النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11765 الخميس 24 يونيو 2021 الموافق 14 ذو القعدة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:13AM
  • الظهر
    11:40AM
  • العصر
    3:05PM
  • المغرب
    6:33PM
  • العشاء
    8:03PM

كتاب الايام

تلغيم الجو.. حماقة مضافة إلى سباق التسلح

رابط مختصر
العدد 11709 الخميس 29 ابريل 2021 الموافق 17 رمضان 1442

أحدث أخبار تكنولوجيا الطيران في معامل الهندسة العسكرية يفيد بأن المهندسين الروس قد اخترعوا أول شبكة في العالم لتلغيم الجو. هذه الألغام الجوية هي درونات (طائرات دون طيارين) تطلق في الجو من أجل اصطياد درونات معادية، وهي مجهزة بنظام ذكي متعدد المجسات لتسهيل عملية التعرف على درونات العدو. ميزة أخرى لهذا اللغم الجوي الطائر أن سرعته (300 كيلومتر في الساعة) ضعف سرعة الدرون الموجه لتدمير أهداف أرضية (150 كيلومترًا في الساعة). تكنولوجيا إنتاج «طائرة دون طيار» كانت في البداية حكرًا على دول قليلة متقدمة علميًا وتكنولوجيًا، أما اليوم فإن مليشيات عسكرية، ومن ضمنها الإرهابية، قادرة على إنتاج طائرات دون طيار، ورغم الفارق النوعي بين الصناعات إلا أن الطائرات الأدنى نوعيًا تسبب إزعاجًا ويمكنها أن تسبب اضرارًا نوعية، مما يعني أن الهدف الأساسي من صناعة هذه الطائرات قد ارتد على نفسه، مثل السحر عندما يرتد على الساحر. اليوم، فإن ما يقارب الثمانين دولة بإمكانها إنتاج هذا النوع من الطائرات، ومع هذا العدد الكبير من الدول القادرة على إنتاجها فإنها ستخرج عن دائرة السلطة الرسمية وعن دائرة المسؤولية وسوف تتلقفها أيادٍ لا علاقة لها بحكومات الدول، أي إنه من المرجح وشبه المؤكد أن حركات إرهابية وميليشيات عسكرية سوف تضم هذا السلاح الجوي الى ترسانتها العسكرية المتواضعة نسبيًا. وللعلم، فإن الأجواء الفلسطينية، انطلاقًا من غزة، شاهدة على نوع من الطائرات دون طيار يسمى (أبابيل-1) ويرمز لها (A1)، وهي من صناعة كتائب الشهيد عزالدين القسام الجناح العسكري لحركة حماس، وقد استخدمت حماس هذه الطائرة أول مرة في الحرب الإسرائيلية على غزة عام 2014. وتقول حركة حماس إن الطائرة من إنتاج مهندسيها، إذًا فإن احتكار هذا السلاح الجوي، الرخيص والفعال، قد انكسر، وأصبح شبه مشاع تطاله جميع الأيادي، وهنا مكمن الخطر، الخطر الكارثي. ولقد تفاقم الخطر مع الإعلان الروسي عن إنتاج ألغام طائرة في الجو، وهذه الألغام مثل أمها، الدرون الأصلي، سوف تخرج عن دائرة الدول والحكومات وعن حصون وزارات الدفاع في العالم ليكون لها وجود في مخازن السلاح عند الحركات والميليشيات والعصابات.

كان الجو في السابق حكرًا على المقتدرين علميًا وتكنولوجيًا، والمقتدرين ماليًا، أما اليوم فإن الجو قد صار فضاء مفتوحًا للطيور المعدنية الرخيصة من كل حدب وصوب، والكل قادر على امتلاك هذه الطيور المعدنية الجارحة، فانكسر الاحتكار الإنتاجي والاحتكار الفضائي، ورغم بعض الإيجابية في هذا المنحى إلا أن المحصلة النهائية كارثية. بداية كل شيء الاحتكار، ولكن الاحتكار لا يدوم، وهذه قاعدة راسخة، والإنسان في حاجة ماسة، وهي حاجة تمس أُسَّ مصيره الوجودي، لاستيعاب الدرس من هذه القاعدة، إن اليد الطولى لن تدوم أبدًا في العلا، فما طار طير وارتفع إلا مثلما طار وقع... الأمثال المشعة من بلورة الحكمة كثيرة، والكل يتغنى بها، غناء الإعجاب والطرب، لا الاسترشاد منها هديًا في الحياة، فالإنسان مع أقوال الحكمة كالببغاء في ترديد المسموع من الكلام.

مع تكاثر هذه الطيور المعدنية الرخيصة غير السلمية في أجواء الكرة الأرضية فإن الطيور الثمينة السلمية التي تحمل الأبرياء ستكون عرضة وهدفًا، بقصد أو غير قصد، لمخالب الدرونات بأنواعها المتضاربة؛ نوع يستهدف الموجودات على الأرض، والنوع المضاد يستهدف النوع الأول (الاختراع الروسي الجديد)، وهذا قد يغري حماقة الإنسان إلى إنتاج نوع ثالث ورابع، ويختلط الحابل بالنابل والهادف بالمستهدف، ويتابع السلاح سباقه في مضمار القتل والدمار.

معادلة المخاطر، بين الأرض والبحر والجو، تفيد بأن الأرض هي الأسلم، وأن الجو هو الأخطر، وأن أي خلل أو خطأ على الأرض يمكن الانفلات من مخاطره والحفاظ على الحياة، بينما في الجو فإن خطورة الخلل أو الخطأ مقضي بحتمية الهلاك. مع هذه الطيور المعدنية الرخيصة القاتلة والمسببة للكوارث في الجو، فإن السفر جوًا قد دخل في معادلة المخاطر بشكل ملح وجدي، والتي يمكن حساب احتمالاتها على الأرض وفي البحر، ولكن الاحتمالات في الجو مغامرة بالمطلق. معادلة المخاطر هذه تولدت عناصرها الحسابية من حماقة الإنسان بالهوس الجنوني في سباق التسلح. سباق التسلح، وهو تراكم نوعي في اتجاه الأسلحة الأكثر قتلاً ودمارًا، وللتراكم حد حرج عندما يصل إليه ينتفي التراكم و يحدث تحول نوعي؛ فما هو التحول النوعي الذي ينتظر الإنسان بعد أن يصل سباق التسلح إلى المدى الذي يعجز فيه السلاح من الاستمرار في السباق؟ هذا إذا وصل السباق إلى مداه قبل أن يجهز السلاح على كامل بيولوجية الإنسان!

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها