النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11858 السبت 25 سبتمبر 2021 الموافق 18 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:10AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:55PM
  • المغرب
    5:31PM
  • العشاء
    6:47PM

كتاب الايام

التعلــــــيم عــــن بُعـــد

رابط مختصر
العدد 11739 السبت 29 مايو 2021 الموافق 17 شوال 1442

لا شك أن عالم ما قبل الجائحة لن يكون العالم ذاته بعدها، فلقد ثبت أن النظام الرأسمالي - الذي سعى من خلال العولمة إلى تفكيك الدول، وتهميش دور الدولة الوطنية والقومية، وإلغاء الحدود الجغرافية لصالح الاقتصاد الحر- يتراجع الآن لصالح عودة دور الدولة الوطنية دولة حامية وراعية لمواطنيها في مجالات الصحة والتعليم والإسكان.

هذا فضلاً عن أن العولمة فرضت تحديات جديدة تمثلت في تراجع دور الأسرة في التنشئة الاجتماعية للأطفال، في ظل مظاهر وسائل التواصل الاجتماعي والميديا عمومًا، وتراجع دور المدرسة عن القيام بدورها التربوي والثقافي.

ما يهمّنا هنا رؤية الأكاديمي المصري شبل بدران عن أثر جائحة كورنا في العودة إلى التفكير في «التعليم المستمر»، والتعليم المستمر في رأيه ينحصر في تعليم المتعلم كيف يفكر ويبحث، بنفسه عن المعرفة في مصادرها الواسعة والمتنوعة، وهذا النوع من التعليم سيغيّر بنية النظام التعليمي القائم: من وظيفة نقل المعرفة وتلقينها وحشو ذهن المتعلم بها ومن ثم استرجاعها، إلى تكوين الشخصية القادرة على التفكير النقدي المستقل، وإعمال العقل في ما تتعلمه من مصادر التعلم العديدة في ظل ثورة المعرفة والمعلومات.

لكن على الرغم من الجائحة التي داهم العالم، فإن الحكومات العربية لم تفكر في التعليم المستمر؛ وذلك لأنه تعليم قائم على فلسفة وأهداف غير موجودة في نظمنا التعليمية العربية المعاصرة، وانحصر الاهتمام بـ«التعليم عن بُعد» و«التعليم أونلاين» وغيرهما من الصيغ التعليمية التي لم تؤتِ ثمارها في عملية اللتعليم والعلم على مستوى العالم.

أما سلبيات التعليم عن بُعد في البلدان العربيىة، فإنه قد أخلّ بمبدأ تكافؤ الفرص وديمقراطية التعليم. وأظهر التفاوت الطبقي والاجتماعي بين فئتين: من يمتلكون وسائل الرفاهية والتمكن من وسائل التواصل الاجتماعي واللجوء إلى الدروس الخصوصية في المنازل، ومن لا يملكون أبسط مقومات الحياة، وهم في الغالب من الفقراء والكادحين الذين لا يقدرون على التعليم عن بُعد ولا يسعون إليه أساسًا، وهكذا أصبح التعليم عن بُعد وسيلة للقادرين والميسورين، هذا فضلاً عن أن الانتقال الفجائي من التعليم النظامي الحضوري إلى التعليم عن بُعد أحدث اضطرابًا كبيرًا لدى الفاعلين التربويين، أساتذة وطلابًا وأولياء الأمور وحكومات، لعدة اعتبارات؛ أولاً ان ضعف الامكانات المادية لدى العديد من الأسر العربية يحُول دون الاستفادة من الفرص المتاحة في التعليم الإلكتروني عن بُعد، كما أن تعدد الأطفال في هذه الأسر يعوق الحصول على هذا النوع من التعليم بسبب احتياج كل طفل إلى جهازه الخاص، وبسبب استخدام حاسوب واحد - إن وُجد أصلاً - من قبل جميع أفراد الأسرة.

وأشارت اليونسكو إلى أن 95% من الأطفال في النرويج يملكون حاسوبهم الخاص، في حين تنخفض هذه النسبة إلى 5% في إندونيسيا.

وثانيًا عدم ارتباط العديد من الأسر الفقيرة سواء في المدن أو الريف بشبكة الإنترنت، والمعلوم ان الحق في التعليم - كحق إنساني - بات يرتبط بالحصول على الإنترنت، وهو أمر يتعذر على نحو اكثر من 50% من الأسر العربية. وثالثًا عدم تعود نسبة كبيرة من الأطفال على توظيف التقانة الرقمية والإلمام بمهاراتها، وهذا ما يحُول دون متابعتهم التعليم عن بُعد، ودون الاستفادة من فرص التعليم الإلكتروني.

ورابعًا انتشار الأمية الأبجدية والرقمية في صفوف العديد من الآباء والأمهات، وهذا يحُول دون أن يساعدوا أولادهم في التعليم.

إن جائحة كورونا التي اجتاحت العالم ومازالت، قيدته في المنازل، وألزمته بإجراءات احترازية محددة، وجعلتنا نعيش عولمة جديدة في أنماط السلوك اليومي والعمل، لكنها قدمت إلينا فرصة كي نعيد الاعتبار إلى المدرسة والأسرة والمعلم والمنهج الدراسي، وهي مكونات لم يلحق بها أي تطور أو تحسن خلال تلك الجائحة، بل استمر الجدل محصورًا بـ«العودة إلى المدرسة أو البقاء في المنزل» وبتوظيف بعض تقنيات التعلم الجديدة، والواضح أن تلك الأوضاع سوف تستمر إلى ما بعد زوال الجائحة من دون تعديل أو تطوير.

والسؤال الذي يطرحه هنا هو: هل التعلم عن بُعد سوف يحل المشكلة؟

ووفقًا لتصوّره الجواب كلا؛ لأن هذا النوع من التعلم بالإضافة إلى مفاقمته حالة اللامساواة وعدم الجاهزية في البلدان العربي، فإنه يثير تساؤلات فلسفية واجتماعية واقتصادية عميقة، ويثير مخاوف من حصول تغييرات اجتماعية غير مدروسة وغير مسبوقة في موقع المدرسة العلمية التعليمية، وإذا كانت هناك ضرورة ملحّة لإدخال تغييرات على النظام التعليمي التقليدي، يجب أن تكون في اتجاه تقوية دور المدرسة لا إضعافها وتفكيكها؛ لأن المدرسة هي المكان الذي يجب ان يجد فيه الأطفال والطلاب الأمان والمساحة للحركة والإبداع، والتنشئة الاجتماعية القائمة على قيم المواطنة وحقوق الإنسان.

ولأن عملية التعليم والتعلم لا تتم من فراغ، وإنما تتم داخل المؤسسة التعليمية لما فيها من تفاعل اجتماعي وثقافي، ذلك لأن مهمها لا تنحصر في اكساب المتعلمين المعلومات والمعارف، بل هي المجتمع الصغير الذي يتعايش فيه الطلاب ويفكرون معًا ويتأملون معًا في حياتهم وظروفهم ومستقبلهم.

التكنولوجيا ليست بديلاً عن الإنسان؛ لأنه لن يكون في استطاعة الإنترنت أو التعليم عن بُعد او التعليم أونلاين أو «شبكبات التلفزيون التعليمية» نفسها أن تزرع في نفوسنا وفي نفوس طلابنا القيم الإنسانية النبيلة والمشاعر والعواطف.

نحتاج دائمًا إلى دفء الاتصال الشخصي والإنساني، وذلك عن طريق الأسرة ومن خلال وجود معلم يثير في نفوس طلابه القيم والرموز الغالية التي تضيء العقول والقلوب، وتدفع مسيرة الإنسان نحو التقدم الحقيقي الذي يحقق سعادته نحو بناء مجتمع العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص.

ستظل المدرسة والمعلم هما حافظ القيم الإنسانية والثقافة الوطنية والهوية في المجتمع، ولا شك في أن تلك وظيفة غالية الثمن، ولن تستطيع التكنولوجيا أو التقدم العلمي تجاوزها، وإذا كانت الجائحة بدّلت الأدوار والوظائف على مستوى الدول والحكومات، فإنها في مجال التربية تعيد الاعتبار إلى الأسرة في عملية التنشئة الاجتماعية وإلى العلاقات الإنسانية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها