النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11794 الجمعة 23 يوليو 2021 الموافق 13 ذو الحجة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    2:29AM
  • الظهر
    11:44AM
  • العصر
    3:12PM
  • المغرب
    6:29PM
  • العشاء
    7:59PM

كتاب الايام

عن أي نصر يتحدثون؟؟

رابط مختصر
العدد 11738 الجمعة 28 مايو 2021 الموافق 16 شوال 1442

 في أول ظهور له بعد الدمار الهائل الذي أحدثته الآلة العسكرية الإسرائيلية، قال رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية «حماس»، اسماعيل هنيه، بمناسبة ما أسماه انتصارًا إلهيًا مقتديًا في ذلك بوصف رفيقه في الخط «الجهادي» حسن نصرالله عندما دكت القوات الإسرائيلية عام 2006 بيروت عن بكرة أبها: إنه يتوجه بالشكر إلى إيران التي دعمت حماس بالمال والسلاح والتقنيات. وكان هنية شخصيًا غائبًا عن حضور مشهد عمليات هذا الدمار الشامل يمضي أوقاته في ربوع الدوحة بعيدًا عن سماع صرخات الأمهات ومشاهدة هلعها وهي تستمع إلى استغاثات أطفالها تخرج من تحت الأنقاض مكتفيا بكثير من التسوق من «مولات» الدوحة وبعض الدعاء لهذه الهبة السماوية التي ستضاعف أرباح الإعمار وتجارة السلاح وتهريب المواد الأساسية والمضاربة فيها، والتي ستجعل خزين الخطابة والشعارات الجوفاء ينتعش ليتجلى خطبا رنانة تشحذ عزائم أهل غزة وتدعوهم إلى أن يصبروا ويصابروا ليلقنوا بأشلائهم المتناثرة مع حطام بيوتهم درسا في الشجاعة ونكران الذات لعدو غاشم.

 جميل، بلا شك، أن يتحقق نصر على إسرائيل وأن يحتفى بهذا النصر ويتهادى الناس التهاني به على أرض فلسطين، فلهذه الأرض التي تحتضن بيت المقدس مكانة في قلوب الشعوب العربية قاطبة على اختلاف منابتها العرقية والطائفية والدينية، ولكنك تبحث بعد أحد عشر يومًا من الحرب الطاحنة التي دُك فيها قطاع غزة دكا، وتم فيها تدمير البيوت على رؤوس أصحابها وتخريب البنى التحتية لكثير من المرافق الحيوية فيه، إن لم يكن لكل المرافق. وتبحث عن النصر الإلهي والاستراتيجي والمركب – هل يقصد بالمركب أنه انتصار وهزيمة في نفس الوقت- فلا تجد إلا ظفر الأبرياء بالشهادة، ودمًا مسالاً خضب الشوارع وبيوتًا مهدمة على رؤوس ساكنيها، وغزة مازالت تحت الاحتلال تنتظر المساعدات لإعادة التعمير، وإعادة ملأ المخازن بالصواريخ الإيرانية لتعزيز هيمنة إيران على القرار الفلسطيني من خلال حركة حماس.

 لهذا يحق لنا أن نتساءل أين النصر الإلهي أو الاستراتيجي الذي يبشر به إسماعيل هنية في كلمته التي نحسبها موجهة إلى إيران وليس إلى الشعب الفلسطيني؟ فإذا كان حسن نصرالله معذورًا بإظهار الواقع المرير الذي عايشه الشعب اللبناني على عكس ما كان يبدو عليه من مأساوية وخراب إبان حرب 2006 مع إسرائيل بتأثير العمى الإيديولوجي وتغليبه المصالح الإيرانية على المصالح العربية بالمطلق، فإنه لا عذر لإسماعيل هنية إلا أرصدته البنكية وكرهه الواضح للبلدان التي تقف ضد إيران والتي لم يأت على ذكرها في خطابه رغم الحراك الدبلوماسي الكبير الذي قامت به كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة لوقف العدوان على الشعب الفلسطيني، ولهذا سارع بتقديم الشكر والثناء لإيران التي لا تسعى أبدًا لنصرة العرب إلا بالقدر الذي تكون فيه هناك مصلحة للنظام الإيراني كما هو الحال مع حركة حماس التي باتت ممثلا للمصالح الإيرانية في فلسطين.

 لسنا ممن يبحثون عن أسباب للمناكفة وإطفاء جذوة الفرح بالانتصار لو كان هناك انتصار، وإذا كان هناك من انتصار حقًا فإنه انتصار الشعب بمقاومته لمنع الإسرائيليين من تحقيق الانتصار، وانتصار عرب الداخل من المسلمين والمسيحيين واليهود في خرق الرأي العام والآلة الإعلامية المناصرة لإسرائيل بملحمة تصديهم لتهويد القدس وطمس هويتها عاصمة للأديان السماوية جميعها. إذا كان هناك انتصار فينبغي أن يكون حقيقيا وملموسا على أرض الواقع بعيدًا عن المتخيّل والمنشود والمزايدات الخطابية، إذا كان هناك من انتصار فهو مختلف حتمًا عن حبل النجاة الحمساوي الذي مدَّ لناتنياهو وهو في أتون أزمة داخلية خانقة تهدد بطرده من سدة الحكم ليجد في الحرب ما به يعزف على وتر الوحدة الوطنية الصماء الذي عادة ما تلجأ إليه كل أمم الأرض في مقامات الحروب والمحن، إذا كان هناك من انتصار فإنه حتمًا غير ذاك الساكن في رأس قيادة حماس الباحثة عن أسباب لإبعاد الاتهام بالخطأ الاستراتيجي عند اتخاذ قرارًا انتحاريًا كقرار الحرب غير المتكافئة مع عدو مدجج بأفضل ما وصل إليه العلم في تكنولوجيا الحرب. 

 الآن، أليس من حق الفلسطيني والعربي أيضًا، أن يسأل من هو المسؤول عن هذه الحرب وعن خسائرها الجسيمة في البشر والحجر؟ أو من يجب أن يُسأل غير اسماعيل هنية وخالد مشعل عن حجم الدمار والموت والبؤس الذي لحق بالمواطنين في غزة؟ وهل هناك من يجرؤ على محاكمتهما لاستصدار حكم بالإدانة أو البراءة؟ مع الأسف هذا ما لا وجود له في ساحتنا العربية وإلا لكان العرب قد عقدوا مثل هذه المحاكمة لحسن نصرالله الذي ورط لبنان لأكثر من مرة أيضا في حروب عبثية جلبت المآسي للشعب اللبناني، وكان حسن نصرالله يرى فيها انتصارات إلهية لم يرها إلا هو والسادرون معه في السكرة الطائفية! والسؤال الذي يختصر مجموعة الأسئلة السالفة هو: هل حركة حماس تملك الحق في أن تورط الشعب الفلسطيني برمته في هذه الحرب الطاحنة غير المتكافئة، وفي غيرها من حروب سابقة؟ الإجابة لا يملكها إلا الفلسطينيون ممن أنهكتهم الشعارات الثورية الفارغة من المضمون.

 حماس وجميع القوى الراديكالية، سنية وشيعية، وبتأييد قوي من النظام الإيراني، تدرك أنه ليس هناك انتصار حقيقي ولن يكون على أيدي ميليشيات متناثرة هنا وهناك، ولكنهم يوظفون الحرب وتأثيرها النفسي في العرب جميعا، للإساءة إلى دول الاعتدال العربي التي تبحث عن حل عادل لقضية فلسطينية لن تحل إلا بالتفاوض وفي مسارات سلام دبلوماسية.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها