النسخة الورقية
  • الارشيف

العدد 11888 الإثنين 25 اكتوبر 2021 الموافق 19 ربيع الأول 1443
بحث متقدم

الكلمات الاكثر استخداما

  • 30%
  • الفجر
    4:22AM
  • الظهر
    11:22AM
  • العصر
    2:36PM
  • المغرب
    5:02PM
  • العشاء
    6:32PM

كتاب الايام

الموكب الذهبي.. ملوك وملكات من كل عصر

رابط مختصر
العدد 11687 الأربعاء 7 ابريل 2021 الموافق 24 شعبان 1442

هيهات بين ماضٍ ذهبي وحاضرٍ لا يكاد يستنشق هواءً نظيفًا، بين قوى قومية وهندسة معمارية وطب وفلك وروحانيات وعلوم اجتماعية وإنسانية، تشرذمات مصلحية أو عقائدية أو عرقية أو فئوية، هيهات وشتان بين ملوك حكموا الأرض وما عليها وأضافوا لحضاراتها وزينوا شعوبها بالحكمة والفرح، بالتحنيط وقراءة حركة النجوم والكواكب، بالإبداع والعمران الدقيق، بالعلوم وبالتوحيد وبالبحث عن خالق هذا الكون العتيق، وأمة لا تكاد تتنفس الصعداء وهي تمضي في ذيل الأمم، تقتات على فتافيتها، وتنتظر الحسنة من المؤمنين فيها، والحماية من بوارجها العملاقة، وصواريخها الطاغية.

هيهات بين أساطيل وجيوش حاربت وصدت الهكسوس والحيثيين، وقضت على إمبراطوريات بغت وجارت، وبين بلاد جيوشها لا تحارب، ورجالها عاطلون عن العمل، ونسائها يتم التحرش بهن في كل محفل وكل منعرج.

18 ملكًا وأربع ملكات خرجوا جميعًا ليلة الأحد الماضي «مساء السبت» من مرقدهم المهيب «دار الآثار المصرية» في ميدان التحرير بعد 102 سنة من السبات العميق ليذهبوا جميعًا في موكب ذهبي تجره الخيول وتتقدمه المصفحات والعربات المجنزرة العتيدة متوجهةً إلى مثواهم الأخير في مدينة الفسطاط القاهرية القديمة، حيث متحف الحضارة العملاق، وحيث التاريخ الذي يحكي قصصًا ذهبية، ويروي أساطير فرعونية، ويعيد الكون كل الكون لأكثر من ثلاث آلاف سنة قبل الميلاد، من رمسيس الثاني الذي حكم مصر 67 عامًا وتمكن من تكوين إمبراطورية تبدأ من حدود العراق شمالاً وشرقًا إلى جزء من أثيوبيا وأوغندا جنوبًا، ناهيك عن امتدادات الإمبراطورية المصرية آنذاك نحو المغرب العربي، وناهيك عن آثارها التي تركتها على الحجر والبشر، على الزرع والضرع، على اليابسة والماء، على الأرض والسماء، رمسيس الثاني الذي مازال حيًا بمسلاته التي تحكي أروع تاريخ في الوجود، وأنصع صفحات التعاطي الإنساني مع حالة الكون بوصفه المتغير الوحيد، بمعبد أبو سمبل الذي بناه كي يُدفن فيه بجوار ما يسمى بالدير البحري، بالهندسة المعمارية التي تلتقي أبعادها مع علوم الفلك، وفنون السماء، تدخل الشمس إلى الملك العظيم لتوقظه من نومه مغطيةً صفاء وجهه مرة واحدة كل سنة، هو يوم عيد ميلاده.

وتنتقل المعجزات الذهبية من عصر إلى آخر، حيث الملك أخناتون الذي دعا إلى التوحيد، قبل نزول الأديان السماوية جميعها من خلال رسُل وأنبياء، فكان الأب الروحي للديانات الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلام، ثم إلى الملكة حتشبسوت التي قهرت الهكسوس وانتصرت على الغزاة، وأقامت وطنًا من ذهب لجميع المصريين على الضفة الأخرى من القاهرة الساحرة.

سُحِر العالم مع الموكب الذهبي لمومياوات مصر العظماء، سُحِروا وأعادوا النظر، ربما في كل ما قرأوه، وكل ما شاهدوه، وكل ما عرفوه عن الحضارة المصرية العريقة، ذهبوا مع الخيالة وهي تتقدم الموكب المهيب، ومع سيدات العصر وهن يتقدمن أجدادهن وجداتهن برقصات فرعونية تحت برقع الزمن القديم، ثم حركات فائقة الجودة والشموخ وهي تبعث برسالة فتية فائقة التحرر والتحفظ والنبوغ بأن مصر كانت أمًا للفنون، تمامًا مثلما كانت أمًا للعلوم والآداب.

وعلى الضفة ذاتها وبعد الخروج العظيم من دار الآثار بميدان التحرير، انطلق الموكب الذهبي في خفة حركة، وهيبة حضارة، ووسامة إخراج، وعلى الجانبين يصطف الإعلاميون ومراسلو القنوات الفضائية العالميين، يضربون كفًا بكف، وأخماسًا في أسداس، كيف كان لمصر كل هذا البهاء، وكيف اختفى؟ كيف حافظوا على هذا التاريخ، وكيف غاب الاستنساخ المبين عن حاضره ومستقبله؟ ثم كيف عاشت الحضارة لأكثر من خمسة آلاف سنة ولم يعش عالِمًا في عقر داره بكرامة بعد أن داهمته الديون وحاصرته الهموم، وجعلت من اسمه أضحوكة بدلاً من أن تقيم له تمثالاً، وتقدم له أحلى ما في الوجود من عيش كريم، وتكريم رحيم، واعتراف بالفضل وليس إنكارًا للجميل.

أمة فرعون لم تتعال على بني البشر، لم تتعجرف على أمة الإنسان، لم تصادر حقوق الشعوب في التعبير والإبداع والابتكار خدمة للوطن، بالعكس كان التشجيع للموهوبين على أشده، والتبجيل لفصيل العلماء على كهنونة داخل معابد وغرف «مكيفة» ومجهزة للمبدعين والعباقرة فقط.

لذلك انتصرت مصر في زمانها القديم على الأوبئة، على الطبيعة الصعبة، على ارتدادات وغضبات الكون الفسيح، حفرت في الصخور وأقامت المعابد والقصور، وشيدت الأهرامات والمقابر والحصون، وأقامت سدودًا عالية وقناطر للري، وأساطيلاً للدفاع عن البحر، تمامًا مثلما كان لها ذلك على اليابسة، وما أدراك ما اليابسة، جبال ومرتفعات وصحاري ممتدة على أبعد من المدى، رغم ذلك قهر المصريون الأوائل الطبيعة، انتصروا على عدوانها، وتفوقوا على خصالها وجيناتها، وأقاموا المسارح والملاهي احتفاءً بوفاء النيل، واعترافًا بأن النهر العظيم هو مصر التي هي هبة النيل، لم يكذب هيرودوت لكنه قرأ التاريخ بعمق وخفة دم، ولم يكفر النبي يوسف عليه السلام عندما تربع على كنوز الأرض وهو يحكم مصر على مرأى ومسمع من فرعونها القوي آنذاك، ولم يستغفل المصريون العالم عندما وعدوهم بالموكب الذهبي المهيب وهو يتحرك من ميدان التحرير إلى مثواه الأخير في متحف الحضارة الرهيب، وعندما وعد رئيس مصر عبدالفتاح السيسي أنه سيكون في استقبال أجداده الملوك والملكات بخشوعٍ لم تعهده أمة من قبل.

شــارك بــرأيــك

التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي الايــام وإنما تعبر عن رأي أصحابها