النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11858 السبت 25 سبتمبر 2021 الموافق 18 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:10AM
  • الظهر
    11:30AM
  • العصر
    2:55PM
  • المغرب
    5:31PM
  • العشاء
    6:47PM

كتاب الايام

ميشيل كيلو.. لم يكن مجرّد مسيحيّ

رابط مختصر
العدد 11711 السبت 1 مايو 2021 الموافق 19 رمضان 1442

 «كيف تستطيع أن تكون مجرد مسيحي فحسب في بيئة تاريخية أعطتك ثقافتك ولغتك وحضارتك وجزءًا مهمًا من هويتك»، هكذا حدّثه أبوه يومًا، وعلى هذه الرؤية العميقة للوطن تربّى المفكر السوري «ميشيل كيلو»، وها هو يترجّل عن هذه الدنيا بعد أن كان فارس ميدان الفكر والثقافة طيلة ثمانية عقود، رحل متأثرًا بإصابته بفيروس كورونا، في العاصمة الفرنسية باريس.

 لَقلّما أجدُ إجماعًا حول شخصيّة كما وجدته في كلمات التأبين والتعليقات التي اكتظت بها مواقع التواصل الاجتماعي بعد وفاة ميشيل كيلو الإثنين 19 أبريل 2021 إثر مضاعفات إصابته بفيروس كورونا. ففي مدينة اللاذقيّة الساحلية، حيث التعدد والتنوّع والاختلاف منذ مئات السنين وُلدَ ميشيل كيلو عام 1940 في أسرة مسيحية لأب شرطيّ وربة منزل، وعاش طفولته في أسرته. وبرعاية من والده الذي كان واسع الثقافة، تلقى كيلو تعليمه في مدارس اللاذقيّة وبعدها درس الصحافة في مصر وألمانيا، وعمل عام 1966 في وزارة الثقافة والإرشاد القومي بدائرة الترجمة.

ترجم كيلو على بعض الكتب إلى العربية منها «الإمبريالية وإعادة الإنتاج» و«كتاب الدار الكبيرة»، و«لغة السياسة» و«كذلك الوعي الاجتماعي». كما انتهى كيلو من كتابه «من الأمة إلى الطائفة سوريا في حكم البعث والعسكر» روى فيه حكم البعث لسوريا خلال 50 عامًا.

وقد شغل ميشيل كيلو منصب رئيس مركز حريات للدفاع عن حرية الرأي والتعبير في سورية، وكان ناشطًا في لجان إحياء المجتمع المدني، وعضوًا سابقًا في المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوري. وهو أيضًا محلل سياسي وكاتب ومترجم وعضو في اتحاد الصحفيين السوريين.

كما كان من الوجوه البارزة في فترة ربيع دمشق، ومن الموقعين على وثيقة «إعلان دمشق»، وقد تعرض للاعتقال عدة مرات بداية من السبعينيات حتى 2009، حيث أفرج عنه عقب اعتقال دام ثلاث سنوات، بعد إدانته من قبل المحكمة العسكرية السورية بـ«نشر أخبار كاذبة، وإضعاف الشعور القومي، والتحريض على التفرقة الطائفية». 

ومن جميل ما ترك قبل وفاته وصية بعنوان «كي لا تبقوا ضائعين في بحر الظلمات» تضمّنت نصائح صادرة من قلبه، وعن تجربته الثرية، وتحمل أملاً بمستقبل أفضل توجّه فيها إلى أبناء شعبه إلى كل السوريين على اختلافهم وتنوّعهم، وقد أوصى خيرًا بالوطن ودعا إلى تغليب مصلحة البلاد وجعلها فوق الاختلافات الإيديولوجية التي تعصف بها حيث قال: «لا تنظروا إلى شعبكم ووطنكم من خلال أهوائكم وأيديولوجياتكم وهويّاتكم، الآنية والضيقة والسطحية، بل انظروا إلى ذلك كله، من خلال شعبكم ووطنكم، عامل غنى وإثراء وتفاعل وتكامل وتعاضد، فالتقوا بمن يختلف معكم، بعيدًا عن انحيازاتكم الهويّاتية أو الأيدولوجية التي كانت تصوّره عدوًا لكم، فيما عدونا جميعًا هو الاستبداد الذي سلب حقوقنا وحرياتنا.» 

وأوصى بأهل الفكر خيرًا حين قال: «لا تتخلوا عن أهل المعرفة والفكر والموقف، ولديكم منهم كنز. استمعوا إليهم، وخذوا بما يقترحونه، ولا تستخفوا بفكر مجرب، هم أهل الحل والعقد بينكم، فأطيعوهم واحترموا مقامهم الرفيع». ولم ينسَ ميشيل كيلو المرأة السورية بل وصفها بالرائعة وأثنى على دورها فقال: «تستحق المرأة السورية الرائعة والشجاعة والصابرة كل التقدير والعرفان... لذا لا يمكن أن نبني سورية الجديدة بدون مكانة طبيعية للمرأة السورية، تضمن حقوقها ومكانتها السامية في المجتمع، هذا أقل تقدير لأمهاتنا وأخواتنا وزوجاتنا وبناتنا، فهم عنوان للحياة والكرامة».

وانتهى في آخر الوصية إلى رجاء يعبّر عن عمق الأزمة السورية نظامًا ومعارضةً حيث قال: «رجاءً، لا تنظروا إلى مصالحكم الخاصة بوصفها متعارضةً مع المصلحة العامة، فهي جزء، أو يجب أن تكون جزءًا، منها.. فما أهمية أن يحقّق المرء مصلحة خاصة ما، في وضع يكون فيه في سفينة غارقة أو مضطربة. السلامة العامة والازدهار العام والمساواة لكل السوريين خير ضمان لازدهارنا وتطوّرنا على الصعيد الشخصيّ». وختم بقوله: «شعبنا يستحقّ السلام والحرية والعدالة... سورية الأفضل والأجمل بانتظاركم».

هذا هو ميشيل كيلو لم يكن مجرّد مسيجي بل كان سوريًا وطنيًا عربيًا إنسانيًا مخلصًا، وبرحيله فقدت سورية مفكرًا نيّرًا حارب طيلة حياته الطائفية والاستبداد والتبعية. فإلى عائلته وأصدقائه في سوريا وخارجها أخلص التعازي ولروحه السلام.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها