النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 12142 الأربعاء 6 يوليو 2022 الموافق 7 ذو الحجة 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:17AM
  • الظهر
    11:42AM
  • العصر
    3:08PM
  • المغرب
    6:34PM
  • العشاء
    8:04PM

كتاب الايام

روح المؤسســـــــة

رابط مختصر
العدد 11744 الخميس 3 يونيو 2021 الموافق 22 شوال 1442

يتضمن المصطلح الإجرائي للمؤسسة موقعًا جغرافيًا أو إلكترونيًا يضم نظامًا تراتبيًا وسياسات واستراتيجيات وخطط عمل وعمليات يقوم بها شخص أو مجموعة من الأشخاص. ولفترة ليست ببعيدة كانت الإدارات المؤسسية في أغلب دول العالم تعتني بمدخلات ومخرجات المؤسسة من خلال الاهتمام بنظام العمل وسياساته وتطوير خططه واستراتيجياته، في الوقت الذي فيه قد تهمل هذه المؤسسات الموظف الذي يعتبر مجرد منفذًا لتلك الخطط والسياسات، فمتى ما كانت الخطط والسياسات جيدة فإن إنتاجية المؤسسة تكون جيدة بحسب ما كان سائدًا.

 وفي مطلع تسعينات القرن المنصرم بدأ الاهتمام يتزايد بموضوع العناية بالموظف، حيث أدركت بعض المؤسسات بأن عليها الاهتمام بعناصرها البشرية كونها هي القوة المحركة الأساسية لعمل المؤسسة، وليس الأنظمة أو الاستراتيجيات والتي مهما كانت جيدة إلا أنها لن تكون فعالة ما لم يُعتنَ بمن سينفذها. وبدأت منذ ذلك الوقت تظهر العديد من المصطلحات في مجالي الإدارة والقيادة، كالإدارة بالأهداف والقيادة بالتحفيز والقيادة التحويلية وغيرها من تلك المصطلحات التي تبحث عن مكامن تفعيل النشاط العقلي والجسدي لدى الموظف خدمة لأغراض المؤسسة. إلا أن الكثير من تلك المحاولات لا تزال لم تؤتِ ثمارها بالشكل المتوقع لكونها لا تزال بعيدة عن روح الموظف والذي يعتبر هو ذاته روح للمؤسسة فحينما تموت أرواح الموظفين تموت المؤسسة. وذلك أمر لا شك فيه بحيث إن انطفاء شعلة الطاقة الداخلية للموظف يعني انتهاء إنتاجيته. 

 إن العناية بالموظفين لا تعتبر مجرد مهمة من مهام المؤسسة والتي تبتغي منها النجاح والتميز بين باقي المؤسسات، بل إن تلك المهمة هي مهمة سامية وراقية تبدأها المؤسسة من الموظف ولأجل الموظف أولًا ومن ثم يتحرك الموظف بدافع ذاتي لخدمة المؤسسة في نوع من التبادل في العطاء مع مؤسسته لأنه يمتلك ولاء لها وهو ما يؤدي بالنتيجة إلى أن تنجح المؤسسة وتتميز لأنها غذت أرواح موظفيها وأشبعت رغباتهم الداخلية العميقة مما يؤدي إلى أن يبذل كل موظف فيها قصارى جهده لخدمة أغراض المؤسسة وصيانة أهدافها واستمرارية تبوأها مواقع متقدمة بين باقي المؤسسات.

 والسؤال المهم هنا هو: كيف للمؤسسة أن تُحيي الروح المهنية للموظف إن كانت طرق التحفيز والدافعية والمكافأة والتشجيع المادي لم تعطي النتائج المرجوة في كثير من الأحيان؟ وما السبب في ذلك أيضًا؟

 إن أنظمة التشجيع والتحفيز القائمة على المكافآت المادية فقط للموظفين تعتبر بمثابة أنظمة للتحفيز الذي يأتي من خارج الموظف وليس من داخله بحيث تصبح الممارسات الوظيفية للموظفين تتحرك بدوافع ذاتية وليس خارجية، فتلك المحفزات الخارجية لها مفعول مؤقت لا يتجاوز حدود المكافأة الجسدية لكونها تنشط الناقل العصبي الدوبامين لديهم والذي يمنحهم شعور بالنشوة قصيرة المدى وسرعان ما يعاودون إلى أدائهم المنخفض. وهو ما يؤدي إلى أن تكون المؤسسة مضطرة إلى أن تضع نظام تشجيع ومكافآت مستمر لترضي إدمان الموظفين على تلك المكافآت المادية. كما أن الكثير من المؤسسات تخسر موظفيها الأكفاء لأنهم وجدوا لدى مؤسسة أخرى نظام مكافآت مادي يمنحهم جرعات أعلى من الدوبامين. وما انتقال الموظفين اليوم من مهنة إلى أخرى إلا طلبًا للحصول على المزيد من تلك المادة المحفزة على النشوة الوقتية. 

وهنا تأتي أهمية تبني المؤسسات لنظام مكافآت أكثر ذكاء والذي يعتمد على حركة إنجاز ذاتي في العمل لدى الموظفين تلك الحركة المعتمدة على الإفراز الذاتي الداخلي للدوبامين والسيروتونين كمواد بيوكيميائية تتسبب في نشوة وراحة ذاتية ليعملوا بنظام مكافآت روحي ذاتي وليس مادي خارجي. والسؤال المهم هنا هو: كيف يمكن القيام بذلك؟

 إن اكتشاف القيمة العليا الكامنة في قلب الموظف والتي تمثل أهم ما يلامس روحه ويجذبه للقيام بأمر ما لهي المفتاح الذي يفعل طاقاته الروحية ليتحرك حركة إنجاز وظيفي ذاتية دون الحاجة إلى تحفيز مادي خارجي. وهو ما يتطلب أن تختبر المؤسسة القيم العليا لكل من يتقدم لوظيفة لديها وتُسكّنه في القسم أو مجال العمل الذي يرتبط بتلك القيمة، وهو ما يضمن أن ينتج الموظف وينجز بأعلى طاقة ممكنة دون الحاجة إلى تحفيز مادي لأن حركته في العمل ستصبح حركة روحية ذاتية يغذيها شغفه بما يمارسه من مهام يرتبط بها قلبيًا. وهنا إن افترضنا أن جميع الموظفين يعملون بأرواح مفعلة فإن المؤسسة سوف تحيي روحها وتتميز بين باقي المؤسسات كونها راعية لروح الموظف وصائنة لها، وهو ما يعني أنها تعتني بروحها وتلك هي أهم مقومات القوة والاستمرارية والتميز بين باقي المؤسسات.

مختص وباحث نفسي اجتماعي

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها