النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11853 الإثنين 20 سبتمبر 2021 الموافق 13 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:06AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:37PM
  • العشاء
    7:07PM

كتاب الايام

يطول أنف المهرج والخيمة تصغر..

رابط مختصر
العدد 11728 الثلاثاء 18 مايو 2021 الموافق 6 شوال 1442

لم يترك الوالد رحمة الله عليه في نفوسنا رغبة إلا وحققها في اليوم القادم أو الأيام القريبة التي تليه، سواء كنا على علم بهذه الرغبة أو كنا أسرى حدوثها صدفة ودون علم بها، ففي الوقت الذي كنا فيه أنا وشقيقاتي منصرفين إلى اللعب في البيت أو الحي، أو متحلقين حول لعبة (الكيرم) الشعبية التي كان الوالد يعشقها أيما عشق وماهر في التفوق فيها على من يلعب معهم من أصدقائه أو رجال الحي في الدكاكين المجاورة لبيتنا وخاصة دكان مؤذن الحي أحمد حمود رحمة الله عليه.

في هذا الوقت يأتي الوالد ليدعونا إلى مرافقته الليلة إلى مدينة العوالي، المدينة النموذجية في البحرين، والتي يقطنها كبار موظفي بابكو من الإنجليز، وخاصة أيام الاستعمار البريطاني للبحرين إبان ستينيات القرن الماضي، ويصادف هذه الليلة استعداد الإنجليز للاحتفال بـ(الكريسمس)، 25 ديسمبر من كل عام، وذلك في الأيام الأولى من ديسمبر، وبما أن الوالد أحد أقدم العاملين في مهنة (اللحام) في شركة بابكو، وأحد أول عشرة لحامين بحرينيين تختارهم شركة نفط السعودية بأرامكو والتي قضى بين حقولها ما يربو على العشرة أعوام، كان على علم بالمناسبات التي ينظمها ويقيمها الإنجليز في مدينة عوالي تحديدًا، ولا نملك إزاء دعوته هذه إلا أن نغتمر بفرح لا يضاهى حينها، نستعد بسرعة لمرافقته، وكالعادة أتلكأ في الاستحمام مسكونًا باغتنام الوقت الذي سأقضيه مع شقيقاتي في هذا الاحتفال، ولكن الوالد يضعني على حدّ سكين شرطه بالاستحمام إذا أردت أن تصحب شقيقاتك إلى الاحتفال، فأضطر للاستحمام بمساعدته هو، خاصة وأني أكره (الشامبو) الذي أشعر عند استخدامه بأني سأختنق بسببه.

 وعندما أنتهي من هذا الاستحمام الذي مارست فيه بعض الأدوات الحادة التي يستخدمها الوالد فعلها لتنظيف بعض العوالق المتجمدة على سطحي القدمين خاصة، وكنا نطلق عليها بلغتنا الدارجة (المشق)، عندما أنتهي من هذا الاستحمام أشعر أن بيدي عاما آخر يمكنني من (تطليق) هذا الاستحمام حتى إشعار آخر. 

في هذه الليلة التي أزحت فيها تاريخًا سميكًا من بقايا غبار وعرق الحي، نكون في بهو الاحتفال الواسع المفتوح بمدينة العوالي، فنشاهد حينها وجوهًا حمراء وأزياء غريبة وورود يانعة ومصابيح ملونة وألعاب مسلية وجديد علينا ألفتها والتعامل معها، فشيئًا فشيئًا حتى نتكيف مع المكان وأهله، لنعيش مع الوالد وجمهور الحفل متعتهم بهذه الليلة، وكان الوالد يوجهنا أحيانًا في كيفية استخدام البندقية لتصويبها نحو الهدف دون انحراف، أو في كيفية رمي بعض السهام نحو الهدف دون إصابة أحد المارة المحتفلين أو المنظمين، وبعد هذا الكرنفال يدعونا للاستمتاع والتلذذ بوجبات مختلفة عن تلك الوجبات التي سكنت بطوننا فترة طويلة بحكم العادة، وبعد أن ننتهي من هذه الليلة الساحرة الملونة التي تصدح الموسيقى في كل أرجائها، نعود إلى البيت ونحن مغمورون بحلم آخر نتمنى من الوالد تحقيقه لنا في أقرب وقت. 

 وما هي إلا أيام قليلات، حتى يأتي الوالد ليدعو الأسرة كلها إلى حلم آخر جديد، لأدخل مضطرًا إلى الحمّام لأعيد صياغة جسدي من جديد بما يتلاءم وهذا الحلم، وهذه المرة تأتي دعوته لنا للاستمتاع بالمعرض الزراعي والتجاري الذي تنظمه بلدية المنامة بمناسبة ذكرى جلوس صاحب العظمة الشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة طيب الله ثراه في حديقة الأندلس بالقضيبية، وما هي إلا سويعات حتى يكون صديق الوالد جمعة بن سالم قرب باب البيت بسيارته التاكسي (الدودج) الصفراء، لنكون بعد أقل من ساعة في قلب الحدث.

هناك، في هذه الحديقة الأوسع من ساحة احتفال الإنجليز بمدينة العوالي، في هذا الكرنفال الذي يحتوي مختلف الأجناس والطوائف والأطياف والمكونات الاجتماعية، لم تستوقفني كثرة المنصات الخشبية الدائرية المعدة للمسابقات الترفيهية والأغاني والاسكتشات والمتناثرة في كل أرجاء الحديقة والمزودة بالضواء الملونة وأجهزة الصوت السوداء الكبيرة، والأكشاك والألعاب المثيرة فحسب، إنما أهم وأكثر ما استوقفني في هذا الكرنفال، تلك الخيمة السر، التي أقيمت بجوار هذا المعرض، والتي يدفعني الفضول بقوة للكشف عما تحتويه من كنوز. إنها خيمة سيرك كبيرة تتقدمها يافطة مستطيلة كتب عليها باللون الأحمر (سيرك عاكف)، ولأول مرة في حياتي أتعرّف على السيرك وبما يحتويه من فنون وألعاب وأكروبات ومتعة فائقة، ولكن أكثر ما استوقفني في هذا السيرك المهرج ذي الأزياء الملونة الغريبة والقبعة القماشية المتدلية والأنف الأحمر الناتئ (البارز) والفم المبالغ في طلاء شفاهه باللون الأحمر.. 

كنت أتفرّج عليه بمتعة فائقة وهو يتنقل بين الأطفال ويدعوهم للمشاركة معه في التمثيل والارتجال والحيل التي يستخدمها أثناء أدائه.. 

انتابتني سعادة غامرة وأنا أشاهد هذا المهرج وهو يؤدي دور المسكين المغلوب على أمره ودور القادر على تجاوز هذه المسكنة بالضحك عليها، فكم أضحكني وكم تمنيت حينها أن تكون هذه الخيمة بجوار منزلنا أو في حيّنا، وأذكر أنه من شدة إصراري على مشاهدة السيرك وإلحاحي على والدي لمشاهدة العرض الثاني لبرنامجه الممتع، وإصرار الوالد من جهة ثانية على مغادرة السيرك لمشاهدة برامج أخرى في هذا المعرض، كنت أتهرب عنه وأندس بين زوار المعرض حتى لا يراني هو أو تراني والدتي أو أخواتي، وأذكر أن إحدى أخواتي لمحتني وأنا أوشك أن أدخل الخيمة ثانية، فأبلغت والدي، لحظتها هربت إلى الساحة الخارجية المجاورة لخيمة السيرك حتى لا يراني أبي، فاصطدمت بسيارة (بليموت) مجنّحة أدمت عيني ورأسي.

حينها تحول هذا الفرح إلى مصيبة كبرى، وخاصة والدتي رحمة الله عليها التي من كثرة خشيتها على فقدي بعد فقدها شقيقين لي كانا يكبراني، أخذت تهستر وتولول وهي تحتضنني، إذ أخذتني العائلة، طبعًا بإيعاز هستيري من الوالدة، على إثر هذا الحادث إلى مستشفى النعيم للعلاج، وهناك تمت معالجتي ولكن ظل أثر الحادث وشمًا على عيني اليسرى حتى يومنا هذا، بل أصبح علامة تميزني في جواز السفر.

 وكان أجمل العلاج هو مكافأة والدي لي بمشاهدة عرض سيرك عاكف ثانية في اليوم الثاني، والذي عرفت سببًا آخر لهذه المكافأة، وهو ولع الوالد رحمه الله بالفنانة المصرية الجميلة الراحلة نعيمة عاكف، إذ كنت في اللحظة التي أنغمر فيها حبًّا بالمهرج، يوجه ناظري متعمدًا إلى صورة الفنانة نعيمة عاكف التي تعرّشت صور السيرك، وهو يسألني: ألم ترَ هذه الفنانة في التلفزيون؟ فكنت أجيبه بقليل من الاهتمام، حيث كان المهرج يستولي على اهتمامي إلى درجة لم أكن مستعدًا حينها لتقبل أي شيء آخر غيره..

وفي اليوم الثاني لم يكن لي بُدّ من استعارة أنف المهرج من (الصلصال) وخاصة الأحمر، حيث أتعمّد لصقه وبشكل مبالغ على أنفي، كما أستعير قبعته من غلاف الكراس المدرسي الأحمر، والذي تعرضت بسببه إلى توبيخ بعض المدرسين لي، حيث أكتب أحيانا في كراريس أو كراسات لا غلاف لها، وعشقت حينها الخيمة بشكل لا يقاوم، فما إن أدخل خيمة حتى أستعد أو أنتظر عرضًا سيركيًّا سيجري أمامي الآن أو أنا من سيقدمه لبراعم الحي، علمًا بأنها قد تكون خيمة لنزهة عائلية في موسم الربيع الذي تنصب فيه أغلب الخيام في مناطق برية عشبية، أهمها (العَمُر) و(الصخير) و(المنطلة)، وخاصة بصحبة صديق الطفولة الشيخ أحمد بن محمد بن سلمان آل خليفة أنعم الله عليه بموفور الصحة والعافية وطول العمر وابن ابنة خالي فؤاد راشد الرويعي.

وكم تمنيت حينها أن يكون بيد صاحب الكشك المصري الذي رأيته في المعرض الزراعي والتجاري بحديقة الأندلس والذي يمارس ألعاب الحظ هناك مع رواد المعرض، أن تسخي علي ألعابه بمهرج أو مهرجين أو ثلاثة وهو يردد بصوته المرح الممزوج بدعابات ممتعة ومشوقة: «طلِعْلُهْ.. ْطلِعْلُهْ»، معلنًا فوز أحد المشاركين في هذه الألعاب، حيث لا أحتاج بعدها للذهاب إلى خيمة سيرك عاكف ثانية..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها