النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11855 الأربعاء 22 سبتمبر 2021 الموافق 15 صفر 1442
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:07AM
  • الظهر
    11:31AM
  • العصر
    2:58PM
  • المغرب
    5:35PM
  • العشاء
    7:05PM

كتاب الايام

سيكولوجية الجماهير بين العلم والسياسة

رابط مختصر
العدد 11688 الخميس 8 ابريل 2021 الموافق 25 شعبان 1442

  • يمتد نشاطه من العقد الرابع في القرن التاسع عشر إلى العقد الثالث من القرن العشرين

 

الدكتور غوستاف لوبون، مؤلف كتاب «سيكولوجية الجماهير»، في الأساس ليس بعالم ولا طبيب في مجال علم النفس، بل طبيب و مؤرخ فرنسي، يمتد نشاطه من العقد الرابع في القرن التاسع عشر إلى العقد الثالث من القرن العشرين. رغم أنه في الأساس طبيب ومؤرخ إلا أن الثقافة الشعبية والحركات الجماهيرية، التي أصبح لها الكلمة الفصل في تقرير مصير الدول والشعوب، قد أحدثت في نفسه توترًا وفي عقله ارتباكًا واستحوذت على اهتمامه بشكل قوي ومؤثر وجدي، مما حفّزه لدراسة الظاهرة الشعبية والتحركات الجماهيرية. هاجسه الأساس كان ينطلق من الثورة الفرنسية، التي كان ينظر إليها بريبة وبشيء من الخوف والفزع، الخوف على مسار الحضارة حسب رأيه أو بالأحرى حسب عقيدته، والفزع من سلطة الجماهير، تلك السلطة التي أضحت تحرّك من قبل الرعاع!!! حسب التوصيف الارستقراطي والنخبوي؛ لأن التحرّك الجماهيري قد سحب البساط من تحت أقدام الارستقراطيات والنخب التقليدية التي كانت صاحبة القرار في الحرب والسلم، في السياسة وفي الاقتصاد، في المجتمع وفي الأسرة، في الأدب وفي الفن. الثورة الفرنسية بطابعها الجماهيري غيرت موازين القوة في المجتمع، فمن جمهور مغلوب على أمره ومستغل من قبل الكنيسة والنبلاء وعلى رأسهم سلطة الملك، إلى قوة من عامة الناس (الجماهير) تمحي الكنيسة من خارطة السلطة وتخلخل سلطة النبلاء الإقطاعية وتأتي ببديل برجوازي وتحيل الدولة من ملكية تقليدية عمرها ألوف السنين إلى جمهورية فتية في ساحة السياسة وفي سجل التاريخ. إن هذا التحول النوعي في السياسة والاقتصاد وعلى مسار التاريخ قد مسّ الحضارة السائدة في الصميم، وحول مجرى الحضارة؛ هذا المجرى الجديد صار بالنسبة لا مثال غوستاف لوبون منعطفًا نحو الهاوية، وكيف أنه من الضروري الوقوف ضد التيار الجماهيري المتصاعد انقاذًا للحضارة.

هذا الواقع النهضوي الجديد في أوروبا، الذي كان الوليد الشرعي لفكر وفلسفة عصر النهضة، دفع السيد غوستاف لوبون إلى دراسة علم النفس واستخلاص مخرج أو فرع جديد فيه، وهو التوسع في علم النفس من دراسة الفرد إلى دراسة الحشد أو الجماهير، وكيف أن لهذه الجماهير في وحدتها تكتسب سيكولوجية خاصة بها، تنصهر فيها سيكولوجيات فردية عديدة تفقد سمتها الفردية المختلفة والمتناقضة لتشكل سيكولوجية أخرى لا تمت إلى الفرد المنخرط في الوحدة الجماهيرية بأية صلة. ويصف هذا التشكل السيكولوجي في «وحدة الجماهير» بهذه العبارة: «بمجرد أن يجتمع هؤلاء على هيئة جمهور فإن الجاهل والعالم يصبحان عاجزين عن الملاحظة والنظر... وكم هو عدد الجماهير التي ضحّت بأنفسها بنوع من البطولة من أجل عقائد وأفكار لا تفهمها إلا بالكاد». بمجرد أن خرج الكتاب إلى عالم المكتبات تفتحت عليه عيون الناس شبه - أجمعين، من العامة والخاصة... العامة وهي نبع الجماهيرية، والخاصة وهي مراكز السياسة والاقتصاد، فأضحى كتابًا سياسيًا بامتياز. تهافت قادة الساسة وخبراء السياسة لدراسة هذا الكتاب الذي وجدوا فيه دليلاً مفيدًا وفعّالاً لمعرفة سيكولوجيات الحشود وكيفية التعامل معها وتوجبه دفتها خدمة للسياسة السائدة، ودرءًا لأي تحول درامي قد يقلب الواقع السائد إلى واقع لا يحمد عقباه. من المعلومات المتداولة، عن الأهمية السياسية لهذا الكتاب، أنه استحوذ على اهتمام هتلر وموسوليني، وقد قام بعض القادة السياسيين في أمريكا وفرنسا بزيارة لوبون للاسترشاد بأفكاره. أخذ الكتاب بُعدًا سياسيًا موازيًا لكتاب «الأمير» الذي كتبه نيقولا مكيافيللي في القرن السادس عشر... الفارق الزمني بين الكتابين ثلاثة قرون، وهذه الثلاثة قرون كانت مثقلة بعناصر التحولات النوعية الكبيرة التي أفرزت مسار النهضة والثورات الشعبية وسيكولوجية الجماهير ومكانة الشعوب في دساتير الدول (الجملة البراقة في معظم الدساتير هي: «الشعب مصدر السلطات» )... ورغم نسبية السلطة الشعبية على أرض الواقع، إلا أن ورودها بالنص الصريح في الدساتير يحمل دلالة نهضوية (حضارية) على مسار التاريخ، أي نقطة تحول في التاريخ البشري منذ ألوف السنين؛ هذه السلطة التي مصدرها «سيكولوجية الجماهير» هي سلطة فتية في عمر الحضارة.

مثلما انفتحت أبواب السياسة لكتاب نقولا مكيافيللي «الأمير»، كذلك انفتحت تلك الأبواب، وبقياسات أوسع، لكتاب غوستاف لوبون «سيكولوجية الجماهير»، مما يجعل من كتاب لوبون مادة في السياسة أكثر من كونه مادة في علم النفس كعلم. من حسن حظ عالم الفكر والثقافة، وعلم النفس ذاته، أن مؤسس علم النفس التحليلي العالم الكبير والمفكر الحر سيغموند فرويد لم يقف مكتوف اليدين أمام مادة بحثية ودراسة جديدة تنفتح على علم النفس دون أن تكون له فيها كلمة. السيد فرويد قرأ كتاب السيد لوبون بفكر علمي وهدف أكاديمي، وبعد ربع قرن من صدور كتاب لوبون خرج بكتاب موازٍ تحت نفس العنوان «علم نفس الجماهير». فرويد يسجل للسيد لوبون تأسيس هذا العلم ولكنه ينكر عليه الأسبقية المطلقة في ذلك؛ والدور الذي أدّاه فرويد في كتابه هو التعليق والنقد وتطوير هذا المدخل الجديد في علم النفس. فرويد في كتابه النقدي يكشف لنا عن القصور في كتاب لوبون من حيث توصيفه غير العميق عن نفسية الجماهير، وكيف أن مفهوم لوبون عن اللاشعور كان وصفًا سطحيًا لم ينفذ إلى الأعماق، ويضيف فرويد بأنه «ما دام الأفراد الذين يؤلفون جمهورًا ينصهرون في وحدة، فلا بد أن يكون ثمة شيء ما يربطهم بعضهم ببعض، ومن الممكن أن هذا الشيء هو بالتحديد ما يميز الجمهور. إلا أن السيد لوبون، إذ يترك هذه المسألة بلا حل، يُولي اهتمامه للتعديلات التي تطرأ على الفرد في الجمهور ويصفها بعبارات تتفق (رغم سطحيتها) مع المبادئ الأساسية لعلمنا النفسي عن اللاشعور».

إن مداخلة فرويد، من خلال كتابه الموازي لكتاب لوبون، يكشف لنا عن هدفين مختلفين للمؤلفين... لوبون بالأساس كان موتورًا سياسيًا، وهذا التوتر السياسي كان حافزه لتأليف كتاب (أو دليل) لتمكين السادة التقليديين في السياسة من التحكم في موجات التحركات الجماهيرية قبل استفحالها، بينما فرويد، ومن موقعه العلمي والأكاديمي الصرف، كان حافزه الكشف عن النواقص أو العلل في المفاهيم التي طرحها لوبون وتطوير المادة الجديدة، وهي «علم نفس الجماهير» التي سبقه فيها لوبون. وهذا إقرار من فرويد بالدور الرائد الذي قام به لوبون؛ ورغم أن كتاب لوبون طعمه السياسي يطغى على طعمه العلمي، إلا أنه لا يمكن إنكار مذاقه العلمي، وباعتراف مؤسس علم النفس التحليلي نفسه. فمن أجل فهم كتاب «سيكولوجية الجماهير» للعالم غوستاف لوبون فهمًا دقيقًا، فإنه من الضروري قراءة كتاب «علم نفس الجماهير» للعالم سيغموند فرويد.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها