النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11765 الخميس 24 يونيو 2021 الموافق 14 ذو القعدة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:13AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:05PM
  • المغرب
    6:33PM
  • العشاء
    8:03PM

كتاب الايام

سمير المراغي.. رحيــــل آخــــر الــخلان

رابط مختصر
العدد 11715 الأربعاء 5 مايو 2021 الموافق 23 رمضان 1442

كنت متأكدًا أنني سأنعى قنابل موقوتة، وأني لن استطيع الوقوف على مسافة واحدة من الجميع، من الذين يحملون الوباء والداء، وهؤلاء الضحايا الذين يصابون بالمرض وهم في عقر دارهم، بين الذين يخالطون ويختلطون ولا يلتزمون، وهؤلاء المرابطون على الأرائك، والقابعون على خطوط التماس مع الانتظار، بين الذين شكلوا كتائب انتحارية رافعين أسنة المصاحف، وآيات الله البينات، والأدعية المتسربة من المشربيات والجماعات، وهؤلاء الذين ارتضوا أن يكونوا خلف القضبان، ينتظرون المصير.

ارتضيت أن أنعى بشريتنا المعذبة، وأن أقف في النهاية على مسافة واحدة من الجميع، قاتلًا بحسن نية أو قاتلًا مع سبق الإصرار والترصد، الكل سواسية في القتل كأسنان المشط، والكل سواسية في العدوان كعقارب الساعة، والكل سواسية في الانصياع إلى الشيطان عندما يكون الرفض لتعليمات الدولة مدججًا بأحاديث مقدسة، وحين تصبح «اعقلها وتوكل» بمثابة «لا تعقلها وتوكل»، وحين يصيبنا التراخي فلا نكترث بتعليمات الوقاية ولا بلقاحات القدر المحتوم.

قبل أيام فقدت صديق عمر، كان على بعد أدعية من التي تباع مع «الدبابيس والحلوى والأمشاط» على أرصفة الصدفة في الشوارع المكتظة بالقنابل الانتحارية المتحركة بين الناس، تمامًا مثلما فقدت على البعد من ذات المصير – الخال الأغلى في عمري القانوني ورجل الأعمال والإنسان سمير المراغي، كنت أراه عبر «الأون لاين» مستلقيًا على فراش الأيام الأخيرة يتحدث عن نهاية الحياة وكأنها حقيقة لا مفر منها، وعن حقيقة الكون وكأنها سرادق عزاء كبير، وعن بشارات الدنيا وكأنها ما عادت تقبل المكالمات.

رأيته مستسلمًا لنهايات الأشياء، لساعة حسم لا يستطيع بعدها أن ينطق بحرف، لأيام لا تجيئ لكنه كان يقضيها لأن القدر المحتوم لم يحالفه التوفيق.

تحدثت مع الخال الحبيب عن الاحتراز من الفيروس اللعين المتحور، وعن ضرورة التزام تعليمات الدولة في ارتداء الكمامات والتباعد الاجتماعي والتحاور عن بُعد مع كائن من كان، لكنه كان عنيدًا، صارمًا، يستمع إليّ بآذان بها من السخرية أكثر مما بها من القناعة «بأننا لا يجب أن نلقي بأنفسنا إلى التهلكة».

فهمت أن الخال لم يعد يحب الحياة، وأنه لا فرق عنده بين «بكاء الحمامة أو غنائها»، بين نعيق البوم، أو زقزقة العصافير، الأصوات كلها أصبحت متداخلة، والحياة «كأن شيئًا لم يكن»، وأنه ما عاد ينتظر سوى لحظة الحقيقة، فعلى الدنيا السلام.

فهمت أن الخال على رصيف الانتظار ليس إلا، وأن الذين يحيطون به لا يكترثون رغم التحذيرات بثقافة التباعد الاجتماعي، اختاروا تمامًا مثلما اختار أن تكون الحميمية هي خياره الأخير، وأن يكون حبل الوداد موصول بينه وبين بناته وأحفاده وأفراد عائلته.

اختار سمير المراغي الحب، ولم يختار الحياة، ضحى من أجل أن يكون قريبًا، وأن يكون حميميًا مع الجميع، التقط الفيروس من عابر حميم، ولم يستمع إلى تحذيرات الأطباء من حالة كبده المتدهورة، تردد على أقرب مستشفى أكثر من مرة، وفي النهاية استسلم لقضاء الله وقدره، أيقن أن الغيبوبة التي تداهمه هي الأخيرة ربما، وتأكد ممن كانوا قريبين منه، أنه لم يعد في الحياة سوى لحظات، وتصعد الروح الطاهرة إلى بارئها.

وبالفعل وفي لحظة يعتبرها القارئون المخضرمون لكتاب الله أنها لا تأتي إلا الصالحين، ولا تقترب سوى من الذين يكتب الله لهم موتة كريمة وعيشًا هنيئًا في جنة الخلد بإذن الله، التقى الخال مع ربه لحظة صلاة الجمعة الرمضانية المباركة، وكنت قد تحدثت معه هاتفيًا قبل الغيبوبة الأخيرة بساعات، كانت كلماته قليلة ومتعبة، وكان الضوء الخافت ينفذ بالكاد إلى عينيه المجهدتين، لم تدم المحادثة سوى أقل من دقيقة، ولم تدم الحياة أكثر من ساعات، وانتقل الخال الأغلى إلى جوار ربه تاركًا خلفه إرثًا من الحب الذي يعلمنا كيف نتسامح ونحن في شدة الغضب، وكيف نعول ولا يوجد بين أيدينا سوى الدعاء، وكيف نصبح خالدين ولا نحمل في سرائرنا إلا النوايا الحسنة.

تعلمت من سمير المراغي الصدق، والتغاضي لا التغافل، والقناعة والرضا، عاشرته في شرخ شبابه، وكان وسيمًا أنيق الكلمات، بشوشًا مثقفًا متواريًا قدر الإمكان، عمل رئيسًا لدائرة الشئون القانونية بشركة مصر للتجارة الخارجية في مطلع حياته المهنية بعد حصوله على ليسانس الحقوق من جامعة القاهرة، سافر بعدها إلى السعودية الشقيقة ليعمل مديرًا لدائرة التسويق ثم مديرًا عامًا لشركة الأميال بجدة ومختلف فروعها في أنحاء المملكة، عاد بعدها إلى القاهرة ليدير بعض الأعمال الخاصة حتى أقعده المرض، وهاجمته «الشيخوخة المبكرة»، واستولت عليه طيور الرحيل الكبير.

رحــمة الله على الخال، على المُهر والخيال، على المتبقــي منا، والباقي لنا، على الدنيا «السواء» التي مــن حــولنا، عليك السلام يا خال، إليك السلام، نم في سلام.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها