النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11756 الثلاثاء 15 يونيو 2021 الموافق 4 ذو القعدة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:11AM
  • الظهر
    11:38AM
  • العصر
    3:03PM
  • المغرب
    6:31PM
  • العشاء
    8:01PM

كتاب الايام

غالي راشد.. الفنان الذي عاش المسرح بوصفه حياة..

رابط مختصر
العدد 11707 الثلاثاء 27 ابريل 2021 الموافق 15 رمضان 1442

في حياتنا المسرحية أناس لا يمكن أن نطلق عليهم بشر أو تفيهم كلمة صديق أو تعطر بعض الأطايب ذكراهم، إنهم إنسانيون ملائكيون إلى حد يفوق الوصف، هكذا وأكثر كان غالي راشد.

 ربما أغلبكم لا يعرف من هو غالي راشد، وماذا يعني له المسرح وكيف كان يحب الحياة فيه وبين أهله، وكم كان المسرح لحظتها حين غادر الحياة سريعًا حزينًا وكئيبًا وأعزلاً، لقد وهب هذا الفنان حياته للمسرح.

 كان مسرحه صغيرًا جدًا هش القاعدة في بيت قديم مستأجر يدعى نادي الرفاع الغربي آنذاك، وكان غالي مشغولاً طوال حياته القصيرة السخية بتقوية قاعدته وجعلها قادرة على تحمل أثقل الأطنان المادية والبشرية بما فيها وزنه الأفريقي الضخم، وكان ينتابه القلق الشديد إذا أجريت تدريبات العروض المسرحية القصيرة فيه وأشعره أحدهم بأن هناك خللا ما في المسرح، لذلك كان يعتلي الخشبة قبل الاخرين، ويترفق بها حينا ويقسو عليها حينًا آخر ليطمئن بأن كل شيء على ما يرام، وحين يطمئن – كعادته – يضحك ضحكة طفولية ملؤها البراءة ثم يهيئ صوته النحاسي وجسده الصنوبري للتدريب.

 كان غالي يتحمل مسؤوليات أخرى فوق المسؤولية المناطة إليه، ودون أن يقول لا، يبادرك بكلمته المعهودة «كل شيء يهون من أجل المسرح» فيتابع بصمت المسؤوليات الإدارية ومتابعة إجازة النصوص من وزارة العمل والشؤون الاجتماعية آنذاك ويقوم بترتيب وإعداد الدعوات لحفلات النادي، وكان أغلب الأحيان يقصد المدعوين مباشرة بنفسه إلى بيوتهم أو مقار عملهم، وحين يتأخر أحد الأعضاء عن حضور البروفات يقوم بالاتصال به أو يقصده بنفسه ليطمئن عليه، ولا يمكن أن أنسى ما حييت هذا الإنسان الذي يأتي في مقام والدي وهو يقصد منزلنا صباحًا ويطلب مني بود لا نظير له نص مسرحيتي (من الغلطان) ليتوجه به إلى وزارة الشؤون الاجتماعية بالمنامة لإجازته، لم ينتظر مني ولو بعض قليل من الوقت كي أسبقه إلى منزله بالرفاع الغربي وأسلمه النص، فأي تواضع هذا، أي حرص..

وكان الغالي مهووسا بالعلاقات الاجتماعية بين الأعضاء وضرورة توطيدها بينهم، إلى درجة أنه في شهر رمضان المبارك بالذات – يقوم بإعداد ((الغبقات)) بنفسه وكانت سفرة ((المحمر والصافي)) مأثورته العزيزة، وكانت فرحته تفوق كل ذلك حين يرى الجميع ويزيدون عنهم كلهم موجودين حول السفرة، ساعتها يلكز مخرجنا عبدالله السعداوي بكوعه – بهدوء – وهو يقول ((الحمدالله، الدنيا بخير، ربعنه زادو)).

كان غالي راشد حين يصعد الخشبة بقامته الصنوبرية الضخمة، كل شيء فيه يتغير، إلى درجة أنه يتوحد مع المسرح، أو يتقمص دوره (حين ذاك كان التقمص يَعد شيئا من قبيل الصدق في التجسيد) فذاك الطفل الذى يشبه في وداعته دب الباندا والذي عابثك قبل إجراء البروفات، يتحول الى أب متسلط قاس، أو رجل خبيث تاجر جشع أو رجل دين تقي، والملاحظ أن غالي حين يقوم بدوره أثناء التدريب يمتثل تماما لملاحظات وتوجيهات مخرج التجربة المتواضعة آنذاك، ولكنه يفاجئك بأداء لم يخطر على بالك، إنه يضيف لدوره، يعيشه إلى درجة أنك تخشى عليه من تفاعله غير العادي مع صدقيته.

 غالي لم يتخلف قط يومًا عن بروفة أو عن تنفيذ مسؤولية كلف بها، كان ملتزمًا الى حد أنه يسبق الموعد المحدد بساعة أو ساعتين أحيانًا وإذا حدث ولم يأتِ غالي حسب الموعد فحتمًا هناك ظرف ما حال دون ذلك، وجميع من عمل وصادق واقترب من الغالي لم يرَه قط متذمرًا أو غاضبًا، كان يتميز بحلم لا مثيل له، كان ينسى أي خلاف ربما افتعل معه.

هذا الفنان مولع برصد ومعاينة ومعايشة مواقف وأحداث حياته حين يحكيها لك ببساطة وهدوء تشعر كما لو أنك تراها الآن.

 في جعبة غالي حياة وأساطير وحكايات كان يشكلها بألوانه أو قلمه الرصاص أو الجاف على الورق، فأي ورق حين تغزوه الفكرة قابلاً لأن يحيا، وكان غالي يحيا ولا يزال معنا في الحياة وعلى المسرح، إنني أراه في بعض الأصدقاء الكبار بإنسانيتهم وفنهم وأخلاقهم والذين لم يكونوا أنصاف أو أرباع أو أسداس فنانين، بل كانوا حياة. 

فهل كان الغالي غالي راشد الأنموذج الأول الذي أراه في حياتي المسرحية للفنان الذي يتقمص أدواره بوصفها حياة يعيشها اللحظة والآن؟ وهل كان هذا التقمص اللامحدود أحد أسباب رحيله المبكر؟..

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها