النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11754 الأحد 13 يونيو 2021 الموافق 2 ذو القعدة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:11AM
  • الظهر
    11:38AM
  • العصر
    3:03PM
  • المغرب
    6:30PM
  • العشاء
    8:00PM

كتاب الايام

الحرب والسلم وتحوّل مركز السيادة

رابط مختصر
العدد 11716 الخميس 6 مايو 2021 الموافق 24 رمضان 1442

القوة والضعف، القدرة والعجز، السيادة والتبعية، الحرب والسلم، هذه المرادفات والمتناقضات هي قدر الإنسان، شاء أم أبى، وهي الثنائية التي تقرر مصير الإنسان. فلا مناص من تصارع القوى، ولا مناص من انصياع الضعيف أمام القوي، ولا سبيل إلى تجنّب سيادة المقتدر على العاجز. من هذه الثنائية المحشورة في وحدة من متناقضين تتولد شرارة الحرب، وتصبح الحرب القدر المحتم على الإنسان. الحرب وليدة تناقض الإنسان مع نفسه، وليست صناعة على هوى الإنسان ورغباته، فلا هي صنعة ولا هي فن؛ تتولد الحرب مع توالد الإنسان، ويبقى السلم بين الوليدين ليس سوى لحظة استراحة المتحاربين؛ فالسلم لحظة راحة من أجل مواصلة الحرب. مصير الإنسان مرهون بمواصلة الحرب مع السلم، مثل حياة الفرد المرهونة بمواصلة التنفس، أي الشهيق والزفير، ومع توقف التنفس تنتهي الحياة. الحرب لها أدواتها وأساليبها ومهاراتها، ولكن العنصر المؤثر والفعال فيها هو الأدوات، فكلما كانت الأدوات متطورة كانت الفاعلية أكبر والتأثير أكثر كارثية. الذي يهم مصير الإنسان في كليته هو الأثر الكارثي لأدوات الحرب أكثر من فاعلية الأدوات في تقرير الهزيمة والانتصار... حتى نفهم معنى أثر أدوات الحرب على مصير الإنسان نستذكر ما حذر منه العالم آنشتاين عندما تحدث عن احتمال تفجر حرب عالمية ثالثة، قال محذرًا: «إن الحرب العالمية الرابعة ستكون أدواتها الحجارة!!!»، هذا التحذير صادر من عالم طور القنبلة النووية التي مسحت مدينتين بمن فيهما وما عليهما من سطح الأرض، وأحالت المدينتين أرضًا خربة جرداء؛ في أقل من دقيقة توقف التنفس في المدينتين؛ هذا نموذج للمصير المنتظر للإنسان في كليته إذا انزلقت الحرب إلى المدى الذي يستحيل معها لحظة الاستراحة.

لماذا هذا التشاؤم وهذه النظرة السوداوية؟ ليس تشاؤمًا ولا نظرة سوداوية، ولكن خوفًا على الإنسان من حماقة الإنسان، وخاصة من الإنسان القوي والمقتدر والمتسيد المهيمن، أي الإنسان الذي يتربع على عرش الدولة العظمى، والإنسان الذي يرى في نفسه القدرة والإرادة على أن يأخذ مكانًا على عرش دولة عظمى. هذا العرش، الذي عمره من عمر تحضر الإنسان، هو الذي يقرر ساعات الحرب ولحظات السلم، هو الذي يقرر السيد والتابع، هو الذي بيده تنفس الحياة على الكرة الأرضية.

الحروب أنواع ومستويات، وأكثر الحروب دمارًا وكارثيةً هي تلك التي تتفجر بفعل التناقض بين القديم والجديد على الساحة الدولية؛ قوة قديمة سائدة مهيمنة، بفعل طبيعة الأشياء آيلة إلى السقوط، وقوة جديدة صاعدة مؤهلة؛ لأن تأخذ مكان القوة القديمة، فقد أخذت القوة القديمة مداها من العمر في السيادة، وأنه قد آن الأوان لقوة جديدة صاعدة لتكمل الدور على الساحة الدولية وتتحول السيادة إليها، وليس من جديد في هذا التحول من القديم إلى الجديد. كأن مركزية السيادة العالمية كيان حي يتنقل من مكان إلى آخر، ولا يعرف الاستقرار في مكان ثابت؛ ومع مرور الوقت يشعر هذا الكائن (مركزية السيادة) بالملل والخمول في مكانه، تضطره حاجة تجدّد الطاقة لاستمرار الحياة على التنقل إلى مركز جديد أكثر حيوية، وهكذا تتحول مراكز الامبراطوريات من جغرافية قديمة إلى جغرافية جديدة، من إنسان هرم إلى إنسان يافع، وتستمر معها وحدة التناقض في التنفس بين الحرب والسلم تحت ظل امبراطورية جديدة.

اليوم هذا التحول من القديم إلى الجديد ليس كسابق التحولات، إذ أن أدوات الحرب اليوم غير جميع أدوات الحرب في كل التاريخ منذ حروب التحول بسلاح الحجارة؛ اليوم نحن أمام منعطف تاريخي نوعي في طبيعة أدوات الحرب؛ جميع أدوات الحرب، قبل الزمن النووي، لم تكن مؤهلة لإنهاء الجنس البشري أو في أحسن الاحتمالات إرجاع الإنسان إلى العصر الحجري. القوة الهرمة في عملية التحول لم تكن قادرة أن تغامر، من موقع العزة بالنفس، بخوض آخر الحروب، وهي حرب شمشون الجبار (علي وعلى أعدائي)، ولن يبقى بعدها من منتصر ومنهزم؛ لأنه لن يبقى أحد لكي يقيم احتفال النصر، ومراسم العزاء من قبل المنهزم. ليس بالضرورة أن تكون حرب التحول القادمة على قاعدة المغامرة، ولكن احتمالات الخطأ في الحساب والانزلاق النووي إلى نقطة اللاعودة واردة، وعنزها لن يبقى للحادث حديث.

لسان التاريخ يذكر الإنسان، منذرًا ومحذرًا، بأنه لم يشهد أبدًا أن أحدًا من ذوي السيادة قد تحمل يومًا ما مسؤولية المحافظة على الجنس البشري من الانقراض!!! 

الكل يتصرف على هوى مصالحه، وهوى المصالح قد تؤدي بالبشرية إلى ما لا يحمد عقباه!!!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها