النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11729 الاربعاء 19 مايو 2021 الموافق 7 شوال 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

«فن الحرب» اعتداء على «جمال الفن»

رابط مختصر
العدد 11702 الخميس 22 ابريل 2021 الموافق 10 رمضان 1442

المعروف والمشهور أن في المكتبات وفي أيدي جنرالات الحرب كتابًا عنوانه «فن الحرب» من تأليف جنرال صيني اسمه سون تزو يعود تاريخه الى القرن السادس قبل الميلاد، هذا الكتاب له قدسية دنيوية عند أسياد السياسة وفرسان الحروب. ولأن هذا الكتاب يُعد دليلاً، ذو فاعلية استراتيجية وتكتيكية في مواجهة الاعداء، فقد تلمظ فيه بارونات المال والاعمال طعمًا مستساغًا لمواجهة المنافسين (الأعداء) في الحرب التجارية، وهكذا توسعت دائرة قراء الكتاب لتشمل التجارة وتوابعها بجانب الحرب، ومن التجارة الى ادارة المؤسسات بأنواعها وأحجامها. بالنتيجة أضحى كتاب «فن الحرب» دليلاً فاعلاً وفعالاً في جميع مناحي الحياة. و لا عجب إذا ما استرشد بعض الناس، في دائرة العلاقات الاجتماعية، بهذا الكتاب لاكتساب المهارة المرجوة في التعامل مع الناس، من أهل وأصدقاء وزملاء ومع من يلتقيهم في حياته اليومية. هذا الكتاب حاضر في جميع لغات العالم، و اليابانيون هم أول من ترجموا الكتاب، ورأوا فيه السبيل العسكري والاستراتيجي للمحافظة على وحدة بلادهم، وأول ترجمة أوروبية كانت عام 1772م في فرنسا تحت عنوان «فن الحرب» ( L’art de la guerre)، ومن ثم انتشر الكتاب إلى بقية دول أوروبا، ومن ثم الى بقية دول العالم.

الكتاب في أصله الصيني لم يكن عنوانه «فن الحرب»، بل «قانون الجندي»، الفرنسيون من جانبهم، في مقدمة الترجمة، فسّروا صيغة العنوان الصيني بـ«أساليب عسكرية» (Méthodes militaires)، وهذا التفسير قريب من الأصل الصيني مقارنة بالعنوان المعروف في أوروبا والعالم العربي وهو «فن الحرب». قد يكون لهذا العنوان الاوروبي للكتاب الصيني أسبابًا أوروبية بحتة، ويمكننا تحسس ذلك من كتاب (Dell’arte della Guerra) «فن الحرب» الذي ألفه المفكر السياسي الايطالي نيقولا ميكيافيلي، صاحب كتاب «الأمير»، في القرن السادس عشر. الفارق الزمني بين الكتابين أكثر من الفين سنة، ولكن الكتاب الصيني اكتسب أهمية استراتيجية وتكتيكية عسكرية فاقت ما قدمه ميكيافيلي، ولا ندري إن كان السيد ميكيافيلي قد عرف بالكتاب الصيني، ولكن من المرجح انه لم يكن يعرف عن الكتاب الصيني أي شيء لأن أول ترجمة أوروبية كانت في القرن الثامن عشر، أي بعد ميكيافيلي بقرنين. الفارق بين الكتابين نوعي، الكتاب الصيني من تاليف جنرال في الجيش والكتاب الايطالي من تأليف دبلوماسي في عالم السياسة ومفكر سياسي، بالنتيجة فإنه من الطبيعي أن يكون كتاب الجنرال مفهومًا لدى العسكريين أكثر من كتاب الدبلوماسي، لأن الفارق بينهما هو المعرفة العسكرية والخبرة في الحروب، ولكن هذا لا يقلل من شأن كتاب ميكيافيلي في شئون الحرب والدبلوماسية. صدر بعد ذلك في النصف الأول من القرن التاسع عشر كتابان عن «فن الحرب»، أحدهما للجنرال البروسي كارل ڤون كلوزويتس والآخر للجنرال النمساوي أنتوان هنري الملقب بارون جوميني.

الجنرال النمساوي يذكر في ملخص كتابه عبارة أن «الحرب فن وليس علم»، وهذا الرأي عن الحرب يتفق مع ميكيافيلي الذي عنون كتابه «فن الحرب». هذه الكتب الاربعة هي مراجع للعسكريين منذ تاليفها الى يومنا هذا، وهي كتب يمكن ان تصنف تحت الثقافة العسكرية، طبعًا هناك الألوف من المؤلفات والمقالات والبحوث عن الحرب والشأن العسكري، وهي تحوم حول هذه المراجع الاربعة، وتساهم في إغناء الثقافة العسكرية. في دائرة هذه «الثقافة العسكرية» ثلاثة جنرالات يتمتعون بمكانة تاريخية استثنائية في المهارات الحربية عند الاوروبيين، وهم الاسكندر المقدوني من القرن الرابع قبل الميلاد والقيصر الروماني من القرن الأول قبل الميلاد ونابليون الفرنسي من القرن التاسع عشر الميلادي، ويرون في هؤلاء القادة العسكريين «فنانين في الحرب»، من هذه الثقافة العسكرية، المطلوب تعظيمها، تولد التعبير الشاذ أن «الحرب فن»!!! رغم أن الفارق بين الفن والحرب كالفرق بين الخلق والقتل، بين البناء والهدم، بين الجمال والقبح، وبالنتيجة الخالصة الفرق بين الخير والشر، الفن خير والحرب شر، ولا جامع بينهما. لا شك أن كل هذه الشرور، من قتل وهدم ومكر وخداع، ومعها الكذب والنفاق، في حاجة الى ذكاء استثنائي ومهارة فائقة ترقى الى رتبة «الإبداع». «الإبداع» كلمة سحرية، وطاقة استثنائية، في الخلق وفي القتل، في البناء وفي الهدم، هذا «الابداع» هو السيد النشط المحرك في النقيضين، في الخير وفي الشر. لكن ليس كل إبداع فن، الفن انعكاس لكل ما هو جميل، والفن هو محاكاة الإنسان لما يرى أو يشعر أو يفكر أنه جميل، فيبدع في إنتاج ما هو جميل، والجمال ارتباط بالذوق الرفيع وبكل ما هو خير...

اكتشف الإنسان الجمال في الطبيعة، ورأى في الجمال راحة للنفس وبلسمًا يزيل الهم والغم وآلام النفس وقلق الذهن، ومخرجًا من ضغوط الحياة، واستوحى جنة الفردوس من هذا الجمال، فتنامى في ذهنه ملكة التذوق بالجمال. في البدء كان الجمال المحسوس الذي اكتشفه الانسان بملكة الوعي، ومن هذا الجمال استنبط معنى «الابداع» الذي أنتج الجمال، فسمى هذا الإبداع «فنًّا»، وهكذا ارتبط الفن بالجمال، والجمال بالفن... لا يمكن للجمال إلا أن يكون فنًا، ولا يمكن للفن إلا أن يكون جمالاً، ومن يبتغي غير هذا الرباط بينهما فإنه يشوه الجمال ويحرف الفن ويزين القبيح ويجل الشر.

عندما نقول «فن الحرب» فإننا نضفي على الحرب صبغة جمالية، مثل الصبغة الجمالية على النفاق في قول «فن النفاق» آو اصباغ الفضيلة الى النفاق بقول «أخلاق النفاق»... إن المنافق يرى في النفاق «سيد الأخلاق»، وهكذا يزين سوأته... عندما يزج بالخير في الشر فإن المراد هو تزيين الشر...

دعونا نتحسّس ونستشعر ونتذوق ونتأمل في الفن الذي تنتجه الحرب، حتى يصدق تعبير «فن الحرب»، فهل النتيجة الكاملة «فن» بعد نهاية «عمل الحرب» في المدن المدمرة وعشرات الألوف من القتلى ومئات الألوف من الجرحى وملايين المشردين ؟... هل من الأخلاق والفضيلة إدراج هذا النتاج الكارثي تحت قائمة الفن ؟... عندما ينتهي المؤلف الموسيقي من عمله، فإن الناتج فن، هذا على سبيل المثال لا الحصر... أما عندما ينتهي الجنرال من الحرب فإن الناتج لا علاقة له لا بالجمال ولا بالذوق، ويكون الناتج ضد كل ما هو انساني، وهو بعيد عن الفن بعد الخير عن الشر.

إن كان استعارة كلمة «فن» للتعبير عن الحرب قد ورد من باب المجاز، فإن الاستعارة اعتداء فظ على كلمة «فن»، أما التصرف المجاز ي هنا فهو اعتداء على المجاز ذاته، لأن المجاز بهذا التصرف قد حُمِّلَ ما لا يحتمله ولا يجيزه المجاز...

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها