النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11763 الثلاثاء 22 يونيو 2021 الموافق 12 ذو القعدة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:05PM
  • المغرب
    6:33PM
  • العشاء
    8:03PM

كتاب الايام

وقفة على جبل الزيتون

رابط مختصر
العدد 11729 الاربعاء 19 مايو 2021 الموافق 7 شوال 1442

لا وقت للملام، ولا مجال لفرص السلام، انطلقت رصاصة الرحمة على المشروع الإقليمي للتهدئة، وانفجر الموقف في وجوه «العالمين»، كانوا منا، أم كانوا في الأقصى، أم كانوا حوالينا، دبت الأرواح الحائرة في أجواد بني كنعان، وانصرفت الأرواح الشريرة من أجواء المواجهة الكبرى على أرض بني الإنسان، مات من مات، وأفلت من أفلت، واصطدمت أمة الأولين بحائط يبكي على جدار، بنهار لم يطلع منه نهار، بسوار معصم وحرائق، وكوارث ودماء، إنها فلسطين بعد اليقظة، وهي العروبة قبل الغفوة، وهم الآخرون مهما قلنا فيهم ما زلنا لم نفهم، وما زالوا لا يفهموننا.

انكسر الظهر قبل أن تنكسر القلوب وتنحني الرؤوس، واحتدم الأمر، قبل أن تحتدم المواجهة غير المتكافئة بين فريقين:

الأول: يمسك بالسيف والدرع، والآخر: يحمل على أكتافه أشجار الزيتون.

أحدهما يطلق صواريخ القسام على كائن من كان، والآخر يبادله العين بالعين ويحرق الأخضر واليابس ويدوس على المقدسات، ويحلل المحرمات، ويتجاوز كل الحدود.

فلسطين التي كانت ليست هي التي أصبحت، والعدوان الإسرائيلي على المصلين هذه المرة يختلف تمامًا عما سبقه من مرات، العدوان شامل جامع، والمقاومة شاملة جامعة، الأمهات والأطفال والشيوخ يشردهم مستوطنون غرباء، والثكالى والأرامل والجثامين الشهيدة تطلب النجدة، لكن الاستعانة من دون الله مذلة، النيل المختطف، والفرات الذابل، ودجلة المكلوم ينتظرون كالليث المتقاعد، كالحمل الوديع بعد أن داهمته الضباع من كل حدب وكل صوب، أصبحت الأمة المهيضة، أمة مع إيقاف التنفيذ، وحملة الرايات البيضاء يلوحون براياتهم من بعيد لكن لا حياة لمن تنادي.

ضاعت فلسطين، ولم يمت الشعب، اغتصبوا الأرض، وفشلوا في اغتصاب كرامة الطفل اليتيم وهو يتسلق أشجار البنفسج في الجليل، عاثوا في الأرض فسادًا، وتلعثموا مع أول «عين بعين»، ومع آخر حالة ضبطٍ للنفس، ولكن ما يسمى بالمجتمع الدولي يواجه المدمرة بـ«اهدأوا»، والدانات الحارقة بـ«هل من مزيد»، والأمهات الثكالى بـ«الطبطبة»، وكان الله في عونك سيدتي.

لا ردة للفعل في الجامعة العربية، وكنت أدرك تمامًا أن اجتماع القاهرة جاء لذر الرماد في العيون ليس إلا، بيان لم يرتقِ لأقل كثيرًا من حالة عدوان على أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وجهة نظر تُحمّل كالعادة المجتمع الدولي مسؤولياته رغم أن الكارثة عربية والمصاب عربي، لن أنادي عليكم يا عرب فلن يسمعني أحد، ولن أشهر حنجرتي المجهدة في وجه من آثر الابتعاد عن المشهد ولو كان حضوره الغائب ضروري من أجل البروتوكول الحافظ «جزئيًا» المتبقي من ماء الوجه.

أدرك وأفهم وأتفهم حالة الخجل الميؤوس منها التي أصابت الأمة بعد أن قطعت الفؤوس جميع الرؤوس، وبعد أن تساوت في الذل أسنان المشط، وبعد أن اتضح الخيط الأبيض من الخيط الأسود ولم يطلع على الأمة نهار.

أفهم وأتفهم حالتنا الميؤوس منها، ووضعنا المزري الذي ليس بجديد علينا، أفهم وأتفهم أنه ليس لدينا حول لتكون لدينا قوة، وأن أوراق اللعبة تناثرت منذ عشرات السنين لتطير وتسكن في حنايا الضفة الأخرى للنهر، عندما التهم التمساح العملاق آخر الأسود ولاذ في بحيرة هادرة من صمت، لم تصرخ عائلته، ولم تهم لنجدته، لكنها اكتفيت بالحزن، بالنجاة من عدمٍ محقق، والطواف على كعبة المكان، لعل كبير العائلة يعود في يوم من الأيام، ولعل روحه تحوم حول الكارثة في ليلة مسكونة بأقمار طارئة، ولعل الصحيح لا يصح لو كان لا يصح إلا الصحيح، أوضاع مقلوبة، وشعارات في معية مهاترات، وثكنات تلفظ أنفاس كتائب المواجهة الأخيرة، وتدعو الجميع إلى وقفة رجل واحد، ولكن ليس في الإمكان أبدع مما كان، وليس في الجعبة أكثر من هشاشة مما نحن فيه على المدى من قضية، وعلى درب الوصول من أمل.

صحيح أن ضبط النفس حالة ليس ميؤوسًا منها، وصحيح أن السلام ممكن لو صدقت النوايا وآمنت القلوب، لكن الصحيح أيضًا أنه إذا أردت أن تطاع فاطلب المستطاع، واجهوا الصلف الإسرائيلي بدبلوماسية ناعمة، قولوا لهم إنكم لا تقبلون إلا بالأرض مقابل السلام، حتى لو كان السلام مُجدٍ مقابل السلام، وإنكم ترفضون أية عاصمة أبدية أخرى للفلسطينيين غير القدس الشرقية من دون تقطيع أو حذف أو إضافة أو ترويع، قولوا للمجتمع الدولي صراحةً إنكم جاهزون للسلام بشرط أن تكون كل النقاط واضحة تمام الوضوح فوق الحروف وتحت الجروح، لا تأجيل، ولا مراوغة، ولا مساومة، ولا صبر بعد الذي شاهدناه خلال الأيام الأخيرة من شهر رمضان، معركة الأيام جميعها، وصبر الدهر كله، وضحايا الوطن المغتصب عن بكرة أبيه، جميعها لن تُنسى، وجميعها ستظل ماثلة في الأذهان، وجميعنا على كرسي الاعتراف، نرفض الرضوخ لجهاز كشف الكذب، ونقبل بأقل من حد أدنى، فما بقي لا يشبه الدموع كثيرًا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها