النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11724 الجمعة 14 مايو 2021 الموافق 2 شوال 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:24AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:03PM
  • المغرب
    6:16PM
  • العشاء
    7:46PM

كتاب الايام

حكاية المفاوضات التجارية الخليجية الأوروبية والطريق المسدود (1)

رابط مختصر
العدد 11714 الثلاثاء 4 مايو 2021 الموافق 22 رمضان 1442

بدأت علاقتي بالمفوضية الأوروبية ودول الاتحاد الأوروبي منذ عام 1991 عند ما كنت مديرا لمجلس التعاون ومن ثم سفيرا لمجلس التعاون لدى الاتحاد الأوروبي في الفترة من عام 2000-2006 حيث كان يقود المفاوضات التجارية آنذاك السعودي الدكتور مأمون كردي طيب الله ثراه الذي كان شعلة من النشاط والخبرة الطويلة وحظى بتقدير عال من نظرائه الأوروبيين ليتولى هذا المنصب من بعده عدد من الزملاء الخبراء السعوديين وهم الدكتور جبارة الصريصري وكيل المالية بوزارة المالية السعودية الذي أصبح وزيرا للمالية بعدها ليتم تعيين الدكتور يوسف طراد السعدون وكيل الشؤون الاقتصادية بالخارجية السعودية رئيسا للفريق التفاوضي ومن ثم تم تعيين الدكتور حمد البازعي وكيل الشؤون الاقتصادية بوزارة المالية السعودية الذي لم يزل حتى الآن على ما اعتقد رئيسا للفريق التفاوضي الخليجي. والحقيقة أن الاخوة الأعزاء على اطلاع واسع بالمفاوضات التجارية وجمعتني بهم علاقات صداقة وتفاهم وتعاون وثيق ساعدت في التوصل إلى العديد من النتائج وتحقيق الكثير من التقدم في مسودة الاتفاقية التجارية الحرة بين الجانبين الخليجي والأوروبي، خاصة بعد إقرار الاتحاد الجمركي الخليجي والتعرفة الجمركية الموحدة.

إلا أن المفاوضات التجارية مرت بمطبات وعراقيل متعددة كان الجانب الأوروبي يقوم بإثارتها على طاولة المفاوضات كقضايا حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير وقيادة المرأة للسيارات وغيرها، وهي قضايا خارجة تماما عن إطار الاتفاق التجاري تحت المناقشة والبحث.

ومع ذلك وافق الجانب الخليجي على المقترحات الأوروبية في هذا الخصوص ودخلت في متن الاتفاقية التجارية التي لم أكن شخصيا مقتنعا بها انطلاقا من أن هناك اختلافا بين الاتفاق التجاري واتفاق الشراكة، حيث إن الاتفاق التجاري وحسب القانون التجاري الدولي يقتصر على القضايا التجارية البحتة بين الدول أو التكتلات الاقتصادية على قدم المساواة لتسهيل وتعزيز عملية التبادل التجاري الذي يراعي المصالح المشتركة على مستوى واحد ويؤدي في النهاية إلى استقرار الميزان التجاري لمصلحة الجانبين. أما اتفاق الشراكة فكان بين الاتحاد الأوروبي كمجموعة اقتصادية كبرى ودولة بحاجة ماسة لاتفاق الشراكة التجاري الذي يضم القضايا التجارية والإنسانية للحصول على المساعدات المالية والتسهيلات التجارية وتكون للاتحاد الأوروبي بذلك اليد العليا في المفاوضات بين الجانبين.

إلا أن الجانب الأوروبي كان مصرا جدا على إضافة القضايا الإنسانية كبنود أساسية في الاتفاقية وقبلتها دول مجلس التعاون على مضض ولكنها رفضت بشدة بندا يربط انتهاك هذه القضايا الإنسانية في أي من دول المجلس بتعليق الاتفاق التجاري كاملا، وقد تم استبعاده بعد جولات شاقة من المفاوضات بين الجانبين.

لقد كانت تجربة مثيرة جدا بالنسبة لي، سواء على مستوى عملي السياسي والاقتصادي في بروكسل، أو على مستوى علاقاتي بالأمين العام في تلك الفترة؛ الأستاذ عبدالرحمن بن محمد العطية من دولة قطر والأجهزة التنفيذية المختصة في الأمانة العامة بالرياض. وكانت من أهم الفترات التي مرت بها العلاقات بين الأمانة العامة لمجلس التعاون والمفوضية الأوروبية وشهدت نشاطا تفاوضيًا مستمرا طوال الفترة الممتدة من عام 2000-2008 من أجل الانتهاء من صياغة مسودة اتفاقية التجارة الحرة، كما شهدت نشاطا تعريفيا بمجلس التعاون من خلال الورش والندوات والأسابيع التي كانت تنظم في بروكسل والعواصم الأوروبية أو الرياض، وهو ما عكس أهمية العلاقات بين الجانبين.

لقد كان الدخول في مفاوضات وحوارات تجارية بين دول مجلس التعاون والدول والمجموعات الاقتصادية الكبرى في العالم خاصة مع الاتحاد الأوروبي أمرا في غاية الأهمية، ويعبر عن رؤية مهمة لتعزيز علاقات دول المجلس بهذه الدول أو المجموعات الاقتصادية الكبرى، وتأتي أهميتها من خلال تحقيق الأهداف التجارية الاستراتيجية التي تخدم المصالح المشتركة بين الطرفين، وتعزز النمو الاقتصادي ونقل الخبرات وتنشيط التبادل التجاري وتشجيع الاستثمارات، والتبادل الثقافي والبحث العلمي بين الجامعات ومراكز الأبحاث، وتطوير العلاقات في المجالات الصحية والزراعية والصناعية، والنقل البري والبحري والجوي والاتصالات بما يسهل حركة انتقال السلع والبضائع والأفراد، والتنسيق في مجال حوار الحضارات بما يعزز التفاهم الدولي بين الشعوب ويساعد على إزالة التوتر وسوء الفهم ومكافحة الإرهاب بجميع أشكاله، كما أنها تعزز حضور مجلس التعاون على المستويات الدولية والإقليمية.

إلا أن من أكبر الأخطاء التي ارتكبت في مسيرة المفاوضات التجارية الحرة الخليجية الأوروبية هو تعليق مجلس التعاون المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي الذي يعتبر أكبر وأهم تجمع اقتصادي في العالم وأدى مباشرة إلى أضرار كبيرة خاصة بالميزان التجاري بين الجانبين لمصلحة دول الاتحاد الأوروبي، مما يتطلب سرعة العودة لهذه المفاوضات التي كانت على وشك إغلاق ملفها بعد أن تم التوصل إلى تفاهم لأكثر من 99% من مواد الاتفاق التجاري بين الجانبين.

ومع كل ذلك يبدو واضحا أن هناك حرصا على إتمام الاتفاق، لذلك عمل المسؤولون في الجانبين طوال السنوات الماضية على التمهيد لعودة المفاوضات التي سوف تحتاج إلى فترة طويلة أخرى، لكن من المهم أن تعود جولات المفاوضات بفكر جديد شفاف ومفتوح من أجل التوصل إلى صيغة عادلة وعملية وواقعية. المهم هنا تحقيق النجاح والتوقيع على الاتفاق، وليس الفترة الزمنية للمفاوضات وطول مدتها.

 

وللمقال تكملة في الأسبوع القادم

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها