النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11851 السبت 18 سبتمبر 2021 الموافق 11 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:06AM
  • الظهر
    11:33AM
  • العصر
    2:59PM
  • المغرب
    5:39PM
  • العشاء
    6:55PM

كتاب الايام

محمود نسيم.. الرحيل الكبير!!

رابط مختصر
العدد 11708 الأربعاء 28 ابريل 2021 الموافق 16 رمضان 1442

عندما يداهمنا الرحيل الكبير، نتذكر أتفه الأشياء، وأصغر الصغائر، يصبح «زر القميص الذي ضاع منا» حدثًا، و«رائحة العرق المشمشمي» في نسائم الصيف النادرة رونقًا مع إيقاف التنفيذ، ويكون لقاء السحاب بين راحلين؛ محمود درويش بعد أن بشر بهذه «الفتافيت»، ومحمود نسيم عندما كان يتحدث بشغف عن مدرب الأداء وهو يقود أوركيسترا الإمكان في مشاهد مدهشة، وفي تجليات لم يجانبها الاجتلاء، كان يدرك كل منهما أن الرحيل الكبير له مواصفات وملامح، وأن العلامات الكبرى للنهاية لابد أن يكون لها مقدمات صغرى، وطرائف مثيرة، بل وضحكات مدوية.

قبل رحيل صديق العمر ورفيق الدرب الشاعر والأستاذ ورمانة الميزان بين الأجيال دكتور محمود نسيم، وقبل أن تداهمه كورونا العصر بأيام اتصلت به بعد الفجر، وجدته حزينًا مترددًا، متأتيًا منتقيًا عباراته بعناية:

- إزايك يا محمود وحشتني

- تمام الحمد لله وإنت كمان 

- إيه الأخبار

- كويسة لا جديد

- عامل إيه مع كورونا

- أنا على مشارف كورونا

- يا ساتر وبعدين

- لا أبدًا، الدكتور طارق حا يشوفني بكرة، متقلقش أنا كويس

ودار حديث شائق بيننا على مدى ساعتين حول الشعر والتجربة، حول الذكريات، وحول أول كتاب للعروض كنا قد قرأناه وتعلمناه سويًا وكان للدكتور الراحل عبدالله شحاتة، وتذكرت والدي ووالده، أمي وأمه، وكيف كانوا رمزًا لمآثر كونتنا، وعزائم ساعدتنا، ووصايا مازالت ماثلة في ذهنيتنا المؤمنة حتى اللحظة.

محمود نسيم الذي رحل مبكرًا جدًا من قبل أن أفي بوعدي معه، بأن ألتقيه في القاهرة الحافلة، لم يكن صديقًا أو جارًا أو قريبًا جغرافيًا مني بقدر ما كان اعترافًا وتأكيدًا بأن ما نكتبه وما أكتبه أنا شخصيًا مُجاز شرعًا، معترفٌ به ومرخصٌ  له قانونًا، محمود كان موسوعي الفكر، ضمير مختصر، وفعل مستتر تقديره كم من الدرجات يمكن أن يحصل عليها هذا النص يا حبيبي، آخر رسائلي إليه قبل أيام من وفاته: «أنا بحبك قوي قوي يا محمود»، ويرد على الفور: «وأنا كمان بحبك قوي قوي يا أسامة».

منذ وفاته وحتى اللحظة أحاول أن أواجه نفسي قبل أن أواجهه بقصيدة تعجبه، بنص يليق بجبروت الرحيل الكبير، بحالة يمكن أن نطلق عليها بعد أن نفكر ونفكر: بالذكرى عندما يشغلها صباها، والفكرة حين تتجلى في لحظة ملامسة صاحبها المشتاق.

حاولت، كتبت، وكتبت، وكتبت، لكنني فشلت، شعرت بأن رسائلي لن تصل، وأن دموعي سوف تتخلى عني في اللحظة الحاسمة، وأن ألمي لن أستطيع السيطرة عليه لكي أبكيه عندما أنعيه، أو لكي أنعيه حين أبكيه.

شعرت بأن ندائي لن يسمعه، «قم وتكلم، صدقني لن تندم، قل لي أنك مازلت بخير، وأنك تسمعني، قل لي بأنك مازلت أمامي تحاورني، وأني مازلت أمامك ألقي عليك سلامي، فتلقي عليّ سلامك، قل لي بالله عليك، أي كلامٍ يحزنني، يبكيني، في ليلة إحرامي وإحرامك، قل لي بالله عليك، أين كلامي وكلامك».

وتوقفت، استرسلت، تمعنت، تذكرت، فإذا بشريط أطول من عمري، أعقد من قدري، يلقنني بكلام آخر، وحين أهم لأكتبه، يتمثل صمت صديقي في لوحة إصغاءٍ عملاقة، أراه أمامي وكأن الموت بعيد جدًا، والعمر طويل جدًا، والفرص الضائعة ما زالت متمنعة جدًا، قررت أن أتوقف فورًا عن الكتابة حدادًا على سوء الأحوال، وحزنًا على ما صال في خواطرنا وما جال، وعزوفًا عن قول ليس ككل الأقوال.

رحل محمود نسيم وترك الدهر بما يُخفي، ورفض جميع الإغراءات التي يمكن أن تجعله موجودًا في زمن أغبر، دخل معارك فكرية، وصراعات ممن كانت معهم عصا موسى، وأولئك الذين يمتلكون المن والسلوى وصناديق الدنيا والآخرة، كان عميقًا في مظهره، وفيًا في معشره، وغريبًا حين يغادر، أو حين يبادر، أو حين يعاشر.

محمود نسيم السيد الجوهري ابن بار بأبويه، بعائلته وجيرانه وأصدقاء العمر، ورفقاء الدرب، تمامًا مثلما كان وفيًا مخلصًا لفكره، لقراءاته، لصولاته وجولاته، لمشيته الليلية عندما كان يختفي ليذهب، وعندما يعود أسأله أين كنت؟ لم يجب أبدًا.

إنها لحظة كان يتحرر فيها محمود نسيم كل يوم من كل شيء، كان يذهب وحيدًا، ليمشي وحيدًا، يفكر وحيدًا، ويعود مثلما كان وحيدًا.

ومرت سنين العمر، ولم يتوقف محمود نسيم عن عادته الليلية في المشي لساعات وحيدًا، لم يعرف أكثرنا قربًا أين كان، ولماذا يذهب، ولماذا يختار أن يكون وحيدًا؟

ورحل محمود وحيدًا، اختار أن يذهب بمفرده إلى الرحيل الكبير، كي يتذكر «زر القميص الذي ضاع منه»، أو «الاعتراض الشعري الذي كتبه في أحد أصدقاء عمره الجميل شعبان يوسف»، أو عن مدرب الأداء، أو النداء الذي توج بهما مسيرته الشعرية وكان لي شرف النشر لهما في مجلة «صوت الأهلية».

سألته ذات يوم: كيف تنهي قصائدك؟ أجاب من دون تردد: إنها محنة المحن، وكنت أحاول أن أنهي قصيدتي في ذكرى جمال عبدالناصر «رحلة إلى ملكوت الأب» فاتصلت به، ربما تقودنا المناقشات إلى فكرة، إلى طريق لا نهاية له، ولم أكن أعلم بعد أن انتهت المكالمة، أنني على بعد ثانية واحدة من آخر كلماتي عندما تذكرت «الأستاذ» وكيف انتهى كل شيء بعد رحيله:

«رحل الكل 

وعلامات فراقٍ

راحت تحفر في كفينا

ينبوع نواحٍ يتفجر

رحل الأستاذ

رحل الخال

ليعيق مرور الراحة في المعبر 

رحل الأصل وبقيت أنا

لأكافح مذبحة في قلبينا

وقليلاً من ودٍ أكثر

فورائي منعطف خطر

وأمامي منحدرٌ أخطر».

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها