النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11762 الإثنين 21 يونيو 2021 الموافق 11 ذو القعدة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    3:12AM
  • الظهر
    11:39AM
  • العصر
    3:05PM
  • المغرب
    6:33PM
  • العشاء
    8:03PM

كتاب الايام

طفلي يشاكسني ويسألني..

(دق الحب).. طقس الحصاد في مسرح الطفولة..

رابط مختصر
العدد 11693 الثلاثاء 13 ابريل 2021 الموافق غرة رمضان 1442

  • بستان سنابل القمح الذي توشك أن تطال أعواده الرفيعة رؤوس من يلج غابته الكثيفة

 

لم أشهد في طفولتي إبان ستينيات القرن الماضي طقوساً ربما تنتمي إلى أزمنة سحيقة كالتي شهدتها في الرفاع وخاصة في وادي الحنينية الخصيب، ومن بين هذه الطقوس، احتفال أهل الرفاع كبارا وصغارا، رجالا وصبية وأطفالا، بفن (دق الحب) أو بفن حصاد القمح في أول صيف كل عام، وتحديدا في شهر مايو، حيث يغادر أهل الرفاع في منتصف النهار بيوتهم و(عرشانهم) متجهين نزولاً إلى الساحة المجاورة لعين الحنينية حيث يمتد بجوارها بستان سنابل القمح الذي توشك أن تطال أعواده الرفيعة رؤوس من يلج غابته الكثيفة المتراصة والطويلة المتمايلة والراقصة بفعل رفيف النسمات الهادئة الذي يداعب برقته وحنوه قشور السنابل قبل إزالتها في عملية القطف والدق والحصاد.

هذا القمح (الحنطي) الفريد، كان بالنسبة لأهل الرفاع هبة ربانية لا تحتاج منهم إلى روث أو مياه كي تنمو في تربتها (القرنية) الخصبة وتتسامق وتتمايل لتعلن عن موعد قطافها وحصادها، بل وأزعم أن هذا القمح لا ينمو في تربة أخرى في البحرين غير تربة وادي الحنينية، وبالرغم من أن الوادي يقع في قلب الرفاعين (الشرقي والغربي)، إلا أن القمح لا ينمو إلا في تربته وليس في أماكن أخرى في الرفاعين خارجه، وكما لو أن هذا الوادي في أصله برزخ أخضر شق بخصبه جلمود الصخر في الرفاع ليجعل منها ضفتين، تشرق من إحداها الشمس وتغرب في آخراها، وليوحدهما جميعا على خيراته، من نبات وعيون وطيور.

هكذا كنت أتخيل الوادي، الذي توحي لي غرابته وفرادته بهذه الطقوس التي نمت وتشكلت في هذا البرزخ الأخضر، وما أجمل وما أغرب طقس فن (دق الحب) فيه، ذلك الذي يشبه في احتفاء أهالي الرفاع به، احتفائهم بالعيد نفسه، حيث تخرج الرفاع عن بكرة أبيها لتشهد وتشارك في عيد القمح وهو يجمع في أكياس قماشية (صررا أو خيشا) ومن ثم (يُكوّم) بشكل هرمي في الساحة المجاورة للبستان ليبدأ الجموع في تنقيته وفرزه ومن ثم حصاده.

ونظراً لأهمية هذا العيد أو عرس القمح، وجد أهالي الرفاع وخاصة أهل الفن منهم ضرورة أن يقام لأجله احتفالا خاصا به، معززا بالدفوف والطبول والغناء التي تصاحب (دق الحب) وهو يحصد بسعف النخيل أو (الكرب)، تماما كما هو فن (الدزة) في زفاف العريسين.

وفي هذا الاحتفال، ينصب البيرق في الوسط بوصفه بشارة خير، تماما كما هي النشول والبيارق عندما تنصب على أسطح البيوت استبشارا بعودة عزيز بعد غياب طويل أو زوال همّ بعد عناء صعب أو عودة بعض الحجاج سالمين أو شفاء مريض أو ما شابه ذلك.

وحول هذا البيرق توضع كومات القمح ويتحلق حولها شباب ورجال أشداء البنية ومن ذوي الجلَد حاملين سعف النخيل المختوم آخره بكرب يشبه الخُف ليبدأ إيقاع رقصهم وغنائهم مع عازفي الدفوف والطبول ومغني هذا العرس الرئيسي والمرددين معه من الراقصين ومن خلف العازفين، لينسجم الكل في دائرة واحدة يتخللها التصفيق أحيانا والإرتجال الجسدي الموقع أحيانا أخرى أثناء دق القمح (الحب) وأثناء التفافهم حول أنفسهم قبيل اللحظة التي يحسم فيها السعف ضربته القوية لنزع القمح من قشوره أو من سنابله، ولعلني فترتها لا أتذكر جيدا الكلمات الغنائية أو المواويل التي تصاحب هذا الفن الطقوسي بامتياز، ولا أذكر منها سوى بعض المفردات الأشبه بالمفردات الأفريقية والتي حينها يتعذر علي فك رموزها مثل: (ياسيلا يا سي لامبو.. ياسي لامبو)، مما يؤكد لدي بأن لهذا الفن الطقوسي ذا جذور فنية طقوسية بعيدة. 

مثل هذه المفردات الطقوسية الغريبة التي تتآخى مع دق الراقصين للقمح أو (الحب) كانت حقا تستثيرني وتستوقفني وكما لو أنها تستحضر شخصيات أخرى في هذا الطقس، وكان من أشهر من عرفت من أهل هذا الفن في الرفاع، المغني سعد بن سالم والفرقة المصاحبة له من أمثال سالم بونفل وحميدان وأحمد بن شافي وأحمد (النصاري) وشريده بن مرزوق وعبدالله البنغدير وسلطان العود (ملك الطبل) وسالم عبدالله وغيرهم. 

وأذكر أن هذا الطقس الذي يهرس حصاده بسعف النخيل، كانت المناحيز والمدقات تنتظره للهرس في البيوت، إلى أن أصبحت هذه المناحيز ومدقاتها طقسا آخر يواكب هذا الحصاد في بعض الأحياء وفي بعض بيوت الميسورين في الرفاع، وكانت المرأة في هذا الطقس شريكة في إحيائه، ولعلني لا أنسى ما حييت (الرحى) الحجرية التي تتقدم غرفة جدتي الكبرى نورة وابنتها جدتي قوت والتي يتم طحن وهرس هذا القمح من خلالها إلى أن يصبح صالحا لتناوله كوجبة رئيسية في شهر رمضان خاصة (الهريس)، كما أذكر المنحاز والمشعاب أو المهراس أيضا في بيتنا والذي غالبا ما يثيراني ويدفعاني لاختبار ساعدي الغضين آنذاك، كما لا يمكن أن أنسى والدي وهو يتناول (المضرابة) من يدي جدتي قوت أو من يدي شقيقتي الكبرى موضي ليمعن في هرس الهريس المطبوخ أكثر كي يصبح منسجما مع ليونة اللحم الذي يتخلله، وكنت أحيانا أقوم بهذه المهمة مع والدي، ولأدرك أن هذا القمح ليس معدا لوجبة واحدة فقط وهي (الهريس)، إنما كان (الشوار) أو نخالة هذا القمح كانت واحدة من فوائده التي تقدم بوصفها علفا لأبقار وأغنام الجدة نورة، وكذلك كانت الكسرات الصغيرة التي (تنثلم) من هذا القمح كانت الجدة تعد منها طبق (الجريش).

وأذكر أنه ما إن ينتهي هذا الاحتفال، حتى تبدأ طقوسنا نحن الأطفال في الوادي وفي الأحياء، حيث تصبح هذه (السعفات) التي تجردت من نتوءاتها الحادة والموخزة من بعد نهاية الحفل، تصبح خيولا نمتطيها وننطلق بها في فسح الوادي وفي أحياء الرفاع.

إن هذا الاحتفال أشبه بالمسرح الطقوسي، حيث تتجسد من خلاله حكاية تاريخ القمح، قطفه وتنقيته وحصاده أو درسه وجمعه، تتجسد في بقعة دائرية لولبية أشبه بالمسرح الدائري في الهواء الطلق، والذي تشاهد من خلاله المؤدون والجوقة التي تصاحب أداء الراقصين فيه، كما تشاهد المتفرجين الذين يتابعون هذا الطقس باهتمام كبير وباندهاش والذين تحول بعضهم فيما بعد إلى مشاركين فاعلين في هذا الطقس الذي لا تزال فرق الرفاع الشعبية تحييه في دورها أو في بعض الساحات في الرفاع نفسها، هذا الفن المبهج، العيد، الخصب، عندما ينتهي موسم حصاد القمح، يصبح ذكرى حزينة لدى غالبية أهل الرفاع الذي تنتظره مرة واحدة في كل عام، وتظل الأسئلة تتوالى في رؤوسنا: هل سنحتفل بهذا الطقس في العام القادم أم سيبخل علينا هذا الوادي بفرح الاحتفال به في هذا العام؟ 

ولربما يكون حينها لدينا بعض أمل حين نجتمع كلنا أطفال الرفاع بصحبة أولياء أمورنا أو دونهم على رأس الوادي الشرقي ليلة عيد الأضحى لنرمي أو لنهب هذا الوادي حصاد زرعنا (الحيّه بيّه) والتي قضينا أياما ونحن نسقيها ونرعاها في (قفاف) سعفية صغيرة أو من خلال بعض العلب المعدية الصغيرة والتي غالبا ما تكون علب (الأناناس) والتي كما يبدو أيضا أنها من طقوس الرفاع، علّ فسح هذا الوادي يصغي إلينا ويستجيب فيهبنا مجددا القمح الذي عشنا طقوسه الجميلة فيه ونحن نردد بصوت جماعي هذه الأهزوجة: 

«حية بية... راحت حية ويات حية... على درب لحنينية... عشيناج وغديناج وقطيناج... لا تدعين علي.. حلليني يا حيتي».

وكانت هذه الحيّه بيّه ذات الأصول الرفاعية في البحرين، اتكاء على (درب الحنينية)، كانت أشبه بالقربان الذي كنا نضحي به من أجل عودة الخيرات إلى الوادي الذي قرن أهل الرفاع أرضهم وحياتهم باخضرار وحصاد برزخه الأخضر.

ولو تتبعنا مواسم حصاد القمح في دول أخرى، كالمغرب مثلا، لاكتشفنا مدى أهميته الدرامية الطقوسية في حياتهم، وكم من العروض المسرحية تناولت هذه المواسم وأفردت لها مساحة مهمة في حياتها الاجتماعية. 

ولقد استثمرت هذا الطقس برؤية أخرى تنتمي لروح التجريب في المسرح، حيث كانت (الرحى) والجدة وذاتي المغمورة بالمخاوف أبطالها أو محورها الرئيس في مسرحيتي (الجاثوم) التي ألفتها عام 1990 وصدرت ضمن خمس مسرحيات ألفتها في كتاب، وقد تصدى لإخراجها الفنان عبدالله السعداوي، والتي أثارت حينها جدلا خلاقا لا يمكن أن أنسى احتفاء الشاعر الكبير قاسم حداد به في مجلة (كلمات) التابعة لأسرة الأدباء والكتاب.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها