النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11851 السبت 18 سبتمبر 2021 الموافق 11 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:06AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:39PM
  • العشاء
    6:55PM

كتاب الايام

سناب شات والاستعراض والخوف من الحسد

رابط مختصر
العدد 11732 السبت 22 مايو 2021 الموافق 10 شوال 1442

طوال التاريخ كان الإنسان يستعرض، ويتظاهر أمام الآخرين، ويقدّم نفسه وممتلكاته ونعمه وإنجازاته أمام الناس بالصورة التي يرغب هو في أن يُرى بها. بمعنى أن الاستعراض ليست نزعة حديثة مرتبطة بانتشار تطبيقات التواصل الاجتماعي (الفيسبوك، الإنستغرام، السناب شات.. إلخ). ويبدو أن هذه نزعة راسخة في الإنسان، وحتى بعض الحيوانات كالطاووس وغيره لديها هذه النزعة، إلا أن أصل هذه النزعة يرجع، في عالم الحيوانات والبشر الأوائل، إلى حاجات بيولوجية مرتبطة بالتنافس بين الذكور والإناث على فرص التزاوج والتكاثر. وهذا ما جعل أغلب ذكور الحيوانات أضخم حجمًا وأزهى ألوانًا؛ لأنها تستعرض أحجامها وألوانها الزاهية وقواها الخارقة أمام الإناث في موسم التزواج. فالطاووس الذكر يستعرض ذنَبه الطويل الملون عند رؤيته أنثى تعجبه، فيقوم بفتح الذيل ليصبح على شكل مروحة لفتًا لنظر هذه الأنثى، وبعض الحيوانات تتفنّن في إصدار أصوات جميلة لاستمالة الإناث، وأخرى تستعرض مهاراتها في الطيران والرقص وسرعة الجري.. إلخ، كل هذا في الحقيقة استعراض يكون لتلبية حاجات بيولوجية بحتة لدى هذه الحيوانات.

ولا أظن أن الإنسان القديم يختلف في هذا الموضوع. ولكننا أيضًا لا نستطيع أن نكتفي بما يسميها تشارلز دارون بضغوط «الانتخاب الجنسي» لتفسير نزعة الاستعراض عند الإنسان. لأن الإنسان كائن معقّد جدًا، وقد مكّنه ذكاؤه المرتفع من الاستعراض لأغراض مختلفة، ولكن كل هذه الأغراض الأخرى غير البيولوجية يمكن أن ترجع في أصلها إلى هذه الحاجة البيولوجية القديمة. وإذا تساءلنا لماذا يستعرض الإنسان أمام الآخرين مدى ثرائه، وسيارته الجديدة، وثيابه الباهظة الثمن، ومجوهراته، وساعاته، وحقائب يده، ويستعرض حتى أطفاله؟ لو تأملنا قليلاً في أغراضنا من الاستعراض أمام الآخرين فسوف نكتشف أن الاستعراض شكل من أشكال طلب التقدير والاحترام والسمعة والمكانة من الآخرين. نحن نطلب من الآخرين أن ينظروا لنا -وبالتالي يتعاملوا معنا- على أساس أننا أناس مميزون وذوو مكانة وسمعة وخير ونعمة. إن الاستعراض هو تعبير عن حاجة للتواصل مع الآخرين عبر طلب التقدير منهم. والدليل على ذلك أننا لا نستعرض إذا كنا لوحدنا، مما يدل على أن هذا سلوك نمارسه أمام الآخرين ومن أجل الآخرين.

ولكن علينا أن ننتبه إلى أن الاستعراض سلوك تظاهر وتفاخر أمام الآخرين، إلا أنه قد يعود علينا بالضرر والخسارة. وطوال التاريخ كانت المجتمعات التقليدية تؤمن بالحسد، أي زوال النعمة من الشخص عبر التمنّي أو النظر أو أعمال السحر. وبالتالي فالحسد يهدد أي مستعرض لنعمه وخيراته أمام الآخرين. إذا كنت اشتريت سيارة جديدة واستعرض بها أمام الناس، ثم عملت حادثًا خرّب السيارة في نفس اليوم، فستعتقد أن أحدًا حسدك وتسبب في تلف هذه السيارة. إذا كنت استعرضت وليدك الصغير وهو يصدر أصواتًا أو يؤدي حركات معينة أمام الناس، ثم أصيب الطفل بمرض ما، فستقول إن أحد هؤلاء حسده دون شك. وهكذا. ماذا تعمل إذن؟ الكف عن الاستعراض، وعدم إظهار النعم والخيرات والإمكانيات التي لديك أمام الناس. الحسد هو العدو الذي يتربّص بالاستعراض.

ماذا تغيّر في زمن برامج التواصل الاجتماعي؟ توسّعت نزعة الاستعراض بشكل هائل، فما بدأ بصورة صغيرة في الفيسبوك، وتوسع في الانستغرام، تضخم بصورة مخيفة في السنابشات، حيث أصبح الناس من كل الأعمار والأجناس يستعرضون كل شيء ليلَ نهار وعلى مدار أربع وعشرين ساعة. الكل يستعرض ما طبخه، وما أكله وشربه، وما لبس من ثياب، وما اقتناه من سيارات وساعات ومجوهرات ومستلزامات، وما قام به من أعمال من حركات وسكنات. الناس أصبحت تستعرض كل شيء. ما الجديد في ذلك؟

الجديد في الاستعراض الافتراضي هو أمرين: حجم ومساحة الاستعراض التي أصبحت هائلة، وفرص الاستعراض بما لا نملك، أو ما نملكه بصورة عرضية وخاطفة. من حيث الأمر الأول صار الناس، كما قلت، يستعرضون كل شيء على مدار يومهم حتى الأطفال الصغار وكبار السن ما إن يمتلكوا أجهزتهم الذكية حتى يبدأوا بالاستعراض مثل أي مراهق وبالغ. إنه سلوك عام لدى جميع الفئات. والأمر الآخر أن الاستعراض الفعلي (غير الافتراضي) هو استعراض بما تملك وتقتني، فلديك بيت جديد، وسيارة جديدة، وعلاقة جديدة، ومجوهرات ومقتنيات جديدة، ومغامرات جديدة.. إلخ، ولكن في الاستعراض الافتراضي أمام الجميع فرصة للاستعراض بما يملكون وبما لا يملكون. حين تكون الفتاة في مكان أو مع صديقة وتجدها تقتني سيارة جديدة وباهظة الثمن، سوف تصور لتستعرض أمام الأخريات كما لو كانت هي مالكة هذه السيارة. وإذا كانت في زيارة لمحل لبيع الذهب والمجوهرات، ورأت عقدًا باهظَ الثمن، ستلبسه لتصوره عليها ثم تستعرضه أمام الآخرين كما لو كان عقدها الخاص. إن الطفل الذي يسبب وجع الرأس لأمه بحيث تمطره هي ليل نهار بكل أنواع السباب، هذا لا يمنعها أن تصوره كطفل وديع ومحبوب أمام الآخرين وهكذا. الخلاصة أن الاستعراض الافتراضي سمح لنا بتقديم صورة غير صحيحة وغير واقعية عن أنفسنا أمام الآخرين، فأصبحنا وكأننا نكذب على الناس قولاً وفعلاً جهارًا نهارًا.

ولكن أين الحسد من كل هذا الاستعراض؟ هل كفّ الناس عن الاعتقاد بالحسد حتى صار الكل يستعرض أمام الكل دون خوف من الحسد؟ في الحقيقة لا. مازال الناس الذي يستخدمون السنابشات في المجتمعات التقليدية يؤمنون بالحسد، ومازال الحسد -مع الوازع الديني والمحافظة على الستر والخصوصية- هي ما يمنع كثير من الناس من التمادي في استعراضاتهم. وجميعنا نعرف وسمعنا حالات كثيرة لأناس كفّوا عن الاستعراض في السنابشات، خصوصا بسبب أنهم تأذوا بسبب الحسد. أعرف كثير من الحالات في هذا الشأن: فتاة استعرضت عقد لؤلؤ جديد، ثم سرق في اليوم الثاني، فأقسمت أنها لن تنشر شيئًا على السنابشات. فتاة ثانية نشرت صورًا وفيديوهات لها مع خطيبها الجديد، ثم بعد أسبوع قرر هذا الخطيب فسخ الخطبة لسبب لا تعرفه، فأقسمت بأغلظ الأيمان أنها لن تدخل السنابشات مرة أخرى. شاب ثالث عرض أمام الناس صورة سيارته الجديدة، ثم اصطدم بعمود إنارة دمّر السيارة، وأيضًا أقسم أن الحسد والسنابشات هو السبب. فتاة رابعة عرضت صورًا وفيدوهات لمنزل أحلامها الجديد، وفي الليل احترق جزء كبير من المنزل وهكذا.

الخلاصة أننا مازالنا مجتمعات تستخدم تكنولوجيات حديثة بعقليات تقليدية وبتفسيرات تقليدية وبنزعات استعراض وتفاخر تقليدية. فمتى نعي هذه الحقيقة، وهي أن الاستعراض، في أصله، سلوك وعلاقة اجتماعية، تنبني على صورة غير صحيحة أو مبالغ فيها لأنفسنا أمام الآخرين، فلماذا نخجل من تقديم أنفسنا أمام الآخرين كما نحن بكل ضعفنا وعفويتنا وعاديتنا وحتى عيوبنا ونواقصنا؟ يقول جي دبور في كتاب «مجتمع الاستعراض»: «ليس الاستعراض مجموعة من الصور بل علاقة اجتماعية بين أشخاص تتوسط فيها الصورة»، بمعنى أننا لا نقدّم أمام الناس مجموعة من الصور والفيديوهات فقط، بل نحن ننسج علاقة اجتماعية من خلال هذه الصور والفيديوهات. وهي مع الأسف الشديد علاقات اجتماعية هشّة وعابرة وسريعة الزوال؛ لأنها علاقات غير حقيقية وغير صادقة وقائمة على الاستعراض قبل كل شيء وبعده.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها