النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11858 السبت 25 سبتمبر 2021 الموافق 18 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:10AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:55PM
  • المغرب
    5:31PM
  • العشاء
    6:47PM

كتاب الايام

تجربة مراد 1-3

رابط مختصر
العدد 11750 الأربعاء 9 يونيو 2021 الموافق 28 شوال 1442

كان ذلك في أواخر العام 1982، عندما قادتني «محاسن الصدف» إلى مكتب هذا الرجل بالمنطقة الدبلوماسية «الجديدة»، كان الهدف إجراء حوار صحافي ليس إلا، تعارف عن قرب ربما، وربما التقاط بعض التصريحات الصحافية العابرة لأسعار النفط عندما انهارت وتأثيراتها على الوضع المصرفي عمومًا وعلى المضاربات المحمومة التي كان يشهدها الريال السعودي آنذاك.

دخلت إلى البنك الأهلي التجاري السعودي حيث الفرع الأكبر لأكبر بنك عربي في ذلك الوقت، وكانت في استقبالي بالقرب من المدخل غرفة تبادل العملات «بيع وشراء» أو ما يطلق عليها بـ«الديلنج روم»، وكان يجلس في وسط «العمليات» شاعر بحريني أعرفه منذ كنت بالقاهرة أتعاطى مع شعراء المرحلة وأحاول أن أكون جزءًا من نسيج لم يكن لي خيار آخر إلا أن أشكل معه حكاية عمر.

ألقيت عليه السلام وكان في استقبالي بحرارة إبراهيم بوهندي، تعانقنا، تحادثنا، وأنا أبدي استغرابي بوجود شاعر مهم داخل «ديلنج روم» في بنك، فرد عليّ بخفة ظله، وبشاشته المعهودة، ولماذا تعمل أنت بالصحافة الاقتصادية رغم أنني أعرف أنك «مجرد شاعر»؟ ضحكنا من كل قلبنا واصطحبني الصديق بوهندي إلى مكتب المصرفي الكبير مراد علي مراد الذي كان على ما يبدو في بداية أو منتصف طريق «البطولات»، فإذا به يستقبلني بابتسامة رقيقة، وسلام حميم، ونظرة دافئة اعتدت عليها من أهل البحرين الأكرمين، خاصة من الرعيل الأول الذي ذاق الأمرّين حتى بلغ ما بلغه من نجاح، وحقق ما حققه بالجهد والعرق والدموع.

تعارفنا لأول مرة وجلست أمام الأستاذ مراد، لأستمع إليه، أسأل بتأنٍ وربما بخجل وهو يجيب بعمق، أقاطعه أحيانًا ولكن بتردد، وهو لا يتردد في أن يبادلني المقاطعة بعلم غزير، وكياسة، ولباقة، ومهنية فائقة.

بعد نحو الساعة انتهى اللقاء، وأظن أنني كنت قد خرجت بصيد ثمين، حيث حديث «أبو علي» لم يكن يخلو من الأخبار المهمة، مثلما لا يخلو من التحليلات المتعمقة، كان الرجل ومازال يجمع بين مقتضيات المهنة، وعناصر الإبداع في التفكير، لم يكن إبراهيم بوهندي وحده شاعرًا أو روائيًا لا يشق له غبار، لكن على ما يبدو أنني كنت أمام مصرفي مبدع لن يشق له غبار.

مرت سنوات طويلة منذ ذلك اللقاء الذي مازال يحفر في ذاكرتي الكثير من الانطباعات، والمثير من الحكايا والسجايا، والمتجلي في أتون الذكريات، حتى قادتني «محاسن صدف» أخرى إلى هذا الكتاب «مراد» وجيل من المثابرة في التألق، سيرة ذاتية يرويها إبراهيم بوهندي، فتحت الكتاب وكلي شغف بأن أقرأ، ماذا يا ترى يحمله هذا المؤلف؟ كيف خرج فارس الصيرفة عن صمته الطويل؟ وكيف أن إبراهيم بوهندي قد تمكن بشاعريته المفرطة أن يقنع المصرفي الكبير بالكلام، بل وبالكلام عن نفسه وهو شديد الخجل، لا يتحدث أبدًا عن نفسه؟ 

فتحت الكتاب الذي يقع في 355 صفحة وربما أكثر فإذا بي أجد في استقبالي إبراهيم بوهندي أيضًا وبعد مرور أكثر من 38 سنة على استقباله لي أول مرة، لكن هذه المرة لم يكن جالسًا أمامي في مركز صناعة القرار بـ«ديلنج روم»، ولم يكن يتابع أسعار صرف العملات خاصة «الريال السعودي» وغيره من العملات، لكنه استقبلني بكلمات تخطت إهداء «مراد علي» إلى أمنا البحرين الغالية، إلى أولئك الرجال الذين قهروا أمواج البحر، إلى تلك السواعد التي حفرت في الصخر، إلى تلك الروح التي أسهمت في بناء نهضة البحرين، إلى أبناء ذلك الزمن الجميل وكل من سار على نهجهم.

ولأن الاستقبال كان حميميًا والترحاب أصبح من شيم الأكرمين، فإن مقدمة بوهندي أبت ألا أن تفتح أمامي «فتحًا مبينًا» عندما أصبحت المقدمة جزءًا من كيان، وبات لزامًا على كل المارين بتريث، أو هؤلاء المارقين على عجل، أن يقرأوا للروائي الكولمبي الشهير «غابرييل غارسيا ماركيز» في بداية مذكراته بعد أن حصل على نوبل في الآداب عام 1982 «ليست الحياة ما عاشه المرء، بل ما يتذكره وكيف يتذكره ليرويه»، هو تمامًا ما شجع الكاتب لكي يحفر في الذاكرة ليس لالتقاط الأنفاس، أو للاستراحة على محطات لابد منها، إنما لاصطياد المشاهد التي تحن بها عليه الذاكرة، أو التي تحن بها على صاحبها مراد علي مراد وهو يسرد «تجربة حياة» مبتدئًا بالتاريخ، ومرتبطًا بالجغرافيا، ومنتهيًا إلى الكثير من جوانب المهنة منذ محطة «بابكو» إلى محطة الرفيق «نور الدين عبدالله نور الدين»، إلى تشيس مانهاتن بنك الأمريكي حيث تزاملا، إلى حسن بن علي جمعة الذي التحق بالبنك ذاته لاحقًا ثم إلى بنك البحرين الوطني مع الإداري الأمريكي «جون هاوس»، ثم العودة إلى «غابرييل غارسيا ماركيز» الذي لم ينسحب من مشهد الذكريات، ولم يختف من شاشة الحكاوي، حيث كلماته وهو يتذكر، لم تكن كباقي الكلمات، ومشاهداته وهو يعيد النظر، لا تتشابه ربما مع تلك التي يعيشها عندما كان يرويها.

 

يتبع...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها