النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11729 الاربعاء 19 مايو 2021 الموافق 7 شوال 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:20AM
  • الظهر
    11:34AM
  • العصر
    3:02PM
  • المغرب
    6:19PM
  • العشاء
    7:49PM

كتاب الايام

مفاوضات إلى الأبد

رابط مختصر
العدد 11694 الأربعاء 14 ابريل 2021 الموافق 2 رمضان 1442

مضحك أمر الأثيوبيين في قضية سد النهضة، كأنهم لا يديرون دولة، وكأنهم يعيشون عصور ما قبل الكتابة، لا تدوين، ولا وثائق، ولا بروتوكولات، اتفاقيات «بحلف اليمين»، بـ«والنبي» و «الله العظيم»، «متخافش يا أستاذ»، كأنهم يعيشون عصر ما قبل الوعي، ما قبل نزول الوحي على أنبياء الله ورسله أجمعين، أو كأنهم يعرفون ويدركون، ولا يرتضون النزول إلى كلمة سواء، هم يعتقدون حكومة وشعبًا أنهم شعب الله المختار بالماء والنضارة والإخضرار، وأنه عز وجل جعل من أراضيهم مهبطًا للأمطار، ومجاريًا للأنهار، وأنه لو كان يريد أن يمنح هذا الخير للمصريين أو للسودانيين لمنحه إياهم، ولو كان جلت قدرته، يرغب في تمييز السودان أو مصر بالميزة التي وهبها الله لأثيوبيا، لكانوا باعوا الماء والطمي والزرع والضرع للأثيوبيين أو غيرهم.

ويتندر الساسة والناس، حكومة وشعبًا بالدول التي منحها الله ثروات معدنية جعلها تطفو فوق ثروات هائلة من بيع النفط، إذًا لماذا لا نبيع نحن الماء لمصر أو للسودان أو لغيرهم؟ يتساءل الأثيوبيون حكومة وشعبًا: كيف إذًا نواصل ماراثون المفاوضات، مصر كنا أو سودان، أو كلانا معًا؟ كيف ونحن ندرك مقدمًا أن الأثيوبيين لا يرتضون الالتزام باتفاق، أو الاتفاق على رقم، أو التحاور حول زمن؟.

هم يعتقدون بأن السد سدهم، والنهضة نهضتهم، والماء ماؤهم، ونحن نعتقد أن الماء للجميع، وأن الدول المتشاطنة مع حوض نهري محدد تتقاسم مياهه وفقًا لاتفاقيات دولية ومعايير ومعاهدات تاريخية، واعتبارات قائمة على العدالة في توزيع الثروة، والواقعية عند البت في حصص النهر المائية.

مصر والسودان يلتحفون «عراة» بالمجتمع الدولي، يحملونه مسؤولياته، ويحذرون من الكارثة، أما أثيوبيا فيغطيها «الاتحاد الأفريقي»، و«يعوم على عومها» ويمشي على هواها، شأنه في ذلك شأن اتحاد كرة القدم في القارة السمراء الذي شوه الفساد وجهه، وفضحت الفضائح جرائره وسرائره، وتندرت الدنيا بألاعيبه وأكاذيبه وأدواره المشبوهة في كل منحى وكل مجال.

أثيوبيا تتمسك بالمفاوضات من أجل المفاوضات، ومصر والسودان يتشبثان بالمفاوضات التي تقود إلى نتائج، المصريون والسودانيون يراهنون على اتفاقيات مكتوبة، ويلوحون بمعاهدات ومواثيق مرعية إسوة بمتشاطنين آخرين.

«ناحية المصب»، الأثيوبيون حكومة وشعبًا يهيمون على وجوههم بالقرب من «السد العظيم» دفاعًا عنه بسواتر بشرية لا تخشى في الموت لومة لائم، والمصريون والسودانيون «حكومة وشعبًا» يقفون صفًا واحدًا من أجل الدفاع عن كل قطرة ماء قد تذهب سدى، وعن شعبين يتعرضان للموت عطشًا أو غرقًا أو موتًا في حرب.

العالم يقف وعلى رأسه الطير، أو هكذا يجب أن يكون بعد أن أفرغ السودان ومصر شحنتيهما الدبلوماسية، وأطلقا ما تيسر من تصريحات عنفا فيها الجانب الأثيوبي، وحملا سويًا المجتمع الدولي المسئولية، لكن السؤال ونحن قاب قوسين أو أدنى من الملء الثاني لسد النهضة الأثيوبي بالتحديد في شهر يوليو القادم، ماذا يمكن لدينا أن فعله؟ ما هي الأوراق الرابحة التي يمكن أن يلعب بها الجانب المصري لو وضع يده في يد الجانب السوداني؟ هل ستختلط الأوراق، وهل سيلعب كل طرف بمفرده وفقًا لمصالحة مع «العدو» الأثيوبي؟ أم أن المصلحة «شبه العربية»، و«شبه المشتركة» مازالت ترعى تحت سطح العلاقات التي كانت متوترة حتى وقت قريب بين الشمال المصري والشقيق في الجنوب، بالتحديد عندما قام الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بزيارة إلى السودان قبل أسابيع، لم يكن الاستقبال من فئة الخمس نجوم، حيث لم يستقبل «فخامته» سوى ضابط برتبة فريق في مجلس السيادة السوداني، لم يذهب لا رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان ولا رئيس الحكومة «الحمدوك»، ولا حتى وزيرة الخارجية العاشقة لمصر والمصريين ابنة زعيم الأمة الراحل الكبير الإمام صادق المهدي، لم يحظ السيسي بالترحيب الذي يستحقه، ولا بالمكانة والهامة التي يحتفظ بها كل سوداني أصيل في قلبه لمصر وشعبها المحب بل والعاشق لجنوب الوادي، لسودانه الشقيق، وأمنه البعيد.

مصر والسودان يجب أن يعودا إلى خندق «الحتة واحدة»، فالمصير المشترك يمر بأهم اختبار حقيقي ربما لأول مرة في التاريخ الحديث، واليد التي يجب أن تمسك باليد، والقلبين اللذين من المفترض أن يكونا على قلب رجل واحد، آن لهما أن يجتمعا على كلمة سواء، على قطرة ماء لا يُراد بها إلا الحق ولا شيء سواه، أن يكون الكتف بالكتف ليس شعارًا فوق برلمان، ولا لافتة على صدر متظاهر مسكين، إنما بالتخطيط المشترك، بالنزول إلى مصلحة 150 مليون نسمة في السودان ومصر، إلى قصيدة خالدة من الهادي آدم عندما كان العشق يعذبه وأم كلثوم تغني له فيفيض خلودًا وسعادة، إلى الطيب صالح عندما اختار اسمًا لمعشوقته التي كان يستحق عليها نوبل في الأدب «موسم الهجرة إلى الشمال»، حيث كان يقصد أيقونته مصر.

و.. عندما تغنى المصريون بالسودانيين، وعندما شاركونا فنوننا ومخارج ألفاظنا، وثقافتنا الناعمة منذ علي الكسار وإبراهيم خان وغيرهما في الفن، وصولًا إلى عمر النور ونوح آدم وسمير محمد علي في كرة القدم، انتهاءًا بغيرهم الكثيرين ممن أثروا الحياة المصرية والعربية خلودًا وفنًا، عودوا إلينا يا أشقائنا قبل الفجر، سنعود إليكم لنصافح سويًا يومًا آخر، سيكون فيه النيل الخالد على عهده بنا، نيلًا خالدًا ليس إلا.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها