النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11801 الجمعة 30 يوليو 2021 الموافق 20 ذو الحجة 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%

كتاب الايام

تحية إجلال وتقدير لأم الدنيا

رابط مختصر
العدد 11690 السبت 10 ابريل 2021 الموافق 27 شعبان 1442

في كل زيارة لي لمصر أحرص على إعطاء الجانب الثقافي السياحي لهذه الزيارة مساحة أكبر من الجانب العملي، فما أكاد أفرغ من اجتماعات العمل حتى أهرع لزيارة الأهرامات التي أرى فيها المزيد من العظمة والسحر في كل مرة، وأقرأ في شموخها وارتفاعها قصة حضارة عريقة لا زالت تبهر العالم حتى اليوم، وأسمع في حجارتها الصامتة أصوات قدامى المصريين من عمال ومهندسين فيما يجلبون تلك الحجارة من أماكن بعيدة جدا ويكدسونها فوق بعضها البعض بمهارة وإبداع منقطع النظير.

وغالبا ما أزور واحدا من أهم أصدقائي في مصر، وهو شخصية مهمة نشترك معًا في حب التراث والثقافة، ويستقبلني في بيته الذي يمثل بحد ذاته متحفًا رائعًا أشعر فيه بعبق التراث ورسوخ الحضارة المصرية في نفوس المصريين جيلاً بعد جيل، وتقديرهم وتبجيلهم للشخصيات المصرية البارزة والضاربة في عمق تاريخ مصر الحضاري الممتد منذ أكثر من سبعة آلاف سنة وحتى الآن.

وكم كنت معجبا، بل ومشدوها وأنا أتابع موكب نقل المومياوات الملكية من المتحف المصري بالتحرير إلى المتحف القومي للحضارة المصرية بالفسطاط، في حدث مهيب شد أنظار العالم وأثبت بالدليل القاطع أن مصر كانت ولا زالت أم الدنيا، وأن الحضارة المصرية القديمة بما تحمله من أبعاد اجتماعية ودينية وسياسية وفنية كانت ولا تزال مصدر إلهام لكثير من البشر حول العالم.

مشهد يحبس أنفاس الجميع من شدة العظمة والترتيبات الدقيقة، ويرسم موكبا أعتقد أنه الأعظم في التاريخ والذي لم ولن يتكرر، موكب المومياوات الملكية عظماء التاريخ وحكام أرض مصر، كما أن إعادة إحياء الموكب بهذه الطريقة دليل جديد على عظمة الشعب المصري الحارس على هذه الحضارة الفريدة الممتدة في أعماق التاريخ الذين صانوا الوطن وصنعوا حضارة تفخر بها كل البشرية، لنكمل طريق البناء والإنسانية.

كان بالإمكان نقل هذه المومياوات الملكية في جنح الظلام تحت حراسة أمنية مشددة خوفا عليها من التلف أو التعرض لأية حادثة لا تحمد عقباها، لكن المصريين الشجعان المبتكرين قرروا استثمار هذا الانتقال بحدث شدوا من خلاله أنظار العالم، وكرجل عمل في صناعة الإعلان والعلاقات العامة لمدة نحو خمسين عاما، لا بد من أشيد بذكاء القائمين على هذه الفكرة التي أعادت لمصر الماضي والحاضر ألقها وبريقها وسمعتها التي تستحق حول العالم، دون إغفال دور القيادة المصرية السياسية في رعاية هذا الحدث وإبرازه بالشكل الذي يستحق.

كم هي فرحتنا كبيرة بمصر وقد نفضت عنها سنوات القلاقل وعدم الاستقرار التي عاشتها بعد أحداث ما سمي زورا وبهتانا بالربيع العربي في ظل جماعة متطرفة أمسكت بسلطة أكبر بلد عربي في غفلة من التاريخ والواقع، وبدأت بفرض رؤيتها الرجعية على كل مظاهر الحياة، وأفكر جديا: ماذا لو كان نقل هذه المومياوات الملكية سيحدث في عهد سيطرة الإخوان؟ أنا متأكد أننا كنا سنحتاج إلى ألف فتوى لجواز تحريك المومياوات أو الاحتفاء بها أو حتى النظر إليها.

لا يجب أن نغفل أبدا عما قام ويقوم به تنظيم داعش الإرهابي من تدمير للحضارة البشرية والمواقع الأثرية والمتاحف والمكتبات والمحفوظات وغيرها في كثر من المواقع في الموصل بالعراق وتدمر في سوريا وغيرها من المواقع المدرجة ضمن لائحة التراث العالمي التابعة لمنظمة اليونسكو، ولا ننسى أيضا كيف دمرت حركة طالبان في أواخر القرن الماضي تماثيل بوذا وسط أفغانستان بحجة أنها أصنام.

إن موكب المومياوات الملكية رسالة حضارية من مصر إلى العالم قاطبة، فحواها أن مصر التاريخ والحضارة وجدت لتبقى، وأن المصريين قادرون على الانطلاق نحو مساهمة أكبر في التنمية الإنسانية ومواصلة ما قدمه أجدادهم في هذا المجال.

الموكب ذاته رسالة للأعداء أيضا أينما كانو، وأرجو من العقلاء في إثيبوبيا تحديدًا أن يقرأوا هذه الرسالة بعناية، فهؤلاء الفراعنة أحياء وأموات لن يسمحوا لأحد بالمساس في مصر، وفراعنة وملوك ورؤساء مصر لم يسمحوا عبر التاريخ لكائن من كان بالاعتداء على أرضهم وحقوقهم بأي شكل من الأشكال، وتمكنوا في كل مرة من استعادة حقوقهم وتأديب المعتدين، والجيش المصري العظيم الذي دافع عن أرضه طيلة سبعة آلاف سنة قادر اليوم على مواصلة هذا المهمة بكل مسؤولية.

ثم أنه كيف يمكن للعالم أن يسمح لدولة مثل إثيوبيا ببناء سد هائل يشكل خطرا وجوديا على دولتي السودان ومصر؟ أليست الحضارة المصرية ملك للبشرية جمعاء؟ أليس من واجب جميع الدول الآن التحرك سريعا لوقف هذا الخطر الداهم الذي من شأنه أن يطمس الحضارة المصرية تحت المياه في حال انهيار السد لأي سبب من الأسباب لا سمح الله؟

ومن متابعة تنوع معروضات المتحف القومي للحضارة المصرية، المرقد الأخير للمومياوات المصرية، يظهر أن المتحف يأخذك في رحلة منذ البدايات المعروفة للحضارة المصرية على يد الفراعنة، مرورا بما شهدته أرض مصر من حضارات متعاقبة، وصولا للحضارة الإسلامية، في تمازج فريد يعكس استمرارية الحضارة المصرية، ونجاح مصر في ربط ماضيها بحاضرها، وأنها سليلة الفراعنة من جهة ومتمسكة ببعدها العربي والإسلامي من جهة أخرى، خاصة وأننا رأينا أسماء المومياوات الملوك مكتوبة على عربات النقل باللغتين المصرية القديمة أو الهيروغليفية والعربية.

مبروك للشعب المصري هذا الاحتفال الكبير في نقل المومياوات الملكية إلى المتحف القومي للحضارة، يوم تاريخي لحضارة عظيمة، شكرا على هذا المشهد الأسطوري، ففي لحظة وبدون سابق إنذار ولا إعلان، مصر أرادت أن تقول أنا أم الدنيا وتاريخها وحضارتها وعظمتها، نعم أنا مصر سيدة كل لحظة وكل وقت وكل زمن، عمار يا مصر العظيمة يا أمنا يا أم الدنيا، لقد أشعلت فينا مشاعر الفخر والاعتزاز بأننا جميعا عرب ننتمي لهذه الأرض.

 

* رئيس مجلس إدارة مجموعة بروموسفن القابضة

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها