النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11759 الجمعة 18 يونيو 2021 الموافق 8 ذو القعدة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:04PM
  • المغرب
    6:32PM
  • العشاء
    8:02PM

كتاب الايام

التغييرات الكبيرة في حاجة إلى قيادات تاريخية نادرة

رابط مختصر
العدد 11723 الخميس 13 مايو 2021 الموافق غرة شوال 1442

ارتباط الإنسان بالماضي، من إرث وتراث وتاريخ، متجذر في أعماق النفس وله موقع مبجل في اللاشعور، وهذا اللاشعور له دور ريادي في السلوك عند الإنسان. هذا الرباط، بين الإنسان وماضيه، يشكل سيكولوجية عاطفية، أشبه بعاطفية أساطير الحب، أي ارتباط الحبيب بالحبيب. فك الارتباط وعودة الوعي وتخطي لا شعورية العاطفة هي من أصعب المهمات عند الإنسان في التاريخ. مهمة تاريخية في حاجة الى قيادة نادرة، وفي حال غياب هذه القيادة الملحة فإن الحاضر يتعفن في الماضي، ويتغنى بما لا يواكب زمانه، فيبقى خارج الزمن ومتخلفًا عن الركب.

من العبارات الشائعة والمستحبة، بحب جارف وعاطفة نابضة، والباعثة على الفخر والاعتزاز، والتي يتغنى بها الإنسان بنفس ذاتي مغلق، في جميع المجتمعات، هو عبارة «عاداتنا وتقاليدنا» او «تقاليدنا و قيمنا»، وتتساوى جميع الشعوب، شرقًا وغربًا، في هذا المنحى الانفرادي المغلق على الذات، ولهذا التعبير وقع على النفس يساوي وقع القداسة التي تتجلي من انبعاثات العقيدة والدين وايديولوجيات العنصرية العرقية وموجات عبادة الفرد. وتستمد الشعوب من هذا التعبير هويتها الروحية، التي تشكل معالم سلوكها وترسم حدود ذاك السلوك، والتعبير في أساسه نبت من جذور الوطن والعقيدة وكلاهما من مخرجات الجغرافيا والتاريخ، أي أن الهويات بأنواعها تتنقل جغرافيًا وتتغير تاريخيًا. فتراث اليوم ليس بتراث الامس ولن يبقى خالداً لينفذ ويخترق الزمن ويتحدى التاريخ متربعًا على عرش الخلود تهب عليه نسائم القداسة، وينتفي دور التاريخ مع هذا الخالد المقدس، ولكن استمرار الوجود مرهون بحركة عقارب التاريخ، ومع حركة عقارب التاريخ يتحرك الحاضر الى المستقبل، ويكتسب مع هذا التحرك وجهًا جديدًا.

يرى الإنسان الفرد، على مدى عمره القصير، هذا التعبير المركب من اسمين على أنه المطلق الذي لا يناله التغيير على مسار الزمن كله، متوهمًا أن ايقونة «العادات والتقاليد» خالدة و انها قد ولدت مع الإنسان وستبقى معه الى أن تدق أجراس نهاية الساعة. إذا كان وعي ومساحة معرفة الإنسان محصورًا بالمؤثرات السائدة في مدى عمره فقط، ولم يتجاوز وعيه إلى ما قبل حاضره بعقود وقرون فإنه يعيش وهم المطلق ويتصرف على هوى قناعته وإيمانه بهذا المطلق...

لكن هناك مفاصل في التاريخ ينعطف عندها سير الزمن، ويأتي التغيير النوعي الكبير ليمس البنية الفوقية (القيم والمفاهيم و العادات والتقاليد) والتحتية (النشاط السياسي والاقتصادي وأنماط العلاقة فبما ببنها) للمجتمع، أي تحول ثقافي نوعي أقرب الى ثورة جذرية تتخطى الثقافة السائدة والراسخة الى ثقافة أخرى مختلفة نوعيًا. وحراك هذا التحول يتخلله عنصر نقيضه القابع في الماضي والذي يحاول مواجهة الجديد ومقاومة التغيير، وهذا أمر طبيعي مع كل تغيير، خاصة عندما يمس التغيير دعائم البنية الفوقية، لأن البنية الفوقية تمسك بها مراكز نفوذ لها صفة الوصاية على المجتمع في كليته، وهي التي ترتزق وترتكز على دعامات البنية الفوقية السائدة. مراكز النفوذ هذه تحفر قبرها بنفسها لأنها لا تراعي قوانين التاريخ ولا تحترم كرامة الإنسان، فينسحب البساط من تحت أقدامها رغمًا عنها.

ويكون الإنسان الفرد شاهدًا عليها، وحضور الإنسان أثناء هذا المنعطف التاريخي يخلخل وعيه الموروث، ويهز من قدسية «عاداتنا وتقاليدنا»، لأن المسار الجديد يتشكل منه ومعه نمط آخر من السلوك وطبيعة مختلفة في النظر الى الأشياء والحالات المحيطة بالإنسان، وبالنتيجة فإن التغيير النوعي الكبير يدفع بـ«عاداتنا وتقاليدنا» السائدة سابقًا الى تشكل نمط آخر من «عاداتنا وتقاليدنا»، الى قيم معدلة ومفاهيم أقرب الى الواقعية، و بالنتيجة العامة إنسان آخر...

هذه التغييرات النوعية الحادة والكبيرة قليلة الحدوث في التاريخ، وهي من نتاج حركة جديدة متولدة من تراكمات وصلت نقطة التحول الضروري، ونقطة التحول في حاجة الى شرارة التفعيل لإحداث التغيير. شرارة التفعيل تتبلور وتنطلق مع ولادة قيادة جديدة، شبه نادرة في قوتها وفاعليتها، تتميز بفكر ناقد لما هو سائد، وترى إنه قد حان الموعد المرتقب للتغيير التاريخي الكبير، وتحمل هذه القيادة رؤية مستقبلية قوامها المعرفة النقدية لإرث الماضي والوعي النافذ في مفاصل الحاضر وبدعم من نهج حكيم ومبادرات شجاعة وتنفيذ لا يفرط بالوقت ولا التوقيت، وتستخلص معادلات حسابية دقيقة للتعامل مع مراكز النفوذ المستعدة أن تستميت من أجل المحافظة على مصالحها القابعة في سبات الحاضر. عندما يحين الموعد الزمني للتغيير التاريخي وينبثق من المجتمع قيادة متنورة شجاعة لها رؤية تعي حاضرها و ترى مستقبلها، فإن بساط النفوذ والسيادة يكون في حكم المسحوب من تحت أقدام سدنة الحاضر - الماضي.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها