل، والأبله هو من تغلب عليه الغفلة، وفي معجم الرائد نجد أن الأبله هو الشخص الذي ضعف عقله وغلبت عليه الغفلة، وشرد تفكيره، وقل تمييزه، وهناك من عرف البلاهة بأنها تعني الجهل والحماقة والغباء وكل ما هو نقيض النباهة، وهذه تعني الفطنة والذكاء والوعي والإدراك.

لماذا نتحدث عن البلاهة والبلهاء في هذا الزمن الذي تجاوزت فيه بلاهة البعض كل الحدود؟ الأسباب كثيرة، وفي هذا السياق يحضرنا ذلك الذي دأب على تقديم نفسه باعتباره صحافيًا وإعلاميًا بحرينيًا حين ظهر في موقع إلكتروني عبري معلنًا بصورة بلهاء لا تخطر على بال الصهاينة الموغلين في صهيونيتهم، أن الصهيونية تعني البناء والسلام وجلب الفرح للبشرية، ومضى إلى القول «لا أحد سيسكتنا بعد اليوم بالقول إننا صهاينة، بل يمضي الى القول الغريب والمثير للسخرية بأن كل البحرينيين صهاينة ويقاتلون نفس العدو..!»، والعدو برأيه وبرأي من على شاكلته هو من يقاوم من الفلسطينيين، ومن يقاوم هو الإرهابي، والتعاطف معه جريمة، ولا يخجل هو وغيره من إظهار الشماتة المقززة بمصاب أهل فلسطين، وكأنهم يرقصون على جراح الشعب الفلسطيني وبسالته وصموده، كتلك التي تفوهت بها إحداهن في أكثر من تغريدة فجة ومستفزة حين وصفت المقاومين الفلسطينيين بالخونة والإرهابيين ومن يدعمهم هو إرهابي مثلهم، وإذا كان هؤلاء ينظرون إلى حماس بمنظار معين، نقول لهم اختلفوا مع حماس كما تشاؤون، هذا من حقكم، ولكن أهل غزة الذين قدموا تضحيات جسيمة ليسوا كلهم حماس، والمقاومة لا تختزل في حماس بل هي في أطياف واسعة من الشعب الفلسطيني في كل مناطق الأراضي المحتلة، وغزة بكاملها تعرضت من الكيان العدو لهجمة بربرية حاقدة أفرزت كارثة أخلاقية وإنسانية لا يمكن تبريرها ولا قبولها ولا استجداء الأعذار لها مهما كانت درجة الخلاف مع حماس أو رفضها بالمرة..!

جاءت الردود العنيفة على تلك المزاعم البلهاء وغيرها من تلك القلة التي تصهينت وأعلنت عن صهيونيتها ودافعت عنها كافية لتبيان حقيقة موقف البحرينيين من الصهيونية، وهي ردود ترجمتها تلك الفعاليات والوقفات الشعبية التضامنية التي شهدتها الساحة البحرينية مع الشعب الفلسطيني ونضاله، ومن جهة أخرى في تلك الردود التي توالت في مواقع التواصل والتي شددت على أن أولئك يتحدثون عن أنفسهم وحسب، وأكدت بأنه ليس من المقبول أن يتحدث أحد باسم شعب البحرين، ولا ينسب نفسه له ابتداء ليروج هذه الأكاذيب ويشرعن الاحتلال، وقال أحد البحرينيين المنتمين لهذه الأرض «أنا باعتباري بحريني لم أفوض المدعو (....)، ولا أقبل بأن يتحدث باسمي ويزعم بأن كل البحرينيين صهاينة»..!

للعلم أو التذكير، الصهيونية التي تنسب إلى جبل صهيون في القدس هي باختصار شديد حركة سياسية يهودية عنصرية متطرفة تدعو للهجرة إلى أرض فلسطين بدعوى أنها أرض الآباء والأجداد، والاستيلاء على أكبر مساحة ممكنة من أرض فلسطين التاريخية بأقل عدد ممكن من أهلها الفلسطينيين، فكيف يمكن أن يكون كل البحرينيين صهاينة..؟! إنه طرح أبله، بل يكفي القول إنه إسراف في البلاهة حين يحاول قلب الحق إلى باطل..!

نعود إلى البلاهة، نجدها في أوساط بعض ممن امتهنوا صفات معينة هم غير جديرين بها، يظهرون أنفسهم كما لو أنهم يمتلكون رصيدًا فكريًا من العيار الثقيل لا ينتهي، منهم من دأب على تقديم نفسه بصفته محللاً او ناشطًا سياسيًا او حقوقيًا، وهناك من يروج لنفسه بصفته إعلاميًا، مفكرًا، خبيرًا، صفات حسب الطلب، أو المناسبة، أو الهدف، منهم من جعل ذلك وسيلة ارتزاق، أو وسيلة لمآرب أخرى، يحاولون أن يكون لهم حضور وأي حضور، يفتون في كل شأن وأمر، يرون بأن الصدارة تليق بهم، منهم من يتصنع المفهومية والعظمة، فيما هم في الواقع يمثلون حالة من الارتباك والغموض، والبلاهة حين يعتقدون بأن الناس تصدقهم..!

لا ننسى أن هناك صورًا أخرى من صور البلاهة والبلهاء نجدها في أقوال واستعراضات بعض مرضى «هوس الشهرة» ممن فرضوا أنفسهم باعتبارهم من نجوم السوشيال ميديا، ومنهم من نصبوا أنفسهم أوصياء على المجتمع، وجعلوا من أنفسهم الواعظين الناصحين الأمناء المحافظين على المجتمع وشؤون وأحوال أبنائه، ومنهم من يظهر نفسه وكأنه يمتلك الحقيقة واليقين في كل شأن وأمر، منهم من له أهداف مبطنة أسوأها وأخطرها تلك التي يراد منها نشر الفرقة وإحداث شرخ في نسيج المجتمع البحريني، ونجدها كذلك في ممارسات بعض النواب، في كثير من اقتراحاتهم، في كثير من تصريحاتهم، في كثير من مواقفهم، في نرجسيات بعضهم إلى حد إظهار بعضهم كما لو أنهم يحتكرون الحكمة فيما هم مجرد نرجسيات خاوية لا تنتج أكثر من تأكيد ذاتها، نواب ابتليت بهم الساحة البرلمانية على مدى كل الفصول التشريعية، ابتعدوا عن جوهر العمل البرلماني، وتفرغوا لما هو دون ذلك بكثير، تابعوا، ودققوا، واحكموا..!

صحيح إن هناك من هو أبله على طريقته، أسلوبه، لكنهم جميعًا يشتركون في عشق البلاهة، إلى درجة أن البلاهة باتت صناعة، حالها كحال التفاهة والاستهبال وتجهيل الناس والاستخفاف بهم والتلاعب بعقولهم وعواطفهم، إنهم باختصار «كورونا من نوع آخر»..!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها