النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11861 الثلاثاء 28 سبتمبر 2021 الموافق 21 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:11AM
  • الظهر
    11:29AM
  • العصر
    2:53PM
  • المغرب
    5:28PM
  • العشاء
    6:43PM

كتاب الايام

مجلس التعاون الخليجي.. ذكرى التأسيس

رابط مختصر
العدد 11749 الثلاثاء 8 يونيو 2021 الموافق 27 شوال 1442

بهدوء شديد مرَّت الذكرى الأربعون لتأسيس مجلس التعاون الخليجي، وسط ترقّب وانشغال وقلق تعيشه المنطقة بسبب جائحة كورونا التي تعصف بالعالم منذ ما يقارب العامين، إلا أن هذا لا يمنع من استعادة تلك اللحظة التاريخية من يوم الإثنين الموافق (25 مايو 1981م) في العاصمة أبوظبي حين أُعلن عن قيام (مجلس التعاون لدول الخليج العربية) الذي عشتُ اجتماعاته التحضيرية لحظة بلحظة بين (الرياض والطائف وخميس مشيط) لبحث نظامه الأساسي، وشهدتُ إدراك وزراء خارجية دول المجلس لحجم المسؤولية التاريخية والتحديات والمخاطر التي تواجه بلدانهم في تلك الفترة، والسعي الجاد لتوحيد صفوف الإمارات الخليجية وتثبيت مواقفها تجاه التهديدات المحيطة بها. 

فوُلد مجلس التعاون بتوقيع القادة المؤسسين على نظامه الأساسي في القمة الخليجية الأولى التي عُقدت في مدينة أبوظبي، وتمَّ اختيار الرياض مقراً له، والدبلوماسي الكويتي عبدالله يعقوب بشارة أمينًا عامًا واستمر في هذا المنصب حتى (مارس 1993م)، فكانت ولادة المجلس أكبر إنجاز سياسي واقتصادي عربي ضمَّ أغنى الدول العربية في منظومة واحدة، مما أدى إلى إحداث تغيير واضح في معادلة التوازنات والتكتلات السياسية العربية والتأثير على القرار العربي على الساحة العربية والدولية وتوجيهه بما يخدم مصالح دول مجلس التعاون، وقد شبَّه عرَّاب السياسة وأمير الدبلوماسية العربية المغفور له الأمير سعود الفيصل وزير خارجية المملكة العربية السعودية منظومة (مجلس التعاون لدول الخليج العربية) بـ (الوقت) الذي يسير دائمًا إلى الأمام، فلا مجال لتراجع هذه المسيرة المباركة إلى الخلف، وكان رحمه الله محقاً فيما ذهب إليه، فمجلس التعاون يعتبر أهم وأنجح تجربة عربية أكَّدت استقلال (الخليج العربي) ووحدته الوطنية، وحفظت دوره الإقليمي والدولي، ومكَّنته من مواجهة التهديدات والأخطار المحدقة به من كل جانب. 

وتاريخيًا فإن منطقة الخليج شهدت هيمنة سياسية بريطانية تولَّت إدارة العلاقات الخارجية للمشيخات بموجب المعاهدة العامة للسلام بين حكّام الخليج والإمبراطورية البريطانية عام (1820م) والتي أشرفت على تطبيق أحكامها وأهدافها (شركة الهند الشرقية) تحت غطاء حفظ الأمن والسلام في الخليج العربي وعدم مهاجمة السفن البريطانية؛ ليخلق الانسحاب البريطاني من المنطقة في (30 نوفمبر 1971م) أجواء مشحونة بالتوتر والقلق، خاصة بعد ظهور النفط وتحوّل الخليج العربي إلى محط أنظار وأطماع الدول الكبرى في العالم نظرًا لمركزه الاستراتيجي في طريق الملاحة التجارية الدولية وما يملكه من ثروة نفطية طائلة؛ وتجدد المطالب الإيرانية بالبحرين، واحتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث، ما دفع أمراء وشيوخ الإمارات المستقلة عام (1971م) والتي دخلت في عضوية الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية للبحث عن آليات جديدة لبناء هيكل آمن وجديد للأمن الخليجي، فكان (الاتحاد التساعي) الذي سقط بسبب التهديدات الإيرانية الشاهنشاهية في السبعينيات كمرحلة أولى، ليأتي بعده تأسيس (مجلس التعاون لدول الخليج العربية) ليشكّل ترجمة واقعية لحالة أمنية خطيرة جدًا على كيانات واستقلال دول مجلس التعاون. 

وعند القراءة السريعة لتاريخ الخليج الحديث، نجد أنه شهد أحداثًا سياسية وأمنيّة خطيرة جدًا خلال العقود الثلاثة الأخيرة، وهي (حرب الخليج الأولى) بين العراق وإيران، و(حرب الخليج الثانية) التي احتل فيها الرئيس العراقي صدام حسين الكويت، و(حرب الخليج الثالثة) التي احتلت فيها الولايات المتحدة الأمريكية الأراضي العراقية، كما أن الأحداث العالمية لم تكن بعيدة بتأثيراتها على منطقة الخليج العربي، خصوصًا بعد اتخاذ الولايات المتحدة الأمريكية من هجمات (سبتمبر 2001م) ذريعة لإحكام السيطرة على منطقة الشرق الأوسط، بتنفيذ خطة (الثورة الخلاَّقة) لتشكيل (الشرق الأوسط الجديد). 

وجميع تلك الحروب والأحداث المؤسفة أنهكت اقتصاد المنطقة، لما استدعته الحاجة لصرف مبالغ طائلة في تلك الأحداث، لو صُرف أقل من نصفها على التنمية الاقتصادية وتطوير البنى التحتية وتمويل خطط التنمية الجماعية مع دول الجوار الإقليمي لأمكن تجنب تلك الحروب، ولتحقَّقت خطوات إيجابية لتثبيت الأمن والاستقرار في المنطقة وإقامة علاقات حُسن جوار ومنع التدخل في الشؤون الداخلية، وضمان مصالح كافة الأطراف تحت مظلة العيش المشترك والتعاون الوثيق التي ستنهي بلا أدنى شك حقبة تاريخية من الأطماع والصراعات، ليشابه ذلك الوضع المأمول الحال الذي وصلت إليه دول الاتحاد الأوروبي التي أنهت بقيام الاتحاد حقبة من الحروب والدماء وأغلقت صفحاتها للأبد لتبدأ حركة التغيير التاريخي المتجّه بجدية وحماس للمستقبل عبر النظر إلى الأمام المشرق. 

وفي هذا الإطار، ومن واقع خبرتي العمليّة الطويلة في العمل السياسي والدبلوماسي الذي بدأته منذ السبعينيات في فترة دقيقة جدًا من تاريخ البحرين والخليج العربي، وعملي سفيرًا لدول مجلس التعاون لدى الاتحاد الأوروبي في مملكة بلجيكا عام (2000م وحتى 2006)، ومن ثم تعييني وكيلاً لوزارة خارجية مملكة البحرين مسؤولاً مسؤولية مباشرة عن ملف مجلس التعاون وعلاقاته الإقليمية مع ملفات اخرى تتعلق بالاتحاد الاوروبي ومبادرة استنبول حتى (مارس 2015م)، أعتقد أنه حان الوقت بعد التفاهم الذي تم في قمة العلا مؤخرًا ( يناير 2021) لاستكمال دعائم الأمن والاستقرار لدول مجلس التعاون وضمان حمايتها من التهديدات القريبة والبعيدة، والتصدّي لانعكاسات التدخّل في شؤونها الداخلية، وهذا يستدعي الآتي: 

العمل على تطوير مجلس التعاون وعلى إدماج دوله وتكاملها ومراجعة نظامه الأساسي، ووضع أسس جديدة لتعامله مع الواقع السياسي والأمني العالمي والإقليمي الجديد، خاصة بعد الأزمة القطرية التي عصفت به. 

النظر في عملية توسيع مهام وصلاحيات الأمانة العامة بما يتماشى والتطورات المتسارعة، عبر منحها صلاحيات تنفيذية، واعتبار الأمانة وأمينها العام مفوضية على غرار النظام في الاتحاد الأوروبي الذي أعطى المفوضية ورئيسها تفويضًا وقرارات تنفيذية على الدول في غير القضايا ذات السيادة كالدفاع والأمن والعدل والسياسة النفطية. 

استئناف المحادثات مع (المغرب والأردن) -التي توقفت نتيجة تداعيات الأزمة القطرية- لضمّهما تدريجيًا إلى منظومة مجلس التعاون الخليجي، فقد بدأت تلك المحادثات فور موافقة المجلس الأعلى في قمة الرياض في (ديسمبر 2011م) على دراسة مجالات التعاون المشترك معهما من أجل بناء علاقات متميزة وشراكة استراتيجية خاصة، خصوصًا مع تشابه نظمها السياسية مع دول المجلس، وفي ظل ما يربطهما مع دول المجلس من روابط الأخوة والدين والمصير المشترك، حيث يشكِّل التعاون معهما عمقاً استراتيجياً مهماً لمواجهة كافة التحديات التي تمرّ بمنطقة الخليج العربي. 

البحث عن صيغة مناسبة للتعاون مع جمهورية مصر العربية كدولة لها أفضلية أولى عن غيرها من الدول. 

بحث إنشاء منطقة رخاء اقتصادي واجتماعي مشترك مع دول الجوار الإقليمي، قائم على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية وبناء جسور من الثقة للعلاقات أساسه إنهاء الخلافات الحدودية خاصة مع إيران حول الجزر الإماراتية المحتلة إما ثنائياً أو عن طريق محكمة العدل الدولية؛ لتجنب الصراعات والحروب في المنطقة وحفاظًا على المنجزات الحضارية لدول المنطقة كافة. 

بحث الرؤى والأفكار التي قدَّمها أصحاب الجلالة والسمو قادة دول مجلس التعاون بشأن تطوير وتفعيل المجلس وأداء أجهزته، وذلك من خلال تشكيل لجنة متخصصة تقوم بإعداد دراسة شاملة لتطوير المجلس بالاستفادة من تلك الرؤى والأفكار لتفعيل دور المجلس سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا وعسكريًا، على أن تكون هذه الدراسة قابلة للتنفيذ وتنصبّ في تنشيط المجلس وتعزيز دوره داخليًا وخارجيًا ورفع مكانته وتأثيره على القرار الدولي والإقليمي. 

فمن أجل التكامل الخليجي، وتحقيق المواطنة الخليجية، وتنمية العلاقات الخليجية الإقليمية والدولية، وحفظ أمن واستقرار المنطقة، وتأمين مصالح دول الخليج، لابد من بقاء واستمرار مجلس التعاون كمنظومة مستقلة لها مكانتها الدولية والإقليمية ودورها الفاعل في التأثير على القرار الدولي ومستقبل المنطقة بما يتفق ومصالحها، حيث إن الأوضاع الخطيرة التي يشهدها العالم تتطلَّب وقفة جادة لإعادة ترتيب البيت الخليجي على أُسس جديدة وواضحة تتلاءم والظروف السائدة حاليًا. 

المحلل السياسي للشؤون الإقليمية ومجلس التعاون

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها